في العراق: نظام التسريع ومدارس الموهوبين

28 يونيو , 2011

     إن التعليم لدينا قبل عشرين عاما انتهج أسلوب صندوق الذاكرة – كما أطلقت عليه (أروى التل) في مقالها السابق “متخصصون لا موسوعيون” – وكان مكثف أكثر وأكثر شدة في التعامل مع المعلومة ولكنه أنتج، هذا ما لا يمكن انكاره، لذلك فإن المشكلة الأساسية ليست في صندوق المعلومة وإنما في آلية التعاطي معها. أذكر أننا في العراق يوم أن كان للتعليم فيه شأن، كان هناك نظام في وزارة التربية اسمه “التسريع” وهو يتيح للطالب المتفوق أن يقدم على امتحان المرحلة المقبلة خلال العطلة الصيفية، ويكون الإمتحان في ثلاث أو أربع مواد أساسية فقط، إذا اجتازها بتقدير جيد جدا فإنه يتخطى المرحلة التي نجح اليها ويذهب الى المرحلة التي بعدها، فكنا نرى على سبيل المثال اساتذة جامعيون حصلوا على شهادة الدكتوراة في عمر الـ 24 عاما، وأذكر منهم على سبيل المثال الدكتور لبيد ابراهيم أحمد أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة بغداد. وأيضا اعتمدت التربية في العراق آنذاك المدارس التي عرفت بمدارس الموهوبين، وهي التي تستقطب الطلبة ممن تتوافر فيهم أمارات الذكاء، ويكون ذلك بعد الصف السادس الإبتدائي، ولعل من الأشياء التي كانت تحسب للتعليم في العراق، هو السعي الدائم لتحديث المناهج، خاصة تلك المناهج العلمية التي تتطلب مواكبة لكل حديث، فغالبا ما يكون هذا التحديث بعد مرور خمسة إلى سبعة أعوام. وإذا كان هناك من شيء يستحق ذكره في هذه العجالة فهو الإهتمام غير العادي بالأطفال، حيث أن العراق أنشأ في العام 1969 أول دار خاصة بثقافة الأطفال، وهي التي عرفت  بـ” دار ثقافة الأطفال” واعتمدت في نشأتها في البدايات تحديدًا على التجارب المشابهة في هذا المجال في اوربا الشرقية واسندت مهمة ادارتها لخيرة أدباء العراق. وأحببت أن أشير هنا الى هذه الدار لما كان لها من مساهمة فعالة في أن تكون الجزء المكمل للمدرسة والأسرة، حيث عمدت الدار إلى إصدار مجلتين للأطفال واحدة اسمها ” مجلتي ” والثانية اسمها ” المزمار” وهي تخاطب فئتين للاطفال، بالإضافة إلى إصدار الآلاف من القصص المكتوبة للأطفال منذ أن أنشات هذه الدار. اللافت في تجربة دار ثقافة الأطفال أنها كانت مؤسسة حكومية، لأن الدولة تدرك جيدا أن تثقيف الأطفال لايجب أن يخضع للأهواء والمزايدات والتجارة، لذلك كانت أسعار إصدارات الدار تباع بأسعار زهيدة جدًا بل إن المجلات كانت توزع بالمجان على موظفي الدوائر الحكومية. أمام هذه التجربة أتساءل: كيف يمكن لدولة مثل قطر تسعى لتحتل مكانتها بين الدول أن تفتقر ساحتها الإعلامية والأدبية بدار مماثلة لهذه الدار العراقية؟ لماذا تغيب حتى هذه الساعة أية مجلة أو مطبوع حكومي مختص بالأطفال يسعى لزرع القيم التي يراد لها أن تكبر وتنمو مع الأطفال؟ اخطر ما في الموضوع أن تترك إدارة وتثقيف الأطفال للأهواء التجارية والمشاريع مجهولة المصدر وبالتالي قد نفقد ثمرة المستقبل لأننا عجزنا عن أن نزرع بشكل صحيح.   صحافي في صحيفة العرب – قطر    



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Eman Al Omoush
Eman Al Omoush منذ 6 سنوات

موضوع في غاية الروعة ، أفكار جديدة ومميزة ، أبدعت في طرحك البرّاق أخي الصحفي إياد .. جزاك الله خيرا

أكثر ما أعجبني بموضوعك هو اهتمامك بتثقيف الأطفال وإدارتهم ، فإن الأطفال هم بناة المستقبل ، وعليهم واجبات كثيرة ، وتنبني عليهم طموحات وآمال كبيرة في تحقيق الأفضل وتخطي الصعاب .. وبما أن الحياة تزداد عقبات وصعوبات سنة بعد سنة ، فنحن نريد جيلا واعيا مثقفا، نقي الذهن يستطيع التفكير بطريقة سليمة لحل المشكلات ..

ما لفت نظري في بداية موضوعك نظام التسريع الذي تحدثت عنه ، حقا هو نظام مفيد فكما قلت يستطيع الطالب الذي إنجاز الكثير في وقت قليل ، فمثلا لو قلنا ان هناك فكرة لبناء مبنى تعليمي، ونريده مصمما بطريقة جديدة غير مملة ولا تقليدية ، طبعا لن ننتظر المهندس الذي ربما يحتاج لخمس او أو أربع سنوات لينهي دراسته الجامعية ولأن يصل الى الجامعة اصلا عليه ان يمر باثنتي عشرة سنة دراسية عدى عن مرحلة رياض الاطفال ، لو طبق هذا النظام على الطلاب الاذكياء المتفوقين لمحصلنا على المهندس الشاب المتفوق الذي يحمل افكارا جديدة ويعرف ما يحتاجه الجيل الجديد وما يعجبه .. أطلت في تعليقي ولكن موضوعك جذب حروفي بشدة فما استطعت إلا أن أعبر
أشكرك جزيل الشكر أخي على هذا المقال الرائع الغني بالأفكار الرائعة المتميزة الجديدة ..
بانتظار مزيدك

أضف تعليقك