فرنسة التعليم بالمغرب.. التغيير القسري لملامح الهوية الوطنية

13 نوفمبر , 2015

يبدو أن معركة اللغة وجدلها المثير لاينتهي بالمغرب، فلا يتوقف سجال حتى ينطلق آخر، وهذه المرة الوتيرة السريعة لوزير التربية الوطنية بالمغرب رشيد بالمختار المعروف بميولاته الفرنكفونية، في تنزيل إحدى أشد البنود حساسية للرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، وهو المتعلق بلغة التدريس وتدريس اللغات والتي سيكون السجال متعدداً حين تنزيلها، وما نحن بصدده أحد تلك الأوجه التي تحضر فيها أهواء المسؤولين ورؤاهم بشكل أحادي دون النظر لآراء مختلف الفاعلين في قضية تهم مصير مجتمع برمته..

الوزير بلمختار اختار المباشرة الفعلية في تنزيل رؤيته لهاته البنود، وخصوصاً المتعلقة بفرنسة التدريس في مادتي الراياضيات والفرنسية في الثانوي من التعليم التأهيلي، وجاءت الرسالة التي ابتعثها الوزير إلى مدراء الأكاديميات بالمملكلة المغربية يوم 19 أكتوبر الماضي تحمل عنوان موضوع المراسلة “لغة تدريس الرياضيات والعلوم الفيزيائية والجذع المشترك التكنولوجي وشعب ومسالك التقني صناعي”، واعتبر أنه “تصحيحاً للاختلالات التي تعرفها المنظومة التعليمية وخصوصاً منها تلك المتعلقة بتكامل المواد التعليمية في سلك الثانوي التأهيلي، فقد تقرر ابتداءً من سنتي 2016/2017 تدريس مادتي الرياضيات والعلوم الفيزيائية واللغة الفرنسية بالجذع المشترك التكنولوجي وسنة أولى بكالوريا بشعبتي العلوم والتكنولوجيات الميكانيكية والعلوم والتكنولوجيات الكهربائية، وذلك على غرار باقي المواد المسيرة لهذه المسالك والشعب”، وبحسب مذكرة الوزير فإن تطبيق المذكرة “يمكن للأكاديميات الجهوية للتدريس والتكوين بدأ تدريس هذه المواد باللغة الفرنسية ابتداءً من الموسوم الحالي 2015/2016 بالجذع المشترك التكنولوجي إذا توفرت لدينا الظروف الممكنة لذلك”، ويكون بناءً على ذلك، للأكاديميات التي تتوفر على هذه المسالك ملزمة بتعميم الإجراءات المشار ّإليها في المذكرة.

إن مثل هذه القرارات الصادرة عن وزير التربية الوطنية غير مستغربة لدى الفاعلين بالمجتمع المغربي والمهتمين بقضية اللغة والهوية، فالطبيعي هو أن يسلك بلمختار هذا النهج في تعاطيه مع القضية اللغوية من الموقع الذي جيئ به لتدبيره، وهو الذي سبق له أن شغل ذات المنصب في تسعينيات القرن الماضي دون أن يقدم شيئاً، فتم استقدامه للقيام بالمهمات الصعبة التي لا تهدأ عاصفة بشأنها حتى تنطلق أخرى، وذلك لتعدد الفعاليات في المجتمع المغربي المدافعة عن اللغة، اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية الأولى كما يُنظِم ذلك الدستور، ولاعتبار أن موقع النقاش اللغوي هو من صميم الدفاع عن الهوية الوطنية والتي تعتبر اللغة أهم ملمح من الملامح الذي تتشكل منه، فالدفاع عن العربية من مناصري لغة الضاد هو أحد أوجه مناهضة الاستعمار وبقاياه التي اتخذت لها المنشط الثقافي والهوياتي مدخلاً لإدامة الاستتباع الثقافي وإحداث حالة من الانشطار والتشظي في البنية الثقافية للمجتمع المغربي يتم العمل لها من خلال الإعلام والإدارة والآن تلتحق المدرسة بقرار رسمي لتكمل البقية، وذلك له مخاطر على مستقبل الهوية الوطنية.(كما أشرنا مقالة سابقة هنا بعنوان الاستتباع الثقافي بالمغرب: وقائع ودلالات، وأخرى عن طبيعة السجال اللغوي بالمغرب).

إن مثل هذه القرارات والمذكرات، يصعب أن تمر إجراءاتها بسهولة، واللوبي الفرانكفوني رغم توغله في الإدارة والإعلام وكل مؤسسات الدولة فإنه مدرك لحجم تبعات مثل هذه المذكرة، بحيث سيكون الموسم الجديد حافل بالتفاعلات المتعلقة باللغة من مختلف النخب والفاعلين، وقد كان أول تعليق على مذكرة الوزير صادر عن الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية في شخص رئيسه فؤاد بوعلي الذي اعتبر ذلك انقلاباً تاماً ومكتملاً “على هوية هذا الوطن وفرض برامج باريس” حسب موقع الإصلاح، ويضيف الدكتور فؤاد بوعلي الذي يرأس ائتلافاً مكوناً من لفيف من الجمعيات المتنوعة المشارب والايديولوجيات والتي توحدها قضية اللغة العربية بالقول: “السيد بلمختار قد قرر ألا ينهي ولايته إلا بعد الانتهاء من مهمته الوحيدة القضاء على العربية في المدرسة المغربية، وبالطبع فالائتلاف سيقرر خلال الساعات المقبلة الإجراءات العملية لمواجهة مشاريع بلمختار التي تجاوزت حدود المعقول”، وبذلك يكون قرار الوزير بمثابة جمرة ستشعل سجالات لن يكون الحسم معها يسيراً.

إن ما قام به بلمختار لا يعد الأول من نوعه من قرارات تهدد اللغة العربية، وإنما كان لقرار سابق مؤشر على ما تم مراسلة الأكاديميات الآن بشأنه، والمتعلق بتعميم الباكالوريا الفرنسية في أكثر من أربعين مؤسسة تعليمية ثانوية بعد أن كانت محصورة في ست مؤسسات مع سلفه محمد الوفا، فكان من أولى قراراته تعميم البكالوريا فرنسية في عشرات المؤسسات، ليتلوه النقاش اللغوي بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، والذي كان فيه الوزير الحالي جزء من لوبي داعم للفرنسة، والآن يسعى لأجرأتها العملية دون إبطاء أو إعمال للنقاش المجتمعي بشأن قرارات تهم مستقبل أجيال وترهنهم لرؤى حضارية وثقافية أخرى غير الهوية الحضارية المغربية.

فهل ينجح الوزير الفرنكفوني في تنزيل مذكرته؟ وهل تنجح الأطراف المناصرة للغة الضاد في إلغائه؟ ..ذلك ما سينبئنا به المستقبل وحجم التفاعلات المنتظرة، وهي تفاعلات حتماً ستكون ساخنة..



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك