روبن هود العلوم.. لأن العلم ليس حِكرًا على الأغنياء – Sci-Hub نموذجًا!

5 فبراير , 2018

لولا العلوم وما يُنشر ونُشر من أوراق بحثيَّة حول العالم لَمَا كُنا نستخدم اليوم الإنترنت لنقرأ هذا التقرير، ولَمَا تطوَّر الطب كُلَّ هذا التطور، ولَمَا تطوَّرتِ الصناعات بالشكل الذي نعيشه هذه الأيام، ولكن المُشكلة التي نعرفها جميعًا، أن معظم الأبحاث التي تُنشر حول العالم اليوم لا يُمكن الوصول إليها بسهولة بالنسبة لأكثر الطلبة، وبالأخص في عالمنا العربي، فهي مُكلِّفة جدًّا، وتصل تكلفة الورقة البحثية الواحدة حوالي 35 دولارًا، وبالتالي فإن الطالب الذي يدرس في جامعة “فقيرة” لا تطيق المبالغ الباهظة التي تطلبها دوريات النشر العلمي؛ فإنه لن يصل إلى آخر الأبحاث وأشهرها، تمامًا كما حصل مع ألكسندرا الباكيان التي قررت أن تضع حدًّا لكل هذا، من خلال تأسيس موقع Sci-Hub الذي يتيح لأي طالب أن يقوم بتنزيل أي بحث من أهم المجلات العلمية، ودُون دفع أي قرش، وتساهم بهذا في دفع عجلة البحث العلمي في الكثير من بلادنا العربية والإسلامية!

 

ترعرعت ألكسندرا في مدينة آلماتي في كازخستان، حيث لا تستطيع الجامعات والمعاهد هناك الوصول إلى الكثير من الأبحاث والأوراق العلمية المنشورة في الدوريات العلمية العالمية، تمامًا كما هو الحال في أكثر الجامعات العربية، ولهذا لم يكن من السهل عليها أن تُنجز أبحاثها في علوم الدماغ، فدفع 35$ لكل ورقة بحثية هي مسألة مستحيلة بالنسبة لها، ولا بُد من بدائل ذكيَّة.

 

في البداية، كانت الوسيلة الأبرز عند ألكسندرا وغيرها من الطلبة هي الحصول على هذه الأوراق من خلال السؤال عنها في المنتديات العلمية، أو حتى في مواقع مثل تويتر من خلال هاتشاغ #ICan-HazPDF مثلًا، ولكن المسألة لم تكن سهلة ففيها مضيعة للوقت!

 

في 2011، تغيَّر كُل هذا بفضل موقع Sci-Hub الذي يعمل بطريقة “ذكية” لتجاوز كُلِّ الحواجز القديمة التي كانت تمنع الطلبة في المعاهد الفقيرة من الوصول للأبحاث العلمية المنشورة في أشهر الدوريات العلمية، وهي “حواجز الدفع”، فالموقع يتجاوز ذلك من خلال البحث عن البحث المطلوب في قاعدة بيانات واحدة من أشهر المكتبات على الإنترنت LibGen والتي تحتوي على 50 مليون ورقة بحثية، فإن لم يُعثر على البحث المطلوب فيها فإن Sci-Hub يقوم باستخدام كلمات مرور لمتطوعين لديهم اشتراك في دوريات علمية توفر ذلك البحث، فيتم إرسال نسخة إلى مكتبة LibGen ونسخة إلى الطالب، وكل ذلك يحصل في وقت خيالي، وبكل بساطة!

 

حاليًّا، يتم تنزيل حوالي 100 ألف ورقة يوميًّا، من قِبَل حوالي 20 مليون زائر من حول العالم، وهؤلاء ليسوا من كازخستان فقط ولا حتى روسيا، بل من كُل دول العالم بما فيها أمريكا وأوروبا، حيث إن رُبع مستخدمي الموقع هم من هذه الدول “الغنية”، علمًا بأن القوانين تنظر إلى الموقع باعتباره موقع قرصنة ولا يجوز الترويج له ولا استخدامه لتنزيل الأبحاث من خلاله بشكل واضح.

 

في العالم العربي يعتبر الموقع ملجأَ الكثير من الطلبة الباحثين للحصول على الأوراق البحثية التي يحتاجونها، وبحسب إحصائيات الموقع عام 2016 فإن مصر هي أكثر الدول العربية استخدامًا للموقع والسابعة على مستوى العالم، وتأتي تونس بعدها في الترتيب العربي والعالمي، ثم المغرب في المرتبة العاشرة عالميًّا، أما الدولة الأولى على مستوى العالم فهي إيران.

 

في فلسطين مثلًا نجد أن موقع مكتبة جامعة بولتكنيك فلسطين يُقدم ساي هاب باعتباره مصدرًا مجانيًّا لملايين الأوراق والمقالات الأكاديمية العلمية المحكمة من أشهر قواعد البيانات الإلكترونية مثل Springer و Wiley وغيرها من دَوريات النشر العلمية مثل Elsevier التي تُعَدُّ أكبر دوريَّات النشر العلمي حول العالم وتطلب مبالغَ باهظةً مقابل الإطلاع على ما يُنشر فيها من مقالات وأبحاث، وهي مبالغ أكبر من أن تتحملها جامعة فلسطينية، وبالتالي فإن موقع Sci-Hub هو كنز حقيقي لطلبتها، ويجب الترويج له حتى لو لم يكن شرعيًّا 100% من وجهة نظر بعض علماء الشريعة!

 

بالنسبة لـشركة Elsevier فإن ألكسندرا الباكيان وما تقوم به من خلال موقع Sci-Hub هو احتيال وسرقة واضحة وبلا أدنى شك، وفيه اعتداء على حقوق النشر، ولهذا فقد تم رفع شكوى ضد ألكسندرا، وتم إغلاق الموقع، إلا أن ألكسندرا لم تستسلم، بل كانت ردَّة فعلها توفير المزيد من المواقع البديلة للدخول إلى Sci-Hub، فهي لا ترى أنها مُذنبة أصلًا، ومن ناحيتها فإن دور النشر من أمثال Elsevier هي المُذنب الحقيقي، وهي من يسرق أموال الناس في الواقع.

 

كيف ذلك؟ الحقيقة أن هذه ليست وجهة نظر ألكسندرا فقط، فحتى أولئك الذين قد يعتبرون أن ما تقوم به هو “قرصنة” أو “سرقة” يؤكدون أن ما تقوم به دوريات النشر العلمي لا يُمكن أن يستمر إلى الأبد ولا بُد من بدائل، فهذه الدوريات – مثل Elsevier – تستغل حاجة الباحثين إلى الشهرة والنشر في دوريَّات مشهورة عالميًّا، ولا تدفع لهم مُقابل نشر أعمالهم، بل على العكس فإنها تُقوم بجني ثروات ضخمة على حساب أبحاثهم، والتي يتم تمويلها غالبًا من قبل الحكومات، والحكومات بدورها تجني هذه الأموال من الضرائب التي يدفعها الشعب، وبالتالي فإن من حق الشعب أن يطلع على هذه الأبحاث بشكل مجاني، ولكن ما يحصل هو أن المبالغ المطلوبة للاشتراك في هذه الدوريات هي باهظة لدرجة أن جامعة مثل جامعة هارفارد، وهي أغنى جامعة في العالم تجد أن الدوريات العلمية تستنزف ميزانيتها – كما جاء في مقالة على موقع نيويورك تايمز في هذا السياق.

 

هناك الكثير من المشاريع التي دُشِّنت في الفترة الأخيرة في إطار ما يسمى حركة الوصول المفتوح open-access movement التي تناضل من أجل حريَّة المعرفة والوصول للمعلومة، وأبرز الناشطين في هذه الحركة هو آرون سوارتز، الذي يلقب مثل ألكسندرا بـ «روبن هود العلوم»، فقد أعلن عام 2008 عن ميثاق الوصول المفتوح، وكانت له مُحاولة عبقرية في الوصول إلى 4 مليون مقال أكاديمي لإتاحتها للعامة، ولكن تم كشفه ومقاضاته، ومع ذلك لم يستسلم بسهولة، فقد استمر نضاله إلى أن توفي عام 2013 مُنتحرًا بعد أن تمت ملاحقته وتعذيبه بشكل مُهين من قبل السلطات الأمريكية، لتنشر حكايته مؤخرًا في الفيلم الوثائقي: “ابن الإنترنت البار”.

 

 

مع رحيل آرون سواتز، إلا أن كلماته لا تزال مُلهمة بالنسبة لألكسندرا التي يَنظر إليها الكثير من الباحثين باعتبارها “بطلة” وقد تم تصنيفها باعتبارها واحدة من أهم شخصيَّات عام 2016 في مجلة نيتشر Nature، كل هذا بينما لا يعلم أحد موقعها بالضبط، هذا غير أنها ممنوعة من دخول أوروبا وأمريكا، فهي مُعرضة للاعتقال هناك، وهي مُصرَّة حتى الآن بعدم اللجوء لمحامي للدفاع عنها، فهي ترفض كُل التهم الموجهة إليها، بل الأكثر إثارة أنها ترفض أن تتم مقارنتها بـ«روبن هود»، فهي بحسب رأيها “مقارنة غير جيَّدة” لأنها تؤمن أن ما كان يفعله روبن هود لم يكن شرعيًّا بالفعل، بَيْدَ أن ما تقوم به هو مشاركة الكُتب والأبحاث العلمية لا يُمكن أن تكون عملاً غير شرعيٍّ، ومن حق كُلِّ إنسان الوصول إلى المعرفة بشكل مجاني وسهل، وهذا هو شعار الموقع الذي يُعاينه الطلبة والباحثون قبل كُل تحميل لأي بحث:

“..من أجل إزالة كُل الحواجز من سبيل العلم”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك