ندرة النساء بين مشاهير العلم.. لماذا؟ – الجزء الثالث-

15 مايو , 2017

المرأة مغبونة لا معدومة في حقل العلم!

يشيع بين العامة والخاصة على السواء أن النساء أقل ذكاءً من الرجال! وقد أظهرت دراسة من جامعة كاليفورنيا مدى ” التلفيق ” الذي تقوم به أحيانًا بعض الأوساط العلمية لترسيخ فكرة أن المرأة أقل ذكاءً من الرجل.

ووفقًا لهذه الدراسة، فإن مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، والذي شهد بداية تأسيس ” علم التشريح البشري ” على أسس عملية، أشاع بين الناس أن الفص الأمامي في مخ المرأة أصغر حجمًا من الفص الأمامي في مخ الرجل. وكان المعتقد في ذلك الوقت أن الفص الأمامي من المخ ” Frontal  Lobe “، هو المسؤول عن ” الوظائف العقلية العليا ” ( وتعرف اختصارًا بالحروف HMA ) مثل الإبداع والتخيل والابتكار!

وحينما تقدم علم التشريح خطوة أخرى إلى أمام، واتضح أن ” الفص الجانبي ” ” Parietal Lobe “، وليس الفص الأمامي من المخ، هو المسؤول عن الوظائف العقلية العليا، عاد المشتغلون بعلم التشريح فقرروا أن الفص الجانبي في مخ المرأة أصغر منه في مخ الرجل!

والمقصود من صغر أجزاء معينة من المخ هو صغر أو قلة الوظائف التي يمكن أن تؤديها تلك المناطق بعينها من المخ. والتلفيق في موقف علماء التشريح واضح من السياق المذكور. وما يجعله أكثر وضوحًا هو الحقيقة التي تقررت مؤخرًا عن عدم وجود رابطة بين حجم المخ وبين الوظائف العقلية التي يمكن أن يقوم بها!

ولا بد أن نذكر هنا أن علماء التشريح الذين اتهموا مخ المرأة بالقصور، كانوا كلهم رجالًا!  فهل الرجال ظالمون؟!  لن نجيب على هذا السـؤال مباشرة، وإنما سندع شواهد التاريخ تتكلم.

لن نذهب نستقصي شواهد التاريخ كلها على غبن الرجل للمرأة في حقل العلوم، وسرقة أعمالها في بعض الأحيان. لكن يكفي أن نذكر الوقائع التالية كدليل على ذلك

 

(الوزن الذري – الانشطار النووي – الحلزون المزدوج ) إسهامات نسائية!

في عام 1912، نشر عالم الفيزياء البريطاني ” وليام رامزي ” أطروحة عن ” الوزن الذرى ” لعنصر الراديوم، وزعم فيها أنه غير مسبوق إلى المعلومات الجديدة التي تضمنتها أطروحته.

( الراديوم عنصر مشع اكتشف عام 1898. و” الوزن الذرى Atomic Weight ” هو وزن ذرة واحدة من العنصر ).

 

ماري كوري

 

والحقيقة التي يحفظها التاريخ هي أن عالمة الفيزياء الشهيرة ” ماري كوري ” ( أشهر النساء قاطبة في حقل العلوم) هي أول من توصل إلى ” الوزن الذري ” لعنصر الراديوم، ونشرت بحثًا حول ذلك قبل صدور أطروحة ” وليام رامزي ” بعامين على الأقل!  وقد أرسلت العالمة المذكورة رسالة إلى ” لورد راذرفورد ” ( عميد المجمع العلمي البريطاني في ذلك الوقت ) احتجت فيها على كلام ” وليام رامزي ” في أطروحته.

 

وفي عام 1934، تكلمت الكيميائية الألمانية ” إدا  نوداك ” عن إمكانية ” شطر ”  الذرات إلى وحدات أصغر. وهى الفكرة التي تضمنتها نظرية ” الانشطار النووي  Nuclear Fission ” التي وضعها الكيميائي الألماني ” أوتو هان “. والغريب بحق أن ” هان ” هاجم في البداية فكرة ” نوداك ” ووصفها بأنها ” خيال جامح “.

 

إدا نوداك

أما الأغرب هو أن ” هان ” منح جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1944، عن نظريته حول الانشطار النووي، دون أن يَرِدَ أي ذكر لـ المظلومة “نوداك”!

 

في عام 1962م، مُنح الأميريكي ” جيمس واتسون ” جائزة نوبل في الكيمياء، لاكتشافه التركيب الكيميائي للحامض النووي في نواة الخلية الحية. والحامض النووي هو المسؤول عن نقل الصفات الوراثية، وله شكل مميز أطلق عليه ” واتسون ” اسم ” الحلزون المزدوج The Double Helix “.

الحقيقة أن عالمة البللوريات “ روزاليند فرانكلين ” – والتي عملت كمساعدة لـ ” جيمس واتسون ” في أبحاثه على الحامض النووي – هي أول من أدخل تعبير ” الحلزون المزدوج “.  وعلى الرغم من اعتراف ” واتسون ” بذلك، فإن التسمية ما تزال ملتصقة باسمه في كافة المصادر العلمية التي تشير إلى الحامض النووي، دون أدنى ذكر لـ ” المغبونة روزاليند “.

 

روزاليدا فراكلين

 

وخلاصة ذلك كله أن عوامل عدة تؤثر في حياة المرأة، وتحكم توجهاتها العملية والعلمية. وتتراوح تلك العوامل بين التكوين الفطري، وطبيعة النشأة الأسرية، وتأثير البيئة والمجتمع. والأهم من ذلك كله الظلم المجتمعي من الرجل للمرأة واحتكاره ثمرة نجاحها!

 

هل يجوز لنا بعد ذلك أن نسأل: لماذا تحجم المرأة عن اقتحام حقل العلوم؟! وهل نبيح لضمائرنا أن نغمط حق واحدة من بناتنا إن أبدت بريقًا عقليًا واعدًا في مجال العلوم بدعوى أن مكانها هو البيت لا المعمل؟!

 

مراجع

  • The Oxford Companion to Modern Science History
  • Ida Noddack, 1896-1978: Personal Recollections on the Occasion of 80th Anniversary of the Discovery of Rhenium; Fathi Habashi, 2005
  • Out of the Shadows: Contributions of Twentieth-Century Women to Physics; Cambridge University Press; Nina Byers, 2006


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك