في الحاجة إلى معرفة بديلة

16 يونيو , 2015

كثيراً ما نقوم بتقييم أداء المؤسسات التعليمية في العالم العربي بشكل سلبي، فهنالك بالفعل قائمة هائلة من المشاكل التي تطال تلك المؤسسات: سواء كانت المدارس الرسمية لمراحل التعليم الأساسي، أو الجامعات والمعاهد العلمية لمرحلة التعليم العالي، وبرغم المحاولات العديدة لتقديم إصلاحات على أوضاع تلك المؤسسات، إلا أن القليل ما يتم إنجازه، ومن الصعب تصور تحقيق تطور كبير في بنية المنظومة التعليمية العربية في ظل وضعها الراهن، انطلاقاً من تلك الحقيقة يظهر إلى السطح فكرة البدائل التعليمية أو المعرفية، فإذا لم نستطع إصلاح منظومة التعليم فلِمَ لا نُوجِد بديل؟

بالحديث عن بدائل المنظومة التعليمية الرسمية نجد أن مفهوم (التعليم البديل) ليس بحديث النشأة، فقد بدأ الكثير من المفكرين بالتزامن مع نشأة نظام التعليم الحديث (التمدرُس) بالمناداة بعدم التسليم لذلك النموذج والتعريف بأخطائه وأخطاره، في محاولة لانتقاده ومن ثم تجاوزه، وبدأت محاولات لتقديم نماذج بديلة للمدرسة كبيئة تعلُمية، جاءت تلك المحاولات بالأساس لتُدخِل إصلاحات على عناصر مثل: طريقة أو منهاجية التدريس، المحتوى المعرفي، البيئة التعليمية، طريقة التفاعل بين عناصر تلك البيئة من طلاب وأساتذة، وغيرها من الأمور، ربما يمكننا الحديث في موضوع آخر عن تاريخ النماذج البديلة للتعليم الحديث.

عصر الانترنت: بدائل معرفية لامُتناهية:

بالنظر للتطور التكنولوجي الهائل الذي نعيشه الآن بعد بدأ عصر الانترنت وانتشار وسائل الاتصال السريعة، يمكن التعرف على وسائل عديدة لتقديم المعرفة عبر الانترنت:

بدأت منذ سنين قليلة طفرة هائلة في تقديم المساقات التعليمية المفتوحة عبر الانترنت، أو ما يُعرف بـ(MOOCs)، وأصبحت تلك المواقع حافلة بمساقات تعليمية مختلفة التخصصات والاهتمامات تقدمها جامعات من جميع أنحاء العالم وبعدة لغات مختلفة، وبالطبع فإن تقديم تلك المساقات يتم بشكل جيد جداً، بالطبع ليست تلك هي المصادر الوحيدة، فموقع مثل (YouTube) يحفل بآلاف القنوات التعليمية التي تقوم برفع شرح لموضوعات معرفية مختلفة يستطيع الفرد الاعتماد عليها لتحصيل المعرفة، بداية من تعليم اللغات وشروحات لموضوعات في العلوم الإنسانية والاجتماعية وليس انتهاءً بموضوعات في العلوم التطبيقية البحتة.

أحد أهم المصادر المعرفية أيضاً، والتي عادة ما يتجاهلها الكثير أو يتم التعامل معها كوسيلة ترفيهية فقط، هي الأفلام الوثائقية. مرة أخرى، يمتلأ موقع (YouTube) بمحتوى هائل من الأفلام الوثائقية العربية والأجنبية في موضوعات مختلفة أيضاً، وهي نموذج رائع لتقديم المعرفة المفتوحة، فمن خلال فيلم توثيقي يمتد لقرابة الساعة يتم تقديم عرض شيق لموضوع معين وتساعد الصور والعروض البصرية التي يقدمها الفيلم في ترسيخ المعرفة في ذهن الإنسان.

بدائل أخرى لا نُفكر فيها عادة:

لا تقتصر البدائل المعرفية فقط على الانترنت، بالرغم من انتشاره الواسع الآن في حياتنا، بل هناك أيضاً نموذج مهم للغاية يمكن لأي مجموعة من الأفراد تطبيقه بشكل يسير وهو: المجموعات النقاشية، وهي ببساطة كما يشير اسمها مجموعة من الأفراد يلتقون في حلقات من أجل مناقشة موضوع ما، وعادة ما تتم تلك الحلقات النقاشية في شكل دائري، لا نجد في السلطة الهيراركية التقليدية للأستاذ على طلابه، فيصبح جميع الحاضرين متساويين رغم خلفياتهم المعرفية المختلفة، وأهم ما يميز ذلك النموذج هو القدرة على الاستفادة من خبرات المشاركين المختلفة من خلال النقاش والتفاعل، وكثيراً ما تكون تلك النقاشات مبنية على قراءة في كتاب أو مشاهدة فيلم يناقش قضية معينة، النماذج الأوسع انتشاراً الآن للمجموعات النقاشية هي نوادي الكتاب والسينما.

ربما لا يعتبر الكثير من الناس التطوع في الأنشطة والمبادرات المختلفة كوسيلة من وسائل المعرفة البديلة، إلا أنها كذلك بالفعل، فإذا كانت أحد أهم الخدمات التي يُفترض بالمدرسة والجامعة تقديمها للطلاب هي المهارات الحياتية المختلفة، فكما نردد كثيراً: إن تلك المهارات لا يتم اكتسابها إلا من خلال التجربة، وليس من خلال التلقين النظري. بالتالي، تصبح عملية التطوع في أنشطة طلابية مختلفة سواءً في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي، أو كما هو أكثر انتشاراً في مرحلة التعليم الجامعي، من أهم وسائل المعرفة البديلة. يقضي الفرد في الحقيقة تجارب وخبرات حياتية لا غنى عنها، ولا يمكن تقديرها بثمن، من خلال تلك الأعمال التطوعية حيث يكتشف اهتماماته ويكون خبرة شخصية تفتح له آفاق مستقبلية عديدة.

إن أحد أبرز المشاكل التأسيسية في منظومة التعليم الحديث هي فكرة (مأسسة المعرفة)، بحيث أصبحت المعرفة حِكراً على مؤسسات بعينها في الدولة، وتم ذلك الاحتكار من خلال أدوات مثل نظام التقييم بالدرجات ونظام الاعتراف بالتأهيل عبر الشهادات، جعلت تلك الفلسفة القاصرة من التعليم مجرد أداة وظيفية يحصل من خلالها الطالب على بعض المهارات اللازمة للاعتراف به كفرد مُؤهَل للدخول في سوق العمل ومن ثم الحصول على وظيفة، وتراجعت أهمية المعرفة وتحصيلها في حد ذاتها، من هُنا تأتي أهمية حديثنا عن الوسائل البديلة لتحصيل المعرفة، من خلال استغلال التطور التكنولوجي الذي نعيشه جنباً إلى جنب مع الوسائل الأخرى التي سبق ذكرها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك