دراسة السياسة بغزَّة في تراجعٍ واضح.. إليكم الأسباب

14 مايو , 2018

لم يكن قرار الطالب محمد ياسر الذي يدرس السياسة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزَّة، بالتحول لتخصُّص إدارة الأعمال بعد عامين من الدراسة سهلًا، فالأمر سبب له خسارةً على الأصعدة كافَّة.

يقول محمَّد إنّه أنفق ما يزيد عن ألفي دينار أردني خلال العامين كرسومٍ دراسية فقط، عدا المستلزمات الجامعية الأخرى، والأهم ضياع الكثير من الوقت والجهد دون تحصيل أيّ فائدة.

ويشير في حديثه لشبكة “زدني” إلى أنَّ قراره هذا جاء بعد جهد لإقناع عائلته -الّتي ألحَّت عليه لدراسة السياسية- بعدم جدوى الاستمرار في التخصص لا سيما في ظلِّ انعدام الآفاق المستقبلية له، وغياب الجهات المشغلة، إضافةً “لضعف المستوى الأكاديمي”، مفسرًا ذهابه إلى إدارة الأعمال دونًا عن غيره بأنّه يحقق فرصًا مستقبلية أفضل في الظروف كافّة، عدا الحالة العامّة السيئة التي يعيشها القطاع منذ ما يزيد عن 10 سنوات.

برامج البكالوريوس

نظرة الطالبة ولاء البطة للتخصص الذي عزف عنه ياسر تختلف، إذ توضح أنّ البيئة المحيطة التي تعج بالأحداث الساخنة والأزمات المستمرة هي الدافع وراء التحاقها ببرنامج العلوم السياسية، وكذلك نشأتها في أسرةٍ مهتمة بالسياسة وتفاصيلها.

والتحقت البطة في ذات الجامعة عام 2014، دون أيّ اختبارات قبليّة وبلا شروطٍ سوى معدل الثانوية العامة، وترى بخلاف زميلها أنّ مضمون الخطة الدراسية “مقبولًا نوعًا ما، مع الإقرار بضرورة تطوير بعض المساقات وإضافة أخرى”.

وتطمح البطة التي تحدثت لـ “زدني” بالعمل في السلك الدبلوماسي الفلسطيني، وتربط إمكانية تحقق ذلك بالأوضاع السياسية العامّة، خاصةً في ظلّ غياب دور فاعل لوزارة الخارجية عن قطاع غزّة منذ سنوات.

 

برامج الماجستير

في حين تعتقد الطالبة إيمان محمّد التي التحقت ببرنامج الماجستير في العلوم السياسية في جامعة الأزهر مؤخرًا أنّ “التخصص ضعيف جدًا، وكذلك أسلوب التعليم الذي يقترب كثيرًا من الأسلوب المُتبع في البكالوريوس”.

وتقول إنّها خرجت بقناعة أنّ الأداء الأكاديمي بحاجة إلى تطوير كبير لافتقاده القدرة على تخريج أشخاص قادرين على التحليل السياسي، وإعداد الدراسات والأبحاث العلمية بالصورة المنهجية.

وتتحدث إيمان عن غياب الرقابة على الأداء البحثي للطلبة خلال مرحلة الدراسة الأمر الذي يعدُّ خطيرًا ويجب التنبه له، خاصّةً مع ازدياده بشكلٍ كبير في الفترات الأخيرة، لأنه كما توضح يأتي ضمن أهم الأسباب التي تُسهم في تخريجِ طلبة غير مؤهلين للعمل في سوقٍ مزدحم ويفتقر للشواغر.

ووفقًا لبيانات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء، بلغ معدل البطالة في قطاع غزة 47% وهي تتركز في فئة الشباب الخريجين، حيث نصف الخريجين من الجامعات عاطلون عن العمل.

 

تراجعُ الإقبال

 

رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر د. مخيمر أبو سعدة، يعزو تراجع عدد المقبلين على دراسة العلوم السياسية في غزّة، إلى غياب الجهات الحكومية المشغلة، خاصّةً بعد الأحداث السياسية التي شهدها القطاع منذ عام 2007، وكذلك عدم قدرة مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والأبحاث على استيعاب عاملين جدد.

ولجأ الأزهر في السنوات الأخيرة لدمج تخصص العلوم السياسية مع تخصصاتٍ أخرى كعلم الاجتماع والتاريخ بهدف تحفيز الطلبة وتحسين فرصة العمل وفتح أفق جديد للخريجين، إلّا أنّ الأمر لم يكن مجديا ولم يحقق هدفه، ما اضطر الجامعة إلى إغلاق قسم علم الاجتماع المدمج بالعلوم السياسية لضعف الإقبال، بحسب أبو سعدة.

والأزهر من أولى الجامعات الغزية التي تمنح درجتي البكالوريوس في تخصص العلوم السياسية منفردًا منذ عام 1996، وبرنامج الماجستير عام 2007، وتتبع برامجها لكلية الآداب مباشرةً.

ويستكمل أبو سعدة “شهد البرنامج إقبالًا معقولًا وقت افتتاحه، حيث بلغ عدد المسجلين 30 طالبًا في المستوى الواحد، لكنّ الآن وبعد 22 عامًا لا يتجاوز الـ 15 مسجل في العام الواحد، وبالنسبة للماجستير فكان يصل عدد الملتحقين لحوالي 20 طالبًا في السنوات الماضية، والآن عدد المسجلين في هذا العام هم سبعة فقط”.

 

تخصصاتٌ مدمجة

الحال في الجامعة الإسلامية لا يبدو أفضل، وفقا لما تحدث به رئيس قسم العلوم السياسية د. وليد المدلل، مشيرًا إلى أن الجامعة لا تطرح برامج السياسة إلّا مدمجةً بالاقتصاد أو بالإعلام.

وأفاد بأنّ برنامج الاقتصاد والعلوم السياسية مجمد منذ عدّة سنوات، والفاعل فقط هو برنامج السياسة والإعلام إضافةً لماجستير الدراسات الإقليمية والدولية.

ويتبع قسم السياسة في “الجامعة الإسلامية” لكلية التجارة، ويبرر الدكتور ذلك بارتباط العلوم السياسية بالاقتصاد بدرجةٍ كبيرة، وكذلك حاجة طلبة السياسية لرفع درجة وعيهم بالشؤون الاقتصادية وتفاصيلها”، وعلى الرغم من الإيجابية التي تحدث بها الدكتور إلّا أنّ بعض الطلبة يرون ارتباط السياسة بكلية التجارة سببًا لعزوفهم عن الالتحاق به، نظرًا لوجود مساقات تطرح ضمن الخطة الدراسية وهي “أساسًا لا علاقة لها بالعلوم السياسية وغالبًا لا تعود عليهم بالفائدة العلمية والعملية المرجوة”.

 

مشكلةٌ عامّة

في ذات السياق يرى الباحث السياسي محمّد العيلة أنّه لا يُمكن عزل مشكلة العلوم السياسية في البلاد عما يُعانيه التعليم الفلسطيني لظروف ذاتية وموضوعية، “فلا يوجد بيئة حاضنة تستثمر خريجي العلوم السياسية، وتؤهلهم وتُعدهم للقيام بالمهام الأصيلة المنوط بما يملكوه من علم، سواء في الوظيفة العمومية أو مراكز الأبحاث والفكر”.

يتابع “وذلك نظرًا لأننا نعيش في بيئة أمنية؛ فيصعب على طالب العلوم السياسية القيام بمشاريع بحثية في العديد من المجالات التي ترتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الطالب وذلك خوفًا من أن يترتب على ذلك متاعب هو في غنى عنها، ولهذا نجد أن السمة الغالبة على مُخرجات أقسام العلوم السياسية تحمل نفس الأحداث والظواهر بنوع من التكرار والرتابة، وهذه إحدى التحديات المترتبة على غياب المؤتمرات العلمية داخل البلاد وصعوبة خروج الباحثين للمشاركة في مؤتمرات خارج الوطن”.

ويلفت محمد العيلة في حديثه لـ “شبكة زدني” إلى أنّ هناك عِدة عوامل تؤثر في عملية الإقبال على دراسة العلوم السياسية محليًّا، مثل سوق العمل وضعف الخطط الدراسية، موضحًا أنّ الجامعات الغزّية لديها مشكلة مركبة الخطط الدراسية التي لا تُواكب تطور العلوم السياسية على صعيد النظرية أو التطبيق.

ويضيف إلى ذلك أن نسبة الطلبة المتمكنين من اللغة الإنجليزية من طلبة العلوم السياسية قليلة في حين أن علم السياسة علم أمريكي حديث النشأة، ويغلب على الكُتب والدراسات ذات القيمة في هذا المجال أن تكون مكتوبة باللغة الإنجليزية.

ويشار إلى أنّ أربع جامعات في غزة وهي الإسلامية والأزهر والأمة والإسراء تمنح درجة البكالوريوس في تخصص العلوم السياسية إمّا منفردًا أو مزدوجًا، وثلاث جامعات تمنح درجة الماجستير في ذات التخصص وهي الأزهر والإسلامية وكذلك القدس أبو ديس التي تقدمه بالشراكة مع جامعة فلسطين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك