ماكينة “التهام العلوم”..!

4 مارس , 2017

شتّان شتّان بين أن تجلس مع كتاب وكوب من الشاي الساخن، فتنسى نفسك والوقت بعيدًا عن صخب الحياة السريعة، لا تُبالي بعدد الصفحات ولا عدد الكلمات بل تستمتع بالحروف فتتدحرج مع “الراء” وتقفز من على “الطاء” وتهرول مع “السين”، كافرًا بكُل النظريّات “المجنونة” في قراءة “مليون كتاب” في السنة، والتي تُحاول أن تجعل منك مُجرد ماكينة أخرى في عصر “الماكينات” والسرعة، ماكينة لـ “التهام العلوم” دُون تفكّر ولا تدبّر!

 

الأكيد أن القراءة السريعة ليست سيئة دائمًا، بالعكس فهناك كُتب يجب أن تُقرأ بسرعة، بل ويُمكن أن تقرأ في خمس دقائق كما يُقال أحيانًا، تتأمل عنوانها جيدًا، تقرأ ما كُتب على غلافها الخارجي ثم تقرأ الفهرس بشيء من التأمل ثم تتصفح الكتاب بسرعة وهو ما يُسمى بين القرّاء بالـ«مسح»، ثم تقرأ ما يثير اهتمامك من الكتاب أو ما يُفيد بحثك مثلًا أو لربما دراستك، فتأخذ ما تُريد وتترك ما لا تريد، بعيدًا عن هوس قراءة الكتب “من الجلدة إلى الجلدة”، والأصعب من كُل هذا أن تعرف أيّ كتاب يُقرأ بسرعة وأيها يقرأ ببطء شديد!

 

هناك كُتب مثل الموسوعات التاريخية أو العلمية أو حتى كُتب التفسير، هذه يُمكن أن يستفيد منها المرء أحسن استفادة إذا ما تعمّق في جزء أو حتى جزئية صغيرة منها ووعاها جيدًا، بدلاً من أن يقرأها كلها بسرعة “خيالية” دُون وعي ولا تفكّر.

 

ولنتأمل فقط، كيف يكون الفرق بين مهندس يقرأ موسوعة كاملة أو كتاب في علم الحيوانات من أجل التسلية، وبين مهندس يبحث في نفس الموسوعة عن حيوانات يستفيد منها في تصميم سياراته القادمة، الأكيد أن هذا الأخير لن يقرأها من الجلدة إلى الجلدة، وقد لا يقرأ إلا عن الأسماك وأشكالها أو الحيوانات السريعة كالفهد والغزال وأسرار سرعتها.. وسيستفيد أكثر بكثير ممن قرأ الموسوعة كاملة!

 

 

 هناك كُتبٌ، لا تليق بها إلا القراءة البطيئة، وأحيانًا بطيئة جدًا جدًا، كالكُتب التي نقرأها كي نزداد فهمًا للحياة، كـ «القرآن الكريم» مثلًا، شخصيًا لا أفهم كيف يُمكن أن يُقرأ القرآن 60 مرّة في ولا حتى 30 مرّة في شهر رمضان كما تقول الروايات، مع أن اللذة كُل اللذة أن تقرأ هذه الكتب ببطء ورويّة مع التدبر والتفكر، ولنتفكر بجواب ابن عباس رضي الله عنه لهذا الرجل الذي جاء يستفتيه في القراءة السريعة، فقال له: “لأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا لا بُدَّ، فَاقْرَأْهُ قِرَاءَةً تُسْمِعُ أُذُنَيْكَ وَيَعِيهِ قَلْبُكَ “.

 

ليس القرآن الكريم وحده، فهناك الروايات القيّمة مثل الروايات التاريخية التي تحمل الدروس والعبر في نصوص يُمكن أن تتحول إلى أفلام في مُخيّلاتنا بسهولة، كـ «ثلاثيّة غرناطة» لرضوى عاشور و «زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله أو حتى رواية «وإسلاماه» لعلي أحمد باكثير التي يُمكن أن تقرأ بسرعة، ولكن اللذة كُل اللذة فيها أن تقرأ ببطء كي يحلو التخيّل وكي يعيش القارئ التفاصيل، كأن يتخيّل نفسه مورسكيًا في بلاد الأندلس أيام محاكم التفتيش، أو ثائراً ضد الإنجليز في فلسطين، أو حتى يعود إلى أيام قطز ليسمع من قُـطز وعشيقته جلنار رحلة انتقالهما من بلاد خوارزم إلى دمشق ثم القاهرة، وحتى ارتقاء جلنار شهيدة في عين جالوت في فلسطين!

 

أجمل ما في القراءة البطيئة، أنك لا تُلزم نفسك فيها بعدد من الصفحات يوميًا ولا عدد من الكُتب سنويًا، ولكنك تُلزم نفسك بالغوص في التفاصيل والتفكّر.

 

فما القيمة من ختم كتابٍ ككتاب “الحب السائل” لزيغموند باومان الذي يغوص في تفاصيل العلاقات الإنسانية والهشاشة التي أصابتها في عصرنا الحالي، فالكتاب من 200 صفحة تقريبًا ويُمكن لقارئ نشط أن يختمه في يومين لو أراد ولكن ماذا سيستفيد من هذا؟ ماذا سيستفيد إن لم يتفكّر حقًا بعلاقاته وإن لم يزدد عمقًا في تصوراتنا للواقع الذي يعيشه بكل تعقيداته؟ فإن كان القارئ سيفهم من كُل الكتاب أن العلاقات الإنسانية أصبحت هشّة فإن أي إنسان سيخبره بذلك، أما إن أراد التحليل والتفكر والغوص فإن الكتاب ممتازٌ لذلك، ولكن هذا لا يكون بالقراءة السريعة!

 

ختامًا، القراءة السريعة لها وقتها .. إلا أن القراءة البطيئة .. قراءة التفكر والتدبر لها أوقاتها، بل إن تعلم فن القراءة البطيئة هو فرض عين على كُل قارئ، كائنًا من كان، بالأخص إن كان من جماعة «كيف تقرأ 100 كتاب في عام»!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

د.حاتم الأنصاري منذ 5 شهور

ما شاء الله! بوركتم.

أضف تعليقك