ضَعف التكفل يفاقم معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في الجزائر

24 يوليو , 2018

“صلاح الدين” طالب جزائري، من محافظة خنشلة شرق الجزائر، كان حلمه الوحيد اجتياز شهادة البكالوريا، والحصول عليها بمجهوده رغم إعاقته، فلم يكن يدري يومًا أن حلمه سيتبخر، وستذهب مراجعته التي استغرقت عامًا كاملًا سدًى، تفاصيل هذه الحادثة التي فجرت جدلًا كبيرًا، وصنعت الحدث على مواقع التواصل الاجتماعي تعود إلى تاريخ 11 يونيو / حزيران الماضي، عندما توجه الطالب صلاح الدين إلى مركز الثانوية معمري محمد الطاهر بن حمود بمحافظة خنشلة، لكنه منع من قِبل رئيس المركز لاجتياز الامتحان بعدما طالب التلميذ بتخصيص أستاذ يتولى قراءة الأسئلة، ونقل الأجوبة المملاة من المترشح.

 

وحسب التصريحات التي أدلت بها عائلة التلميذ فإن الخطأ يعود إلى الجهات المعنية التي لم تصرح بإعاقته البصرية، رغم تقديم ملف الترشح مرفقًا بملفه الطبي حتى يتم إدماجه في الأقسام المخصصة للتلاميذ المعاقين بصريًا والتي تتطلب إجراءات خاصة بعد إدراج طريقة “البراي”، وسارعت مباشرة بعدها وزيرة التربية الجزائرية، نورية بن غبريت لاحتواء هذه الحادثة، وعرضت على الطالب صلاح الدين، تحويله للتسجيل في تخصص اللغة الإسبانية في الدخول الجامعي القادم، بعد مفاوضات أجرتها مع وزير التعليم العالي، إلا أن هذا الأخير رفض العرض وقال إنه يريد يجتاز امتحانات شهادة البكالوريا والحصول عليه بمجهوده الخاص دون تدخل أي هيئة كانت من أجل أن يقوم بالتخصص الذي يريده.

 

هذه الحادثة فتحت مجال الحديث عن إشكالية تكفل المدرسة الجزائرية بذوي الاحتياجات الخاصة.
وحسب تحقيق أنجزه الباحث الجامعي الجزائري، الدكتور خالد عبد السلام، فإن النصوص التشريعية الرسمية للمدرسة الجزائرية منذ تطبيق المدرسة الأساسية والتأسيس للتعليم العلاجي المسمى بالتعليم المكيف لم تتضمن في البداية مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة، وسلطت الضوء على مفهوم آخر وهو مفهوم الأطفال غير المتكيفين والمتأخرين دراسيًا.

 

ومن بين هذه المناشير هي المنشور الوزاري رقم 194 المؤرخ في 10/10/1982 أن التعليم المكيف يخص “الأطفال الذين يعانون من تأخر دراسي ضخم في جميع المواد بعد نهاية السنتين الأوليَيْن من المدرسة الأساسية”، أما المناشير الوزارية لا سيما المنشور رقم 1548 المؤرخ في 16/04/1983 والمنشور رقم 025/م.ت/84 المؤرخ في 7/06/1984 والمنشور رقم 111/122/92 المؤرخ في 29/04/1992 تشير كلها إلى أن التعليم المكيف يتكفل بالتلاميذ “الذين يعانون من تأخر إجمالي في جميع المواد خلال سنتين دراسيتين من التعليم الأساسي وذلك رغم التعليم الاستدراكي”، بينما المنشور الوزاري رقم 24/م.ت.م/1994 المؤرخ في 29/01/1994 اقترب من مفهوم ذوي الحاجات الخاصة حينما أشار بشكل واضح إلى أن التعليم المكيف “يسعى إلى إعطاء التلاميذ الذين يعانون من تأخر دراسي شامل وعميق تعليما خاصًا”.

 

وفي سنة 1996 أصدرت وزارة التربية أول منشور وزاري يحمل رقم 1061 المؤرخ في 08/10/1996 يتحدث لأول مرة بالتكفل بالتلاميذ ذوي الحاجات الخاصة حيث حدد المقصود بهذه الفئات على أنهم “هم التلاميذ المتأخرون دراسيا والمصابون بعاهة المعاقون حركيا والمصابون ببعض الأمراض المزمنة “، ورغم الشروط التي تضمنها هذا المنشور إلا أن معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة تتفاقم يوما بعد يوم.

 

النجاح بالنسبة لهم حلم صعب المنال

ويقول “رضوان .م “، أستاذ في ابتدائية بمحافظة بسكرة، في تصريح لشبكة “زدني” إن عواقب إدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية كانت وخيمة، فتواجدهم ضمن القسم من عدمه، لعدة أسباب أبرزها أن هذه الفئة تتطلب عناية خاصة، لكن في المؤسسات التربوية الأستاذ العادي لا يستطيع التكفل بذوي الاعاقات، فتلقينه الدرس يتطلب الكثير من الوقت.

 

وبلغة الأرقام يقول الأستاذ أن نسبة نجاح هذه الفئة لا تتجاوز 1 بالمائة، وأغلب الناجحين يحظون بدعم مالي واجتماعي ومعظمهم يعيشون في أسر مثقفة جدًا وذات مستوى معيشي راقي أو التلميذ بحد ذاته “نابغة ” رغم إعاقته، أما النجاح بالنسبة للبقية فيعتبر حلمًا صعبَ المنال، فإذا كان الأطفال العاديين يواجهون صعوبات كبيرة في الدراسة فما بالك بطفل يحتاج إلى مساعدة في التنقل والتكلم والتحرك، كما أن الأطفال المصابين بتخلف ذهني تواجدهم في المدارس العادية يشكل خطرًا كبيرًا على بقية زملائهم، واستدل المتحدث بإحدى الحالات التي صادفتهم داخل القسم الذي يشرف على تسييره قائلًا: “التحقت بقسمي في الصف الابتدائي تلميذة كانت تضرب التلاميذ بالمقص، كنت مجبرًا على إبقائها تحت المراقبة، وعندما تغط في النوم أفرح لأنه كان يتسنى لي شرح الدرس “.

 

ومن بين شروط تمدرس ذوي الاحتياجات الخاصة، حسب الشروط التي ضبطتها وزارة التربية، تسجيل الطفل المعوق حركيًا في أقرب مدرسة إلى مقر سكناه دون مراعاة للقطاع الجغرافي المحدد، ومنح حجرة دراسية للقسم الذي يتمدرس فيه التلميذ حركيًا في الطابق الأرضي كلما كان ذلك ممكنًا، وأيضًا إيلاء هذه الفئة عناية تربوية خاصة حصص الاستدراك، خصوصية الأنشطة التربوية وإقامة اتصال وثيق بين المدرسة والأسرة من أجل توفير الظروف المناسبة لتمدرس الطفل المعوق حركيًا وتذليل العقبات التي يمكن أن تعترضه، والسعي لدى الجهات المعنية قصد توفير الظروف المادية التي تسهل عملية التمدرس للمعوقين حركيًا.

 

مشكلات تربوية

ويقول في الموضوع مسعود بوديبة، في تصريح لشبكة “زدني” إن هذه الفئة من فرص التكفل بها هو القرار الوزاري المشترك بين وزارة التربية الوطنية، ووزارة التضامن والحماية الاجتماعية، وهو القرار الذي يفرض تخصيص أقسام خاصة بهم في المؤسسات العادية.

 

لكن الواقع الميداني يؤكد وجود عراقيل وصعوبات كبيرة تواجه هذه الفئة، أبرزها رفض عديد المؤسسات لهذه الفئة، فهم يرفضون منحهم شهادات مدرسية على أساس أنهم لا ينتمون إلى القطاع، ونقص التأطير وعدم وضوح معالمه، واستدل المتحدث من جهة أخرى بالصعوبات التي تعترض طريقهم في الامتحانات الرسمية، وقال إنه وحسب القواعد المعول بها، فتفرض تقديمهم لملف مسبقًا لمديرية التربية ثم الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات لحصولهم على رخصة، وقال إنه وفي غالب الأحيان ورغم حصولهم على رخصة وأنهم مسجلون ولديهم استدعاءات يقصون من الامتحان، بدليل مع حدث مع الطالب المكفوف بمحافظة حنشلة، وليست هي المرة الأولى التي تشهد فيها المؤسسات التربوية مثل هذه الحوادث، فهناك العديد منهم من أقصى في صمت.

 

ويؤكد مسعود بوديبة أن المطلوب في الظرف الراهن هو تطبيق القرار الوزاري المشترك وتفعيل اللجان المشتركة للمراقبة الوطنية وتوفير التأطير المتخصص، فالتلميذ الذي يسجل في مؤسسة مدرسية لا يحتاج إلى رخصة، أو أن هذه الرخص الخاصة بالمكفوفين يتم إعدادها مسبقًا، أو تكون مرافقة للمواضيع المخصصة للامتحان، ويوضح بوديبة أن وزارة التربية مطالبة بالفصل في مشكلة الأساتذة الذين يكتبون لهم في الامتحان، فهذه الفئة ذكية ومجتهدة لكنها مهضومة الحقوق، “فأين هو مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف”.

 

غياب المختصين

ومن جهته يقول رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ، على بن زينة، في تصريح لشبكة “زدني”: “إن هذه الفئة محرومة داخل المؤسسات التربوية حتى من الكتب المدرسية”، وأوضح أن المنظمة التي يقودها استقبلت شكاوي من عائلات هذه الفئة أغلبها تتمحور حول عدم توفير البيئة والجو الملائم في الامتحانات الرسمية.

 

ويضيف رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ، أن الدستور الجزائري يكفل للأطفال من مختلف الفئات التمدرس المجاني لمدة 16 سنة، لكن الواقع يثبت عكس هذا، فأولياء التلاميذ المصابون بهذه الأمراض يدفعون أموالً باهظة لتعليم أبنائهم، في وقتٍ يُعَدُّ فيه هذا من واجبات وزارة التربية الجزائرية ووزارة التضامن الوطني، فالأولياء ينسقون مع الجمعيات بغية تجهيز أقسام خاصة بهذه الفئة.

ويؤكد على بن زينة في تصريح لشبكة “زدني” أن بعض المؤسسات التربوية لا تتوفر على الشروط اللازمة لتمدرس المعاقين حركيًا، فبعض الأولياء يضطرون إلى حمل أبنائهم على أيديهم وإيصالهم إلى القسم؛ لأن بعض المؤسسات لا توفر سلالم خاصة بهذه الفئة، فالمنشور الوزاري رقم 194 المؤرخ في 10 / 10 / 1982 يعتبر أول منشور منظم لهذا التعليم المتخصص، ينص على أن شروط فتح أقسام التعليم المكيف تنقسم إلى قسمين القسم الأول يتعلق بالشروط الإدارية والمتمثلة في فتح قسم متخصص إلى المدرسة التي اشتغل فيها المعلم المتخصص أو تلك المتواجدة في قطاعه المدرسي وعند إمكانية فتح قسمين يستحسن فتحهما في مدرسة واحدة حتى يتبادل المعلمان المتخصصان خبرتهما.

 

أما الشروط التربوية فهي مرهونة بوجود معلم متخصص تلقى تكوينًا في هذا المجال، ويجب أن يتراوح عدد تلاميذ قسم التعليم المكيف بين 15 و18 تلميذًا على أن لا يتجاوز في كل الأحوال 20 عشرون تلميذًا في كل قسم، وأن يكون التلاميذ المعنيون والذين لهم الأولوية هم تلاميذ السنة الثالثة أساسي، ولا بأس إن امتد إلى أقسام السنة الرابعة والخامسة ابتدائي الذين يعانون من تأخر دراسي مخيف.

 

ومن بين الصعوبات الأخرى التي تواجه هذه الفئة، يقول المتحدث رفض مديري المؤسسات التربوية تسجيلهم ضمن المدارس العادية، رغم أن فئة كبيرة من هذه الفئة أثبتت في وقت سابق نجاحها وتفوقها على الصعيد العربي، مستدلًا بشابة أردنية من ذوي الاحتياجات الخاصة تمكنت ورغم مرضها من الحصول على الدكتوراه الوضع ذاته ينطبق على رياضيين مصريين بلغوا القمة رغم إعاقتهم.

 

ضعف التكفل

وفي تحقيق أنجزه الباحث الجامعي الجزائري، الدكتور خالد عبد السلام، اطلعت شبكة “زدني” عليه، توصل إلى أنه عند التمعن في روح المناشير الوزارية المنظمة لعملية التكفل بذوي الحاجات الخاصة نكتشف الكثير من الثغرات والهفوات التي تعيق تحقيق الأهداف المسطرة للتربية الخاصة سواء من الناحية النظرية أو من الناحية التطبيقية، وبالتالي تعتبر عملية التكفل شكلية وموجودة في المناشير فقط بشكل خاص.

 

أما ميدانيًا لا نجد لها أثرًا، وإن وجد في بعض الولايات القليلة على المستوى الوطني فيطبق بشكل اعتباطي، وسلط التحقيق الضوء على أرقام كشف عنها في وقت سابق المدير الفرعي للتعليم المتخصص بالوزارة الوصية، منذ سنوات في تقرير قدمه في الملتقيات الجهوية الخاصة برعاية التلاميذ المتأخرين دراسيًا في أقسام التعليم المكيف، فهناك 25 بالمائة من تلاميذ كل دفعة ينهون مرحلة التعليم الأساسي من غير إعادة ويصل 25 بالمائة منهم إلى السنة التاسعة في عشر سنوات، ويصل 18 منهم إلى السنة التاسعة في أحدى عشرة سنة ويغادر 1/3 منهم المدرسة قبل الوصول إلى السنة التاسعة.

 

وحسب الأرقام ذاتها فإن عدد المعيدين في الطورين الأول والثاني في ارتفاع مستمر وعدد المستفيدين من التعليم المكيف قليل جدًا، وأرجع المتحدث أسباب ارتفاع نسبة الرسوب عند هذه الفئة إلى نقص عدد المعلمين المتخصصين في التعليم المكيف، فبعض المؤسسات التربوية تلجأ عادة إلى الاستعانة بالمعلمين العاديين الراغبين في ذلك رغم أنهم يفتقدون إلى التأهيل العلمي الضروري الذي يسمح لهم بتقديم بيداغوجية خاصة لهؤلاء، فغالبيتهم يقومون بإعادة الدروس المتأخرين دراسيا بكيفية لا تختلف كثيرا عن الطريقة التي تقدم للعاديين، وهو ما يجعل هذا النوع من التكفل غير مُجدٍ.

 

في ختام التحليل قال الباحث الجامعي الجزائري الدكتور خالد عبد السلام: “إنه حتى يكون هناك تكفل تام لتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة في المدرسة الجزائرية يستلزم الأمر التحسيس والتوعية للأولياء وكل شرائح المجتمع وتكوين معلمين متخصصين في التربية الخاصة وصعوبات التعلم مؤهلين بكفاءات ومهارات التشخيص والعلاج التربوي، مع التفكير في إنشاء مراكز ومدارس متخصصة تتكفل بهذه الفئة من المتعلمين بحكم صعوبة تكفل المدرسة والمعلمين العاديين”.

 

إجراءات مستعجلة لتقليص نسبة الرسوب

وللتقليص من نسبة رسوب هذه الفئة، اتخذت وزارة التربية بالتنسيق مع وزارة التضامن الوطني، قرار يقضي بتسهيل انتقال هذه الفئة، تقديرا للجهد الإضافي الذي يبذلونه رغم إعاقتهم أو اضطرابهم، وتشجيعًا لهم على مواصلة الدراسة.

 

وبتاريخ 22 مارس / آذار الماضي، وقعت وزيرة التربية نورية بن غبريط، على قرار يقضي بحق التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة في الانتقال إلى طور التعليم المتوسط بمجرد حصولهم على معدل 5 من 10 في التقييم المستمر.

 

وجاء في بيان للوزارة اطلعت شبكة “زدني” على نسخة منه، إنه: “تطبيقًا لمبدأ التمييز الإيجابي، أمضت معالي وزيرة التربية الوطنية، على قرار وزاري يتضمن توسيع هذا الإجراء ليشمل تلاميذ السنة الخامسة ابتدائي. أي سيتم قبول في مستوى السنة الأولى متوسطّ؛ كل تلميذ تحصل في التقييم المستمر على معدل سنوي عام يساوي أو يفوق 5/10، وينتمي إلى فئة التلاميذ ذوي إعاقة حسية (المكفوفون والصم البكم) او إعاقة ذهنية (التريزوميا 21، تأخر ذهني) أو اضطراب التوحد”، ويطبق هذا الإجراء حاليًا بالنسبة لتلاميذ السنة الرابعة متوسط خلال انتقالهم إلى المرحلة الثانوية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك