عن جامعة القرويين والشأن الديني بالمغرب مرة أخرى.. الدلالات السلبية في تعيين الرئيس الجديد

2 نوفمبر , 2015

يوم 26 مايو الماضي صدر ظهير شريف بالمملكة المغربية يقضي بإعادة تنظيم أعرق مؤسسة للتعليم الديني بالمغرب “جامعة القرويين”، وبموجب ذلك الظهير المكون من 29 مادة أصبحت الجامعة المذكورة تابعة لوزارة الأوقاف بدلًا من وزارة التعليم العالي، إلى جانب استحداث مؤسسات تعليمية عدة تكون تحت جبة جامعة القرويين “القطب الجديد” بغاية استرجاع الريادة العلمية للمؤسسة المذكورة وتقديم تكوين علمي رصين من خلال المعاهد المستحدثة كما هو معلن في بنود الظهير الذي سبق وأن خصصنا له مقالًا حينها، بعنوان “بمناسبة إلحاق جامعة القرويين بوزارة الأوقاف: الحاجة إلى تحرير الشأن الديني من قبضة السلطة بدل احتكاره”، وقد تمت الإشارة حينها إلى بعض الجوانب السلبية لإلحاق بعض مؤسسات التعليم الديني بوزارة الأوقاف بدلًا من التعليم، وأن الحاجة ماسة لتحرير الشأن الديني وإرجاعه لأهله موضعه الطبيعي بدل إلحاقه بالأوقاف وإلباسه الزي الرسمي بحيث يصبح مجرد أداة، وهو المسعى الاحتكاري الذي يعيق تطور الخطاب الديني كما أنه يحول الدين إلى مجرد أداة يفقد حينها وظيفته الأساسية، ووظيفته تقام على وجهها الأسلم لما يكون منسوب الحرية مرتفع أمام نخبه والقيود مرفوعة أمام الخطاب المنتج، فيتطور في جو من التفاعل والحجاج مع مختلف المعارف، ولا يؤدي التقوقع على الذات إلا لمزيد من الإنغلاق والتحجر.
الآن وبعد مرور خمسة أشهر على إعادة تنظيم المؤسسة، ومع استهلال السنة الدراسية والعلمية الجديدة، حدث قبل أسبوعين تعيين أمال جلال رئيسًا جديدًا على رأس جامعة القرويين، ويعد الرئيس الجديد الجامعي الذي سبق له أن شغل منصب عميد كلية الحقوق بفاس، ثم رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله بذات الكلية ليصبحها بعدها واليا على جهة فاس بولمان، وهذا المنصب الأخير هو تحت لواء وزارة الداخلية، وليس التعليم أو الثقافة.
فنحن إذن أمام رئيس على مؤسسة للتعليم الديني قادم من وزارة الداخلية لمؤسسة تعنى بالشأن الديني، وإنه وإن كان ذي تكوين أكاديمي في المجال القانوني، فإن ذلك لا يتوافق مع انتظارات مؤسسة ينتظر منها استعادة الإشعاع الفكري والحضاري _كما هو مصرح بذلك_المرتبط باسم معلمة القرويين وتاريخها المشرق فيما مضى من سنون قبل أن يتم تضييق الخناق عليها مع الاستعمار بداية ثم الاستبداد الذي كان ينظر بانزعاج لصوت العلماء المتمرد على كل أشكال الإخضاع أو التوظيف (كما أشرنا مطولاً في المقال السابق).
إن أولى الدلالات السلبية لمثل هذه الاختيارات في تدبير الشأن الديني تعليمًا وسياسة دينية متعلقة بطغيان الهجس التحكمي الضبطي في المجال الديني لدارسيه وممارسيه، فليس المراد هو خدمة المجال الديني بما يقتضيه اجتهاد أهله ونهوضهم بمسؤولياتهم، وإنما قيامهم بمهام كلفتهم السلطة بها، وهم تحت المراقبة بدءًا من التدريس والتكوين إلى تقلد مهام الإرشاد الديني والتوجيه الفكري والحضاري، فكل ذلك سيكون متحكمًا في مخرجاته، وبناءً عليه، فإنه إذا كان إلحاق جامعة القرويين بوزارة الأوقاف يعد اغتيالًا لأحد أدوارها ومهامها العلمية والحضارية بالنظر للجمود الذي تتسم به وزارة الأوقاف، ومسعى احتكاريًا من جانب آخر، إن ما جرى في التعيين الآن هو اغتيال ثان لهذه المؤسسة وتأكيد لذلك المسعى الاحتكاري الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو المسعى يغذي نزعات الاستبداد أكثر مما يرشد التدين والتفكير السليم.
ومن جانب آخر كذلك، فإنه يدل سلبًا على المكانة التي يشغلها العلماء وما ينتظر منهم القيام بها، فرغم ان للعلماء حضور في مكتب مجلس الجامعة، لكن الأولى أن يؤول منصب رئيس جامعة القرويين لعالم من العلماء أو أحد رجالات الفكر الذين تزخر بهم الساحة المغربية، فالمفكر والعالم ليس مجرد أداة، لكنه ينبغي أن يضع الخطط للنهوض بالقطاعات التعليمية والتربوية، وقديمًا في بداية القرن الماضي، كان صاحب الكتاب القيم “الفكر السامي“، الحسن الحجوي الثعالبي يحكي في كتابه عن المهمة التي كلف بها لإعادة النظر في المناهج التعليمية لجامع القرويين، وهو ابنها البار، وقد قطعوا أشواطًا ووضعوا خطة للعمل على إصلاح النظم التعليمية في جامع القرويين، إلى أن أخبروه على حين غرة بالتوقف وأجهض مشروع اصلاح النظام التعليمي بالقرويين، وبقي الحجوي يتساءل عن الداعي من ذلك وهو يتأسف، والحقيقة أن جامع القرويين يراد أن تبقى على هامش المجتمع بعيدة عن قضاياه، وإذا كان لها من دور يمكن أن تقوم به ، ففي الحيز المرسوم سلفًا، بحيث تكون مؤسسة كباقي المؤسسات التعليمية العادية، بل الأدهى من ذلك أن تنتج نخبًا تخدم أطروحات لا تسهم في التنوير ولا التجديد ولا التحرير.
إن الشأن الديني بالمغرب، تدريسًا وتدبيرًا، من أكثر المجالات التي ينبغي أن يطالها التجديد الشامل والكلي، بحيث يعيد رسم العلاقات مع كل من الدولة والمجتمع بنوع من الاستقلالية والحرية من جانب، ومن جهة أخرى الكشف عن طرق تدبير مجال الشأن الديني وإخضاعه للمحاسبة والمساءلة، فبالرغم من حيازته الصيغة الدينية بما لها من هالة في الخيال العام للمجتمع، فالحقيقة أنه متستر عليه، وبحاجة لنفض الغبار المتراكم عليه، فكما أن هناك فساد في النخب السياسية والاقتصادية والثقافية، فكذلك النخب الدينية يطالها نوع من الفساد في التدبير للمجال الديني، أما وأن تصبح وزارة الأوقاف مدبرة بالمنطق والهاجس الضبطي فإن تلك رابعة الأثافي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك