شارع المتنبي.. فضاءٌ عراقي ثقافي

14 نوفمبر , 2014

بالرغم من وجود كل أسباب ومسببات اليأس المحيطة بالعراق والعراقيين، يعتبر شارع المتنبي، المكان الثقافي العريق الذي يحتفي برواده من مثقفي الجيل العراقي الجديد، ويعتبر فضاءهم الرحب.  فوسط العاصمة العراقية بغداد موقعه، وفي عموم العراق ونفوسهم وذكريات اجيالهم مكانته. فهو المحطة الثقافية الأبرز للعراقيين عموماً، ولأهالي بغداد خصوصاً، حيث تزدهر فيه تجارة الكتب المختلفة والمتنوعة.  فكما تعد بغداد عاصمة العراق الجغرافية والروحية، يعد المتنبي رمزاً من رموز العراق الثقافية البارزة.
في كل جمعة، يكون الجيل العراقي الجديد والقديم، على موعد مع المتنبي، فيزورونه ويتجولون في اروقته، كما ويرتادون الشارع بصورة متكررة، لينهلوا من محتواه الثقافي النير، لقاءات ثقافية شبابية تجمعها الثقافة في مشهد يجسد معنى من معاني الثقافة العراقية الاصيلة، ويتخذ الشباب العراقي من الشارع، ومن مناطقه التراثية الجميلة وحدائق “القشلة” المتاخمة له والواقعة على نهر دجلة مكانا لتجمعاتهم. فلا أجمل عندهم من مكان مليء بالكتب، وزاخر بالثقافة ويجسد حياتهم بلوحاته. هو بكل تأكيد مكان لطرح النقاش المثمر على طاولات النوادي المقاهي فيه بهموم الشأن السياسي والثقافي في عموم العراق والوطن العربي.
 ويعد شارع المتنبي من أهم المحطات الثقافية والمعرفية، وفيه تباع الكتب القديمة والجديدة، وتقام في أروقته الندوات الشعرية وتعقد الفعاليات الثقافية والفنية. وهو جوهر الثقافة العراقية الأصيلة. ويمتلك الشارع جمالية كبيرة تدفع الشباب لزيارته بين الحين والاخر، ففيه صورة نمطية للحياة العراقية عموماً، والبغدادية الجميلة خصوصاً.
ويمكن لزائر المتنبي أن يرى مختلف الصور والدلالات التي تدل على أن فضاء المتنبي فضاء مختلف يجمع بين أصالة الماضي والحاضر في قالب فريد، وككل شيء في العراق؛ متأثر في السياسة والحرب دون أدنى شك، ولكن في أروقة المتنبي يغيب الجهل ويشرق الفكر ونور البصيرة في مشهد لا تغيب فيه أوجاع السياسية وهموم الوطن بل تنشط بقالب أكثر مرونة واتساع للآراء والأفكار، وهو فضاء واسع لكل من يجلس فيه، ففي المكان تجد؛ كبار المحامين والأطباء والشعراء والأدباء والفنانين.
يرتاد الشارع مثقفون؛ من كتاب ورسامون ومصورون بأعمار مختلفة، ومن كلا الجنسين. يقصدونه بغية لقاء بعضهم البعض أو للبحث عن كتب جديدة وقديمة ويجتمع الشباب في الشارع في مبانيه التراثية التي تحيط الشارع وتجاوره، كبناية “القشلة” وبناية المركز الثقافي البغدادي المقابل لها، وتقام في هذه الأماكن مختلف الفعاليات الثقافية. وفي الشارع يجد الشباب الباحث عن فكرة عمل فكرته، والباحث عن المعلومة معلومته، وفيه يجد الطلاب والباحثون عن مراجع لدراستهم العليا، والكتب المدرسية والجامعية، ما يبحثون عنه.
وإضافة لرواد الشارع من مثقفين وكتاب من الشباب، يعد الشارع محط اهتمام الفنانين والموسيقيين والمصورين لإقامة فعالياتهم أيضاً كلٌ من خلال تخصصه وفنه. وفي مقهى الشارع يكون ملتقى ثقافي بنقاش ودي، قد يصل الى المشادات الكلامية وتنتهي حباً ووداً بالتصافح والقبلات، فهو بعيد عن التعصب الحاصل في العراق. فهو مكان مميز للقاء بين مختلف الطبقات والاختصاصات، وما يميز الشارع جمهوره وحضوره المتنوع والمتميز، ففيه يلتقي الطالب والأستاذ، والمحلل والمفكر، والانسان العادي البسيط، والمثقف الواعي.
وفي بداية الربيع العربي، في العراق، كان الشارع وفي غالب أيامه، على موعد مع الشباب العراقي الثائر، والمنظمات، والتجمعات المدنية، التي تجعل عملها الرئيسي فيه، فعندما تغلق السلطات العراقية ساحة التحرير، في الباب الشرقي من العاصمة بغداد، يكون الموعد في المتنبي حيث لا خوف من الاعتقال ولا اغلاق للمكان. كما ينظم الشارع وقفات وتظاهرات ثقافية من نوع آخر، فيطالب المثقفون أحياناً ومن خلاله بحقوق ثقافية مختلفة كان يكون طلب بإعادة مثقف لمنصبه السيادي، أو ترشيح آخر لعمل ثقافي مهم! هذا، وعند وجود مشكلة ما في المشهد العراقي يتوجه ومن خلاله المثقفين لأرسال رسالة حولها، ويكون مسرح المتنبي مفتوحاً لهذه الهموم، فتجد مثقفي الشارع من الجيل العراقي الجديد، ينظمون فعالية لمعالجة قضية ما، مستخدمين شعرهم الشعبي وكلامهم الادبي وفكرهم الثري لطرح المشكلة والحل معاً.
هذا المشهد الثقافي الجميل، يكون أحياناً مع موعد طارئ! فحاله كحال العاصمة العراقية بغداد، والعراق عموماً، يتأثر الشارع بالأوضاع الأمنية التي تجعل الوصل اليه نوعاً من المخاطرة في بعض الاحيان. وذلك بسبب تقطع أغلب الطرق والتي تغلق عادة لأسباب أمنية، من بينها شارع المتنبي رمز الثقافة والمعرفة، ولكن؛ هذا الاغلاق سيكون ميدانياً ولفترة قصيرة في وقت يبقى دوره ومكانته العريقة في قلوب محبيه من الجيل العراقي الجديد والقديم!
باحث ومهتم بأمور التعليم


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك