درس في القراءة: انتهت حصة الكاتب من الوقت!

11 يناير , 2018

من عدة سنوات قرأت في أحد المجلات العربية مقالًا بعنوان “انتهت حصة الكاتب من الوقت”، يتحدث فيه الكاتب عن الانطباعات الخاطئة التي قد يأخذها بعض القراء عن الكثير من الكتّاب ومؤلفاتهم. فقد يُعجب القارئ بكتاب لمؤلِّف ما، ثم يدفعه هذا الإعجاب لأن يقرأ المزيد والمزيد لنفس الكاتب. وهنا تأتي الصدمة كما يشير مؤلف المقالة، فيجد القارئ أليست كل مؤلفات ذاك الكاتب تستحق القراءة، بل قد يكتشف القارئ أن الكتاب الذي استهل بقرائته هو أفضلهم على الإطلاق!

 

وبناء عليه، يقترح مؤلف المقالة في نهايتها أن يعطي القارئ أي كاتب فرصة أو اثنين على أقصى تقدير، ثم “تنتهي حصته من الوقت”. فليس ذنب القارئ أن كاتبًا ما لم يحرص على روعة التأليف والإتقان في كل كتبه. كما أضاف أنه توصل لهذه القاعدة لأن الوقت والعمر لا يتسعان حقيقة لقراءة جميع المؤلفات وكل الكتب، فعلينا الانتقاء ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. وعلى مر السنوات وكثرة الاطلاع ومن تجارب آخرين، تبين لي بعض التحفظات على قاعدة هذه المؤلف:

 

1- ماذا إذا صادف اختيارنا أسوأ المؤلفات؟!

وكثيرًا ما يحدث مثل هذا الأمر، فنجد أنفسنا نقرأ لكاتب ما، ثم يتضح لنا لاحقًا أننا ما قرأنا إلا أسوأ مؤلفاته! علاوة على أن الكثير من الكتاب قد لا يبدأون بدايات قوية، وقد لا تكون مؤلفاتهم التي قرأناها هي الأروع! فما الحل إذن في تلك الحال؟ وهل قد تفيد المناقشات الأدبية والاستشارات ووجهات نظر القراء السابقين لنفس المؤلف؟ تنقلنا هذه الأسئلة للنقاط التالية والتي سنحاول من خلالها الإجابة عليها.

 

2- هل توجد قاعدة مُثلى للاختيار؟!

من أشهر مواقع عرض آراء الكتاب فيما يقرأون من الكتب موقع “جود ريدز” Goodreads. وبعد استخدامه على مدار سنين سواء على نطاق الكتب العربية أو الأجنبية وفي شتى المواضيع، لاحظت أن غالبية التقييمات إما أن تكون لصالح الكتاب بالكامل، أو ضده بالكلية باستثناءات قليلة للآراء المناقضة من الجانبين. وفي كثير من الأحيان، تكون تلك الآراء النادرة المناقضة للرأي العام في “جود ريدز” ـإن صح التعبير- هي التي أميل إليها بعد قراءتي للكتاب!

 

لذا، فقد توصلت أنه للأخذ بآراء الآخرين والإفادة منها وتفعيلها فيما يتعلق بالكتب -كما في غيرها من أمور الحياة -لابد قبل أن نسأل أو نناقش قارئًا ما أو نأخذ بوجهة نظره، أن نطلع على المستوى الثقافي والفكري والأخلاقي واللغوي والمرحلة العمرية لمن يقيَّم الكتاب هذا الكتاب أو ذاك. وللأسف كل تلك الخيارات لا تكون متاحة على “جود ريدز”، ولا على كثير من المواقع المشابهة له إلا القليل النادر. وتظل مع هذا غير كافية، لأنها لا تعرض بشكل واضح ومجمل لخلفية الشخص الدينية والاجتماعية والفكرية، والتي لا ريب تؤثر بشكل كبير على رأيه فيما يقرأ.

 

فمثلًا، دخلت مرة للقراءة عن إحدى الروايات في “جود ريدز”، فوجدت شبه إجماع على روعة الرواية، وتفرد أسلوبها اللغوي، وبعد تحميلها والنظر فيها، وجدت أنها مكتوبة بعامية سيئة، أما القصة والحبكة فلا معنى لهما! وهكذا أدى الاختلاف الفكري واللغوي للاختلاف في الآراء وبالتالي في تقييم الكتاب. ورواية أخرى عالمية أشاد كثيرون بروعتها وسلاسة الأسلوب والفكر، ثم اتضح أنها قائمة على فكر علماني صِرْف وبالتالي لم تكن من نوعية الكتابات التي تروق لي ولغيري كثير.

 

3- الأمر في النهاية يخضع للأذواق:

كالملابس، والطعام والشراب، فالكتب كذلك تخضع للأذواق الشخصية وكذلك فإن المستوى والفكري والثقافي كما أسلفنا يؤثر بشكل كبير على وجهات النظر. وكثيرًا ما أفدتُ من آراء غيري في ما قرأته من الكتب، وأخذته ببعضه واختبرته فعليًا ونجح الأمر. وربما يكون سبب النجاح هو التقارب الفكري بيني وبين هؤلاء ممن أخذتُ بآرائهن. وبالتالي يكون مفيدًا لو نأخذ بآراء غيرنا من القراء من نفس المستوى الفكري والثقافي والديني أو على الأقل أن يكون المستوى متقارب.

 

4- قاعدة “انتهت حصة الكاتب من الوقت”، متى تُطبَّق؟

مع ما أشرنا إليه في النقطة الأولى “ماذا إذا صادف اختيارنا أسوأ المؤلفات؟!”، فإنه لا مفر من اللجوء أحيانًا لقاعدة “انتهت حصة الكاتب” لضيق العمر والوقت، إذا لم تتيسر لنا فرصة أخذ الآراء واستشارة من نثق بآرائهم ومستوى ثقافتهم. فالعمر في النهاية لا يتسع إلا للقليل. وعلى أهمية القراءة، فالحقيقة أنه ليس كل ما كُتب يستحق أن يُقرأ!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك