طلاب ثانوية “الحُديدة” خارج الحسابات السياسية.. اختبارات يقودها القصف

20 يوليو , 2018

خلال الأسبوعين الماضيين خاض طلاب الثانوية العامة باليمن اختباراتهم، بَيْدَ أنها لم تكن تسير على ما يرام، فالوضع بعد 7 سنوات من النزاعات التي شهدتها اليمن مليء بالتوتر والارتباك للطلاب الذين هم جزء لا يتجزأ من اليمن، خاصة وأن النزاعات هناك لم تتوقف بعد.

 

وقد يكون الوضع في الْحُديدة بالتحديد الأسوأ على الإطلاق في اليمن، فقد أدى عدد من طلابها الاختبارات تحت القصف، بينما أُجبر آخرون على الفرار نتيجة الأحداث الجارية والقصف البري والجوي الذي تشهده المحافظة منذ يونيو الماضي، فلجؤوا إلى المحافظات المجاورة، لكنهم لم يتمكنوا من النزوح باصطحاب مستلزماتهم الدراسية كاملة، وبقوا على أمل أن تهدأ الأجواء ليتمكنوا من العودة قبل بدء الاختبارات، إلا أن توقعاتهم قد خابت.

 

الحُديدة هي أكثر المناطق المتنازع عليها في اليمن مؤخرًا، ووفقًا لتقرير للأمم المتحدة تشهد المحافظة قصفًا مدفعيًا وجويًّا كثيفًا منذ يونيو الماضي بين الحوثيين من جهة والقوات اليمنية المدعومة من التحالف العربي من جهة أخرى، وقد قُتل آلاف المواطنين خلال الأحداث بينما فر حوالي 121 ألفًا من الناجين إلى المحافظات المجاورة من بينهم الطلاب.

 

قررتُ التواصل مع طلاب الثانوية العامة في الحُديدة للاطلاع على وضعهم في منطقة النزاع تلك، وقبل ذلك توجهت إلى صفحات فيسبوك الرسمية الخاصة بالمؤسسات التعليمية المسؤولة عن أولئك الطلاب للتعرف إلى رؤيتهم للأوضاع، وكيف يعملون على راحة وسلامة الطلاب خلال فترة الاختبارات.

 

عانيت كثيرًا خلال عملية البحث قبل كتابة هذا الموضوع، لكن ما عانيته ما هو إلا جزء ضئيلٌ من الصورة الكاملة للوضع في اليمن، قد علمت ذلك بعد التعرف على الوضع هناك، سوف أتحدث عن ذلك تفصيلًا في موضوع آخر.

 

دمار بالقرب من مدرسة في اليمن نتيجة النزاعات – نقلًا عن المنظمة الحقوقية “مواطنة” اليمنية

 

الآن حانت الفرصة للحديث مع الطلاب للتعرف على مشاكلهم، وفي الواقع قررت أن أترك لهم العنان للحديث عما يشغل بالهم ويعيق عملية التحصيل الدراسي خلال تلك الفترة لعرض حقيقة وضع الطلاب هناك، وبالفعل استرسل الطلاب في سرد المعاناة التي يعيشونها، ربما لأنني تحدثت إليه وهم في ذروة المعاناة، أي في فترة الامتحانات.

 

بحسب تقارير أممية فإن النسبة الأكبر من النازحين اتجهت إلى المحافظات الشمالية كتعز والعاصمة صنعاء، فهم أكثر هدوءًا من الحديدة، بينما فر بعض الناس إلى الجنوب البعيد عن المعارك والتابع للحكومة المعترف بها دوليًا مثل محافظة عدن، ورغم أن الوضع في الجنوب أكثر هدوءًا للطلاب إلا أن الجميع في مأزِق.

 

بدأت حديثي مع رشا صدام، هي نازحة من الحُديدة إلى صنعاء بسبب الحرب الدائرة هناك، وبدا من حديثها الاستياء، فلقد هربت مع أسرتها من دمار الحرب وأصوات القصف خلال الأشهر الماضية ولم تتمكن من الحصول على كافة أغراضها الدراسية، لذا فهي تؤدي اختباراتها الآن في إحدى مدارس صنعاء بدون الكتب المدرسية، رغم تكرار تقديم طلبات إلى المسؤولين هناك للحصول على الكتب.

 

وتقول رشا إنها إلى جانب ذلك تضررت كثيرًا لعدم تلقي الشرح لموادها الدراسية من قبل المدرسين في الحُديدة، فقد كانوا يعملون كرهًا بعد سيطرة الحوثيين على المدارس التي يعملون بها، إضافة إلى موجة الإضراب عن العمل التي أعلنها المدرسون فيما بعد؛ نظرًا لتأخر صرف رواتبهم لفترات طويلة، لذا لم يكن أمام رشا سوى اللجوء إلى شروح الدروس عبر الإنترنت.

 

كما أن صعوبة التحصيل لم تكن أزمتها الوحيدة، فهي تشعر بالغربة في صنعاء وهو ما يؤثر فيها نفسيًا وبدوره يؤثر في تحصيلها الدراسي، وتعلل هذا الشعور بأن تعامل “الدحابشة” مع العائلات النازحة من الحديدة سيء، هي تقصد السكان الأصليين لصنعاء، وتقول أن قرابة نصف سكانها حوثيين على عكس الحُديدة، في إشارة إلى الضغينة التي يحملها السكان لمن لا يؤمنون بمعتقداتهم الفكرية.

 

أحد الطلاب الذين تحدثت إليهم تعمل والدته معلمةً في إحدى مدارس الحديدة، لذا هو يعلم بالتهديدات التي يتعرض لها المعلمون، فقيل لي أن من تقرر القيام بإضراب أو الحديث عنه تنذرها مديرة المدرسة بأن تأخذ حذرها على زوجها وأطفالها خلال تلك الأيام تحسبًا لاختطافهم أو القبض عليهم.

 

ل.ج. هي الأخرى نزحت من الحديدة إلى صنعاء في الفترة ذاتها نتيجة القصف في الحديدة، وقد رفضَتْ ذكر اسمها لتتمكن من الحديث بوضوح عما عايشته، وقالت: “إن الوضع هناك غير آمن للمعيشة وهو ما دفعها وأسرتها إلى التفكير في النزوح، وحدثتني عن القذيفة التي سقطت جوار منزلها وكيف كان حدثًا مفزعًا وهو ما دفعهم إلى الهروب في التو، فخرجت هي الأخرى ببعض المتعلقات الأساسية البسيطة، فجميعهم لم يكونوا على علم بأن الأمر سيطول دون العودة إلى ديارهم قبل فترة الاختبارات.”

 

وعلى عكس رشا تمكنت ل.ج من الحصول على ما ينقصها من الكتب الدراسية التي تحتاجها، ولكنها حصلت عليها بطريقة مختلفة، تقول: “طلبت من المدرسة اللي أختبر فيها أشتري الكتب اللي ناقصة وبرجعها لكن ما جابوا شيء وقالولي بنحاول بنحاول”، لكن أخاها تمكن من شرائهم لها بعيدًا عن المدرسة بخمس مائة ريال، ورغم أن ثمن الكتب مرتفع إلا أن الجودة لم تكن مرضية لها: “ومع ذلك جت الكتب مش جديدة ومقطعة، بس خلاص الحاصل ما عندي إلا أقبل”.

 

تتمنى الطالبة أن يكون الوضع أكثر وضوحًا في اليمن كي يستقر الوضع، وتتمكن من استكمال دراستها عقب الحصول على شهادة الثانوية العامة، ولا يشغلها من يسيطر على قيادة البلاد، ففي رأيها أنه عندما تسيطر فئة على الحكم بشكل كامل ستهدأ الأمور، واستكملت حديثها: “لازم تقوم حرب عشان يكون في طرفين يتحاربوا ويفوز طرف ويحكم لحتى ترجع المياه لمجاريها .. الشعب ما لاقي ياكل والرواتب مقطوعة لها سنين”.

 

ورغم أن النازحين إلى المناطق الشمالية في مأمن عما يحدث في الحُديدة، إلا أن نزوحهم يشكل أزمة كبيرة للطلاب، فهم لن يتمكنوا من الالتحاق بالجامعات هناك، لأنهم من جهة ينتظرون العودة من جديد إلى منازلهم وأغراضهم في الحُديدة حينما تتاح لهم الفرصة، ومن جهة أخرى فإن فكرة استكمال الدراسة خارج اليمن تتطلب منهم استخراج بعض الأوراق، لكن الدول الأخرى لن تعترف بتلك الأوراق كون من يدير شؤونهم الآن المجلس الإداري الحوثي وهو غير معترف به دوليًا.

 

صورة متداولة لدمار مُجمع الشيماء التربوي عقب بداية النزاع بين الحوثيين وقوات التحالف العربي في 2015

 

بينما خضع سهيل أحمد للامتحانات في الحُديدة وسط من تبقى من الطلاب هناك، فهم يستقرون مع أسرهم الذين لم يقرروا النزوح لأسباب مختلفة، منها نقص الأموال التي تمنعهم من التنقل وتحمل تكاليف سكن جديد، أو الخوف على ممتلكات من الصعب نقلها من مكان إلى آخر، إلى جانب أهداف أخرى.

 

حكى لي سهيل عن التوتر والرعب الذي ينتاب الطلاب خلال تأدية الاختبارات، وهم يسمعون أصوات تحليق المروحيات والقصف بالقرب من المدارس، فرغم إخلاء المدارس التي تقع في محيط الصراع إلا أن الوضع غير آمن، فقد ذكرت لي إحدى الطالبات أنها تتابع أوضاع أصدقائها ممن لم يتمكنوا من النزوح، وعرفت منهم أنهم تمكنوا من رؤية قصف وقع بالقرب من موقع تأديتهم للاختبارات.

 

الوضع السياسي في الحُديدة لم يضر فقط بحالة الطلاب النفسية، فبسبب النزاعات هناك يتم فصل الكهرباء بشكل مستمر عن المنطقة، وقد أخبرني سهيل أن قاعات الامتحانات تبقى دائمًا دون كهرباء ورغم حرارة الجو إلا أن الطلاب يخوضون الاختبارات دون مراوح، ليس ذلك وحسب، حتى شبكات الإنترنت يتم فصلها بين الحين والآخر وهي المنفذ الذي يلجأ إليه بعضهم للحصول على شروح موادهم الدراسية ممن لم يتمكنوا من شراء الكتب.

 

ومن الجهة الأخرى تخضع عائشة باذيب إلى الاختبارات في عدن البعيدة عن النزاع، فقد نزحت مع أسرتها إلى هناك خلال موجة القصف التي تشهدها الحُديدة، وبحسب المتداول فإن المناطق الجنوبية بها تسيّب في لجان الاختبارات، على عكس المناطق الشمالية التى اشتكى طلابها من تشدد المراقبين المبالغ، بحسب ما ذُكر لي.

 

عائشة تقطن الآن بعيدًا عن مناطق النزاع والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وهي تعتبره أفضل لها، لكنها هي الأخرى تعاني من اختلاف النظام الدراسي في عدن، فتوزيع الدرجات يتم وفقًا لمعايير مختلفة، حتى أن المقررات الدراسية لدى طلاب عدن تختلف عما كان مقرر عليها في الحُديدة، ورغم كونها في منطقة هادئة لكنها ستنتظر هي الأخرى استقرار الأوضاع في الحديدة لتتمكن من الالتحاق بجامعة داخل المحافظة.

 

جميع الطلاب في اليمن طالهم الضرر، أيًا كان انتماؤهم، فقد تحدثت إلى فئات متنوعة وجميعهم يعانون مما آلت إليه البلاد، وهو ما يشير إلى خلل ما في سياسات جهات النزاع وعدم وضعهم أمور الطلاب في الحسبان، ومن المؤكد حتى لمن يتابع أوضاع اليمن عن بُعد، أن هناك العديد من الأزمات لدى السكان يجب النظر فيها بشكل عاجل، لكن لا يمكن لأحد أيضًا إنكار دور التعليم في بناء مستقبل الدول والحفاظ على نضجها ونجاحها، ولعل الإيمان بذلك وإتاحة المجال للجانب الإنساني يغير في طريقة إدارة الأمور في اليمن والتوصل إلى حلول أخرى غير الحرب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك