صعوبات التدريس بالعالم القروي

12 مارس , 2017

التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، فالتعليم حق إلزامي لجميع أطفال العالم بدون استثناء وبالمجان، لكن تفاوت فرص كل متعلم حسب الدولة التي ينتمي إليها، وحسب المنطقة الجغرافيا التي يقطن فيها، حيث يختلف نمط التدريس بالمجال الحضري أو الشبه حضري، ونظيره بالمجال القروي، حيث قساوة المناخ وبنية تحتية جد مهترئة، وبعد الوحدات المدرسية، وغياب الشروط الأدنى للاشتغال، لست هنا بصدد البكاء على الأطلال، أو التهرب من الواقع المرير الذي يعيشه كل أستاذ وأستاذة في العالم القروي، لكن من الضروري الوقوف على نقاط مهمة من أجل مدرسة مغربية وطنية، ومجانًا لكل الشعب المغربي، سواء في إحدى الأحياء الشعبية بالمدينة الاقتصادية، أو بإحدى مدارس المغرب العميق.

هل سبق لأحد منا أن تساءل عن سبب تدني التحصيل الدراسي في العالم القروي؟ سنجد أن العديد يطرح هذا السؤال، لكن هل جرب أحد منا أن يجيب بعمق، وبدون استنتاجات متسرعة، وبعيدًا عن إلقاء اللوم على طرف واحد؟ للأسف نجيب عن التساؤل الأول بأحكام مسبقة، أو إجابات جاهزة، أو نغرق في التشخيص، وننسى الحلول من أجل تحسين الوضعية، وتحسين المستوى الدراسي والتحصيل الدراسي للمتعلمين بالعالم القروي.

بعد خمس سنوات من التدريس بالعالم القروي، خبرت تقريبًا تدريس جميع المستويات بدون استثناء، بكلا اللغتين العربية والفرنسية، ولو أن المدة هي غير كافية بالبث للحكم والتجربة، لكنها تعكس نوعًا ما عدم الاستقرار الذي يعيشه الأستاذ في أدغال العالم القروي، لكن ما أثار انتباهي هو تدني التحصيل الدراسي، وهذا ما يجعل الأستاذ يبدل مجهودًا مضاعفًا، لكن أحيانًا بدون جدوى، حيث سيادة الأقسام المشتركة والمركبة، فمكمن الخطأ لا يكمن فقط في جغرافيا المدرسة، فالأمر يتعداه إلى سوسيولوجيا المدرسة، حيث يتداخل ما هو تربوي، بما هو اجتماعي، بما هو اقتصادي، بما هو سياسي، وبما هو مجالي.

علينا الاعتراف جميعًا أن تعثر الأستاذ في رفع مستوى التحصيل الدراسي للمتعلمين راجع إلى المناهج المتبعة والمقررات الموجود خصوصًا في العالم القروي التي لا تتمشى مع خصوصيات كل منطقة، فكثرة المقررات في واقع يعجز فيه العديد من المتعلمين عن القراءة والكتابة، ويكتفون بما يتلقونه في المدرسة، فالواجبات المنزلية لا تنجز، وحتى إن تم ذلك يتم إعادة كتابة الأسئلة فقط وأكيد أننا لا نعمم هنا، وإننا هنا لا نلوم المتعلمين ولا عائلاتهم، فالمستوى الدراسي للآباء لا يراوح الابتدائي في أحسن الحالات.

فعلى المستوى الاجتماعي، يكون الإنسان القروي تمثلات اجتماعية عن المدرسة، من بين هذه التمثلات التي توسع الهوة بين الساكنة والمدرسة بجميع مكوناتها، “المسجد لله والمدرسة للشيطان” هذا ما يفسر لنا تقريبًا المجال الذي توطنت فيه المدرسة بعيدًا عن الدوار، مما يؤدي إلى قطع مسافة مهمة للوصول للمدرسة وفي حالة إرهاق شديد، يحول دون تركيز التلاميذ، حيث يحملون على طول المسافة كيلو غرامات فوق ظهورهم، فكيف لهذا التلميذ الذي يحمل فوق ظهره وزنًا ثقيلًا، ويمشي بردًا وحرًا مسافة مهمة، ويسمع أسرته تتحدث بسلبية عن المدرسة كيف له أن يُحصِل جيدًا؟ فهنا من يهدد أحيانًا بغلق المدرسة، ويفضل أن يشتغل الأطفال في الحقول والرعي عوضًا عن التوجه إليها.

أما على المستوى الاقتصادي، فالمستوى المعيشي للأسر متدني، إضافة إلى انتشار ثقافة الريع، حيث لا يتم اقتناء الأدوات اللازمة للاشتغال، فعلًا يتسلم كل متعلم أدوات وكتب ودفاتر في بداية السنة، لكن بمجرد أن يجف القلم، لن يقدم على شراء آخر، فينتظر متى يحصل على قلم آخر بالمجان، وفي أحسن الحالات يتم تدوير الأقلام بين التلاميذ، إضافة إلى أن المستوى الاقتصادي متحكم بشكل كبير، إذ يغادر بعض التلاميذ القسم من أجل العمل، والإناث لهن نصيب الأسد في الهدر المدرسي، فمن قال إن التعليم مكلف عليه أن يجرب الجهل.

مجال الإبداع والابتكار في العالم القروي منعدم، فالتجارب بخصوص مكون النشاط العلمي يتم شرحها نظرًا فقط، فغياب الوسائل التعليمية وشروط المناولة البسيطة والتجربة يحول دون الإبداع والابتكار، وأحيانًا تؤدي هذه المناولة إلى نتائج عكسية في غياب الشروط الموضوعية للاشتغال، كيف لنا أن ننمي القدرة على طرح التساؤلات واستكشاف التجارب؟ فأرضية المدرسة لا يشجع على الابتكار. ببساطة إننا لا نعزز قدرة المتعلم على التفكير.
هذا فقط غيض من فيض بخصوص صعوبات التدريس بالعالم القروي، والجدير بالذكر أن المشتغلون في هذا المجال لهم تجربة غنية، حيث تتلاشى الحدود بين التخصصات، إذ عليهم الإلمام بمجموعة من الأمور العملية واليومية، وعليهم أن يكونوا متأهبين طيلة تواجدهم بالدوار، لأن مهمتهم لا تنتهي بمجرد انتهاء الحصة الدراسية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك