ستيفن هوكينج نقطة مضيئة في تاريخ العلم

14 مارس , 2018

رحل بذكرى مولد آينشتاين .. سيتفن هوكينج، عبقري الفيزياء الذي أبهر العالم بإنجازاته التي توالت علينا لما يزيد عن نصف قرن، نودعه اليوم عن عمر يناهز 76 عامًا قضي أغلبها في إثراء علومنا البشرية.

 

ربما رحل هوكينج عن عالمنا، لكنه لم يرحل عن علومنا وخيالاتنا، فستبقى صورته المميزة راسخة في عقولنا، وستبقى قصة مواجهته لمرضه أكبر دليل على أن العجز الجسدي لا يمكن أن يوقف أدمغتنا يومًا عن صنع المعجزات.

 

عن حياته

 

وُلد ستيفن هوكينج بمدينة أكسفورد بإنجلترا شهر يناير عام 1942م، لأب دراس للطب وأم دارسة للفلسفة، وقد اشتهرت عائلته بالذكاء وحب القراءة. وبحلول عام 1959 م التحق هوكينج للدراسة بجامعة أوكسفورد وهو بسن السابعة عشر.

في البداية كان يشعر بالملل ويُفضل الوحدة، لكن مع مرور الوقت أصبح من أشهر الطلاب بالجامعة، حيث كان من عاشقي الموسيقى الكلاسيكية والخيال العلمي، كما التحق لفترة بنادي القوارب وقد كان حقًا أحد متهوري التجديف حينها.

يُعد هوكينج أيضًا أحد أنبغ الطلاب بجامعة أوكسفورد، حيث حصل على مرتبة الشرف منها بالعلوم الطبيعية، كي ينتقل بعدها إلى جامعة كامبريدج لبدء دراساته العليا في أكتوبر عام 1962 م.

ولسوء الحظ، بنهاية عامه الأول بكامبريدج شخصه الأطباء بمرض لو-جريج (التصلب الجانبي الضموري)، ونتيجة لذلك بدأ جهازه العصبي في التدهور كي تظهر عليه أعراض صعوبة الحركة والنطق. وقد قدر حينها الأطباء بتبقي له سنتين فقط بالحياة، لكنه تقدم ببطء أكثر من المتوقع، واستطاع هوكينج أن يعاند مرضه ويواصل مسيرته الدراسية.

وبرغم سوء حالته الصحية، حظي هوكينج بعائلة مميزة عندما تزوج جين ويلدي عام 1965 م، كي ينجبوا ثلاثة أطفال بعد ذلك بعدة أعوام.

 

إنجازاته العلمية

أولاً: تعزيز نظرية الانفجار العظيم

 

حينما بدأ هوكينج دراساته العليا، تواجد جدل كبير حول العلماء تجاه نشأة الكون. حيث انقسم المجتمع العلمي حينها إلى قسمين، أولهما يدعم نظرية الحالة الثابتة التي تشير إلى أن هناك مادة جديدة تتكون باستمرار مع تمدد الكون.

والقسم الآخر يدعم نظرية الانفجار العظيم التي تشير إلى نشأة الكون نتيجة حدوث انفجار هائل منذ حوالي 13.7 مليار سنة.

وتُبنى نظرية الانفجار العظيم بشكل رئيسي على مراقبة تمدد الكون الخاص بنا، ومن ثم تطبيق ذلك التمدد على مقياس عكسي يعود بنا إلى الوراء كي يستنتج بأن الكون كان أقل تمددًا فأقل، حتى نصل في النهاية إلى نقطة صغيرة عند البداية.

في ذات الوقت لاحظ العلماء أن نظرية النسبية لأينشتاين تسمح بتواجد ما يسمى المفردات، وهي نقاط تتواجد بداخل الثقب الأسود حيث يبدوا أن الزمكان بها منحني بشكل لا نهائي.

وهنا ظهر روجر بنروز، عالم الفيزياء البريطاني الشهير كي يثبت تواجد تلك المتفردات رياضيًا، ثم يعمل معه هوكينج بعد ذلك على نفس الفكرة ويطبقوها على الكون كله، كي يثبتوا نظريًا أن كوننا يومًا ما كان عبارة عن متفردة (أي نقطة كثافتها وحرارتها لا نهائية) انفجرت كي ينتج عنها كوننا الحالي.

 

ثانيًا: ميكانيكا الثقب الأسود

 

عندما نتحدث عن الثقوب السوداء، يجب أن نذكر أحد أشهر المعارك بين نظرية النسبية العامة لأينشتاين، ونظريات الديناميكا الحرارية بميكانيكا الكم. وما زاد العراك شدة هو نشر هوكينج بحثه عام 1975 م، مشيرًا إلى أن الثقوب السوداء تقوم بابتلاع الأجسام ثم تتبخر بعد ذلك، كي تختفي المعلومات المتواجدة بها نهائيًا. وهو ما يتعارض مع أحد أهم مبادئ الفيزياء التي تشير إلى أن المعلومات لا يمكن أن تختفي.

لكن رغم ذلك، تعد نظريته أحد أقوى المساهمات العلمية الخاصة بتفسير الثقوب السوداء

 

ولفهم الأمر بصورة أكبر عليك أن تفهم كيف تتكون الثقوب السوداء أولاً:

لكل نجم عدة قوى رئيسية، أهمها قوة الجاذبية وقوة الدفع الناتجة من الانفجارات النووية، ويساهم عنصري الهيدروجين والهيليوم في إبقاء تلك الانفجارات مستمرة بداخل النجم كي يحافظ على تواجده.

لكن بمجرد أن يبدأ في استهلاك مكوناته الرئيسية، تتحول تلك العناصر إلى مواد أثقل فأثقل، ويبدأ النجم في فقدان طاقته، فتقوم قوة الجاذبية في التغلب عليه وتجعله ينكمش للداخل بقوة هائلة، حينها إما يتحطم وينتج عنه انفجار هائل، أو يصبح نجمًا نيوترونيا يتحول بعد ذلك لثقب أسود.

وللثقب الأسود متفردة تحني الزمكان بشكل كبير جدًا كي تجذب أي شيء للداخل حتى الضوء، طالما تخطى حدوده التي تسمى بأفق الحدث.

هنا يأتي السؤال المهم! كيف يتبخر الثقب الأسود كما قال هوكينج، في نفس الوقت الذي يجذب فيه الأشياء إلى الداخل؟ أليس من المفترض أن يصبح أكبر لا أن يختفي؟

حسنًا، لفهم ذلك عليك أن تقرأ النقطة التالية بتمعن شديد وتستعد لسماع بعض المعلومات المذهلة معها ..

لنفترض أنك قمت بالذهاب إلى مكان فراغ تمامًا بالكون، حينها دعني أخبرك أنك حتى لو لم تجد أي جسيمات هناك، فذلك المكان ليس فارغ بالضبط!

حيث أن ذلك الفراغ ممتلئ بالتذبذب، وهو عبارة عن جسيمات وجسيمات مضادة لها. ومجرد أن تظهر أحد تلك الجسيمات، يظهر الجسيم الآخر المضاد له بسرعة ويقوم بمحوه فلا يبقى أثر لشيء.

الآن لنعود إلى الثقب الأسود .. عندما تبدأ تلك الجسيمات بالتكون على حافة أفق الحدث (حدود الثقب)، حينها سوف تقوم قوة الجاذبية الهائلة بإمساك أحد الجسيمات للداخل قبل أن يعطي فرصة لجسيمه المضاد أن يندمج معه مرة أخرى. وبذلك تنفصل تلك الجسيمات وتتحول إلى جسيمات حقيقية.

وهنا بمجرد تبدأ الجسيمات السالبة في الدخول إلى الثقب الأسود، ستعمل على خفض كتلته مع مرور الوقت، حتى يتبخر في النهاية بعد مليارات السنين ويفقد معلوماته، وهو ما أنشأ مفارقة شهيرة تسمى بمفارقة معلومات الثقب الأسود.

وهنا قام المجتمع العلمي بمعارضة تلك النظرية حيث أنها لا تتفق مع ميكانيكا الكم، وهو ما أجبر هوكينج في النهاية عام 2004 م، على الاعتراف بأن المعلومات تهرب من الثقب الأسود!

 

ثالثًا: نشأة المجرات

 

كان هوكينج من أوائل العلماء الذين فسروا نشأة المجرات بالكون، حيث ساهم في تعزيز نظرية التضخم الكوني التي تفسر اللحظات الأولى ما بعد الانفجار العظيم. وتشير إلى أن الكون تضخم بسرعة عالية وبشكل كبير بعد أن انفجر مباشرة؛ وهو ما ساهم في إبعاده من أن ينكمش على نفسه مرة أخرى بسبب الجاذبية الهائلة لمفردة الانفجار العظيم. وبعد تلك المرحلة بفترة قصيرة بدأت الجسيمات الأولية بالتكون، كي تسمح بعد ذلك بتكون الهيدروجين والهيليوم الذين ساهموا في تكون النجوم والمجرات التي استمرت في التمدد والتطور إلى وقتنا الحالي.

 

رابعًا: مشروع ستار شوت

ساهم هوكينج بشكل كبير في العمل على مشروع ستار شوت، وهو عبارة عن إطلاق مركبات قادرة على الخروج من المجموعة الشمسية، متجهة نحو نظام ألفا سنتوري، وهو أقرب نظام نجمي للأرض.

ويهدف المشروع بشكل رئيسي إلى الاستكشاف العوالم المتواجدة خارج نظامنا الشمسي، من خلال استخدام تلك المركبات التي تسير بسرعة تصل إلى 20% من سرعة الضوء اعتمادًا على تكنولوجيا النانو تكنولوجي والليزر.

 

كتاباته

قام ستيفن هوكينج بنشر العديد من المؤلفات التي يبسط فيها علم الكونيات قد المستطاع لغير المتخصصين وأهمها:

 

تاريخ موجز الزمان:

يُعد أحد أشهر كتب هوكينج على الإطلاق، قام بنشره عام 1988 م، وحصل على مبيعات تخطت 10 مليون نسخة، كما تم ترجمته إلى أكثر من 35 لغة كي يصبح أحد أكثر الكتب مبيعًا حينها. حيث يجيب على العديد من التساؤلات مثل كيف نشأ الكون، وما هي الثقوب السوداء، وهل يمكننا توقع المستقبل أم لا؟

 

الكون في قشرة جوز:

يعتبر من أمتع كتب هوكينج التي قرأتها له على الإطلاق، حيث يأخذك به إلى رحلة بعالم الزمكان والثقوب السوداء، كما يتطرق إلى نظرية الأوتار الفائقة، وبعض نظريات ميكانيكا الكم.

 

الثقوب السوداء والأكوان الناشئة:

يتكون الكتاب من عدة محاضرات ومقالات مبسطة لهوكينج، يتناقش فيها عن النسبية العامة والخاصة، وبناء الثقوب السوداء وميكانيكا الكم.

 

آرائه وتوقعاته

الذكاء الاصطناعي

إذا قام الفضائيّون بزيارتنا فإن النتيجة ستكون مشابهة لما حصل عندما وصل كولومبس إلى أمريكا، لم يكن الأمر جيداً بالنسبة للسكان الأصليين

 

حذر ستفين هوكينج البشر من خطر تطور الذكاء الاصطناعي، حيث أبدى تخوفه من أن تصبح الروبوتات أكثر تطورًاا من البشر في المستقبل وبذلك يمكن أن تشكل خطرًا عليهم.

 

الاحتباس الحراري

رأى هوكينج أن الاحتباس الحراري أمر جاد ينبغي النظر إليه بتمعن، حيث أننا أصبحنا قريبين من نقطة الانقلاب التي لن نستطيع عكس تغيرات المناخ العالمي في حال حدثت.

 

مغادرة الأرض

حث ستيفين هوكينج البشرية على البدء في البحث عن مواطن أخرى غير الأرض، إن أردنا بقاء جنسنا وبناء مستقبل دائم له. وأعتقد أن المستقبل البشري طويل الأجل ينبغي أن يكون في الفضاء.

 

 

المصادر:

https://www.newscientist.com/article/2053929-a-brief-history-of-stephen-hawking-a-legacy-of-paradox/

https://www.newscientist.com/article/dn24956-hawking-timeline-a-brief-history-of-black-holes/

https://www.newscientist.com/article/dn28090-stephen-hawking-says-he-has-a-way-to-escape-from-a-black-hole/

http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-5499091/What-groundbreaking-discoveries-did-Stephen-Hawking-make.html

http://www.newsweek.com/stephen-hawking-predictions-physicist-death-artificial-intelligence-aliens-843684

https://www.mirror.co.uk/science/controversial-theories-made-professor-stephen-12184619

https://www.youtube.com/watch?v=D6lFGJdwRyo

https://www.physicsoftheuniverse.com/scientists_hawking.html

https://timesofindia.indiatimes.com/home/science/stephens-hawkings-more-recent-theories-and-warnings/articleshow/63295464.cms

https://www.theguardian.com/science/2012/jan/08/stephen-hawking-science-greatest-hits

http://www.hawking.org.uk/publications.html



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك