عظماء بلا مدارس…!

17 يناير , 2018

قد يبدو عنوان هذا الكتاب ممتازًا للتحريض ضد المدارس، ولكنه في الواقع ليس كذلك بالضبط، فالكاتب عبد الله بن صالح الجمعة قد درس الحقوق ثم التحق بجامعة هارفرد ليكمل الماجستير فيها، ولكنه يعترف أنه خُيّل إليه وهو يقرأ سير العظماء أن التخلف عن مقاعد الدراسة عاملًا من عوامل النجاح فتعمّق في سير هؤلاء ليجمع سيرهم في كتاب واحد، أكد فيه أن التخلف عن المدرسة شيء والتخلف عن التعلّم شيء آخر تمامًا، فالكتاب يتناول سير من لم يتوقفوا عن التعلّم يومًا من “مدرسة الحياة”، وهو ما يؤكد أن سُبل النجاح لا يُمكن أن تنحصر في “المدرسة”!

 

في هذه المدونة، سأكتفي بذكر عيّنة من الشخصيّات العربية والإسلامية التي ذُكرت في الكتاب، مع ذكر شيء من المعلومات عن سبب ترك الدراسة وكيفية تحصيلها العلم خارج المدرسة.

 

أحمد ديدات.. التغيير يبدأ من كتاب!

من يسمع للشيخ أحمد ديدات، لا بُد وأن ينبهر لمدى اتساع خبرته في الإنجيل وقدرته على مُناظرة رجال الدين المسيحيين، حتى غدا واحدًا من أكبر الخبراء في مُقارنة الأديان في العالم الإسلامي، ومع ذلك فالرجل لم يدرس في الجامعة قط، فقد أجبرته الظروف الماديّة على ترك الدراسة من الصف السادس ليبدأ في العمل من جيل مُبكر. لم يستسلم “الشيخ” للظروف فكثيرًا ما كان يستغل أوقات الفراغ للمُطالعة وذات يوم وبينما كان يبحث عمّا يطالعه، وجد كتابًا مُتعفنًا في مخزن المحل الذي يعمل فيه، وكان عنوانه” إظهار الحق“، وكان هذا الكتاب مُحركًا للشيخ ليتخصص في مُقارنة الأديان وليتميّز فيها.

 

العقاد .. حياة مع الكتب

 

من يقرأ العبقريّات للعقاد، ويسمع اسمه يتكرر بين روّاد الجامعات، لا بُد وان يتخيّل بأنه أستاذ من أساتذتهم، وهو كذلك، إلا أنه لم يكن أستاذًا بالمعنى التقليدي، فهو لم يدرس إلا المرحلة الابتدائية بمدرسة أسوان بصعيد مصر، وبالتالي فإن ثقافة العقاد الحقيقة اكتسبها يوم كان يتردد مع والده على مجالس علماء الازهر، فأحب فيها القراءة وتعلم نظم الشعر. بدلًا من المدرسة، كان العقاد يعمل في مصنع للحرير في مدينة دمياط، ليُنفق جُل نقوده على شراء الكتب التي كان مولعًا بها وبقي كذلك حتى عاش معها طيلة حياته، بل صارت حياته.. فقد تجاوزت كتبه مئة كتاب وآلاف المقالات في الصحف والمجلات التي جعلته واحدًا من أبرز المساهمين في النهضة الأدبية العربية الحديثة.

 

عمر المختار .. من العلم إلى الجهاد

 

قبل أن يستحوذ عمر المختار على اهتمام العالم في جهاده ضد الاستعمار الإيطالي، كان قد استحوذ على اهتمام أستاذه المهدي السنوسي، فكثيرًا ما كانت تتناوله الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه أستاذه:

“لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم”

 

رغم هذا لم يكمل عمر المختار تعليمه – كما تمنى – حيث غادر “الجغبوب” التي درس فيها اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم بعد ثمانية سنوات، ليلتحق بعدها بـ المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي في السودان قبل أن يُجاهد ضد الاستعمار الإيطالي.

 

مالكوم اكس ومدرسة السجن!

 

رغم كُل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي عاشها المُناضل “مالكوم إكس”، إلا أنه درس حتى الثانوية التي كان متفوّقًا فيها، ولكن بدلًا من أن يجد من يدعمه، وجد أستاذه ينصحه بألا يحلم أن يصبح مُحاميًا، والأفضل أن يحلم بأن يصبح نجارًا، فذلك أكثر واقعيّة لشخص “زنجي” مثله.

بعد المدرسة انتقل مالكوم إلى بوسطن ثم نيويورك للعمل وهناك انغمس في اللهو والفساد حتى وجد نفسه في السجن عام 1946. هنالك بدأت حياته تتغير حيث أقبل على قراءة الكثير من المؤلفات، حتى أنه قام بنسخ القاموس بيده وكان مشاركًا نشطًا في المنتديات النقاشية في السجن.

في عام 1947 تعرف على سجين يُدعى “بيمبي” غيّر حياته، فكثيرًا ما كان يتحدث عن العدل والدين، كما كان ينصحه بأنه لا بُد له من المطالعة وكسب العلم إن أراد التأثير، وبالفعل سمع النصيحة حيث كان يقرأ أكثر من 15 ساعة يوميًا، قبل أن يُعلن إسلامه ويصبح واحدًا من أهم الدعاة المسلمين في الولايات المتحدة الامريكية!

 

مصطفى الرافعي .. من المرض إلى الأدب!

 

رغم مرور حوالي 80 عامًا على وفاته، إلا أن كتاباته الأدبية لا تزال محط إعجاب عند جيل الشباب اليوم من عشّاق العربية، فالرافعي كان عاشقًا للأدب والعربية ولم يكن يومًا طالبًا لشهادة في آداب اللغة العربية، بل إن الرجل لم يحصل على شهادة الثانويّة أصلًا.

 

في الواقع فإن الرافعي لم يفعل ذلك لأن كان ضد المدارس مثلًا، ولكنه أصيب بحُمى شديدة أصابته حتى جعلته يفقد سمعه بشكل تدريجي ولهذا ترك المدرسة وانكب إلى مكتبة عائلته، التي كان يقضي فيها مُعظم أوقاته يقرأ عيون الشعر وكُتب التاريخ والأدب الرفيع، فكانت المكتبة هي مدرسته بالإضافة إلى خوضه في عالم الشعر الذي أبدع فيه وجعل الكثير من الأدباء يلتفتون إليه وإلى إبداعه.

 

الراجحي .. المدرسة ليست كُل شيء!

 

صحيح أن ظروف الشيخ سليمان الراجحي كان سيئة اقتصاديّة، ولكنه لم يترك الدراسة بسببها فقط، بل يعترف بنفسه أنه تركها في الصف الثاني الابتدائي لأنه لم يكن جيّدًا فيها. ولهذا راح يبحث عن نفسه في مجال آخر، فوجد نفسه في مجال “التجارة” الذي أبدع فيه ليُصبح واحدًا من أبرز رجال الأعمال في العالم العربي.

لم تكن بداية الراجحي سهلة، فقد بدأها بأعمال شاقة وغير مُربحة مثل جمع الأخشاب المتناثرة وبيعها أو حتى جمع “الجلة” وهي روث الجمال اليابس، فكان يبيعها ويربح شيئًا قليلًا. ولكنه كان يتطور شيئًا فشيئًا حتى دخل عالم الصرافة الإسلامية وأسس “مصرف الراجحي” لينطلق بعدها إلى تأسيس الكثير من الشركات التي لم تكن تهدف للربح فقط، بل كانت تهدف إلى حل إشكاليّات أخلاقيّة في الصناعة مثل عدم استخدام المبيدات الحشرية الكيميائية أو ابتكار طرق خاصّة لمعالجة فضلات الربيان وغيرها من الأفكار البيئية، التي لا تزال غائبة عن الكثير من المشاريع التي يديرها حملة ألقاب الدكتوراه في إدارة الأعمال من أبرز الجامعات العربية والعالمية!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك