فِي الْيَوْمِ الْعَالَمَيِّ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ: كَيْفَ نَرْتَقِي بِلُغَتِنَا الْعَرَبِيَّةِ الْعَذْبَةِ؟

17 ديسمبر , 2017

في عام 1973 قرَّرتِ الجمعيةُ العامَّةُ للأمم المتحدة إدخالَ اللغةِ العربيةِ ضمنَ اللغاتِ الرسمية في العمل في الأمم المتحدة، ولاحقًا اعتمدتْ اليونسكو هذا التاريخ، الثامن عشر من شهر ديسمبر في كل عامٍ، موعدًا سنويًّا للاحتفال باليوم العالمي للغة العربية.

وفي كل سنة عندما يأتي موعد الاحتفالية أجدني أتساءل عن وضع اللغة العربية في حياتنا، وما الأثر الحقيقي للغة، وكيف يمكننا النهوض بها، وهذه المرة أحاول الإجابة على هذه الأسئلة من أجل الوصول إلى التصور المناسب للارتقاء باللغة.

 

ما هي أهمية اللغة في التعليم؟

لا يمكننا أن نتحدث عن اللغة دون أن نتطرق إلى الحديث عن أهميتها، وهو سؤال له أهمية قصوى لدرجة أنَّ إجابته صنعَتْ فارقًا في فهمي للعالم من حولي بصورة جيدة، وكذلك للتعامل مع الآخرين.

 

بالنظر في المعجم سنجد أنَّ تعريفَ كلمة لغة هو: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. ويحدث هذا الأمر من خلال مجموعة من الإشارات والرموز والكلمات، فعندما نقول “اللغة العربية” فنحن هنا نقصد كل شيء يتعلق باللغة العربية من كلمات ورموز وإشارات.

ومن تعاملي مع الناس في المجتمع من حولي، وجدتُ أنَّ هناك الكثيرَ من المشاكل التي تحدث بسبب عدم فَهمنا لكلمات معينة، أو مدلول هذه الكلمات؛ فيحدث جدل رهيب بين طرفين، لا لأنَّهما على اختلاف، ولكن لأنَّ كليهما غير قادرٍ على فَهم الآخر.

من هنا تظهر أهمية اللغة في التعليم؛ فبواسطة تمكننا من اللغة، تصبح عملية التعلُّم في ذاتها عملية ممكنة بطريقة صحيحة؛ لأنني ببساطة عندما أتمكن من فهم الكلمات المذكورة في موضوع معين، سيكون في مقدروي استيعاب الموضوع كاملًا، وتحقيق الاستفادة منه، ومن ثم التطوير عليه، وهي نقطة سأتناولها بصورة أوسع في السطور القادمة.

 

الإنجليزية بدلًا من العربية

بالنظر إلى الوضع الحالي في التعليم في الوطن العربي، سوف نجد أنَّ هناك اهتمامًا كبيرًا بتعلُّم اللغات الأجنبية، ولا سيَّما اللغةُ الإنجليزية.

 

ليستِ المشكلةُ في أن يحدثَ هذا الأمر بالتأكيد؛ فنحن مطالبون بتعلُّم اللغات الأخرى؛ لأننا في حاجة إليها في حياتنا، سواءً على مستوى العمل أو التعاملات.

 

لكن المشكلة في أن يحدث استبدالٌ كاملٌ حتى على مستوى التربية؛ فتجد بعض الأهل يهتمون بتعليم أبنائهم الحديث باللغة الإنجليزية، بدلًا من العربية، بل ربما أصبح استخدام اللغة الإنجليزية يدل على أنَّ المتحدِّث من مستوًى أعلى في المجتمع، وهو ما يمنحُهُ قيمةً على الآخرين.

 

هذا الاستبدال مع الوقت أثَّر كثيرًا على ثقافتنا؛ فأصبحنا أكثر تأثرًا بالأحداث الخاصة باللغات الأخرى من لغتنا، وهو ما يجعلنا نكتسب ثقافة جديدة، لكن دون أساس خاص بنا.

 

فأصبحنا ربما نشعر بالضجر من لغتنا ومن كونها لغةً صعبةً ومعقدةً، في حين أنَّها من أمتع اللغات في تعلُّمها، وأذكر كيف أنني كنتُ أظنُّ أنَّ جُزْءَ “النحو” من أصعب الأجزاء، لكنني لما عرفته عن قرب أدركت أي متعةٍ خسرتُها من قبل.

 

وعلى مستوى آخر من جوانب حديثنا عن اللغة، يمكنك أن تسأل أي شخص عن تجربته في السفر إلى دولة لا تتحدث اللغة الإنجليزية بصفتها لغةً أمًّا، مثل تركيا أو ألمانيا أو فرنسا أو اليابان.

قد تجد أنَّ المشترك بين هؤلاء هو أنَّهم لا يرغبون في الحديث إلا بلغتهم الأساسية، حتى وإن كانوا على معرفة بالإنجليزية، لأنَّ الأمر بالنسبة لهم قضيةُ هُوِيَّة.

 

في حين أننا في مجتمعاتنا نبحث أحيانًا عن الاستبدال الكامل معتقدين أنَّ هذا يمنحنا تفوُّقًا لأشخاصنا، على الرغم من أنَّه يؤثر علينا سلبًا، لأنَّ الصواب هو أن تتقن لغتك، لأنَّها طريقتُك الرئيسة في التواصل مع من حولك، ولغتنا العربية ثرية بالمصطلحات جدًّا، لكننا نضيِّع كلَّ ذلك دون أن ندرك هذا الأمر.

 

كيف ننهض باللغة؟

في الواقع قد تظن أنَّني أرى من الفقرة السابقة بأنَّ الحل يتمثل في الحفاظ على استخدامنا للغة في التعلُّم والتحدث بها دون استبدال كامل، مع الحرص على ثقافتنا.

 

وهذه الرؤية ليست خاطئة، لكن هذا هو المستوى الأول من الحل في رأيي، ونحن في حاجة إليه لأنَّه يمثل البداية؛ فسنكون قادرين على استيعاب تراثنا من ناحية، ومن ناحية أخرى سنكون قادرين على الانتقال إلى المستوى الثاني.

 

في المستوى الثاني يمكننا الانتقال من مرحلة الحفاظ إلى مرحلة الترجمة، بأن نبدأ في ترجمة العلوم الموجودة في اللغات الأخرى إلى العربية، مثلًا في سوريا يتم دراسة الطب باللغة العربية بدلًا من دراسته بلغة أجنبية أخرى كما هو الحال في مصر.

 

لأننا في هذا المستوى سنكون قادرين على تعريب هذه العلوم، بحيث يمكننا خلق مصطلحات خاصة بنا تساعدنا على فهم العلم، بدلًا من اضطرارنا الدائم لنطق المصطلح باللغة الأجنبية، وبالتالي يزداد استخدامنا للغة العربية في مجالات العلوم المختلفة.

 

مؤخرًا بدأنا نرى كيف وُجدت مصادر متعددة تعمل على إثراء المحتوى العربي في جميع المجالات، وذلك لأنَّ هناك من أدرك ضرورة أن ننهض بلغتنا مرة أخرى، وبدأ في التعامل مع مستويات الحل، حتى وجدنا تلك المنصات التي أصبحت تنتج لنا محتوى عربيًّا متميزًا في أغلب مجالات العلوم، لكن هذا عن النهوض باللغة، ماذا عن الارتقاء بها؟

 

كيف نرتقي باللغة؟

في رأيي الارتقاء باللغة هو المستوى الثالث في رحلة اللغة.

فالمسألة ليست فقط في تعريب العلوم؛ لأننا نقف عاجزين عن ترجمة بعض المصطلحات، لأنَّه لا يوجد مثيلٌ لها في لغتنا، وبالتالي لأننا لسنا الأصل في العلم، فعلينا أن نتأقلم مع أننا في بعض الأحيان نكون مجبَرين على نطق مصطلح معين كما هو موجود في اللغة الأجنبية؛ لأننا ببساطة لم نجد البديل.

 

وهذا الأمر يقودنا إلى أنَّ الإضافة إلى العلوم هو ما يمنح اللغة القوةَ ضمن بقية اللغات الأخرى الموجودة، ولن يمكننا أن نبدأ من هنا، لأننا في حاجة إلى استيعاب كل إنجازات العلوم السابقة، بعد ذلك يمكننا أن نضيف لها.

ولكن هذا الأمر لن يأتي إلَّا عندما نبدأ في حب لغتنا، وإدراك أنَّ الافتخار بها ومحاولة الإضافة للعلوم هو شيء يمنحنا قوة حقيقية.

 

فمثلًا نحن يوميًّا نستخدم مصطلح “كاميرا” في تعاملنا، على الرغم من أنَّ أصل الاختراع والتسمية يعود إلى العالِم العربي الحسن به الهيثم، والذي قرر أن يسمِّيَ الاختراع “قمرة”.

ولكن ماذا لو استخدمتَ أنت هذا المصطلح اليوم، وأخبرت من حولك: “هيا بنا نأخذ صورة بالقمرة” في الأغلب ستتعرض للسخرية، لأننا ببساطة لا نعرف هذا الأمر، لم نمر على المستوى الأول والثاني؛ فنظن أنَّ حرص البعض على استخدام المصطلحات الرئيسة هو أمر خاطئ، لكنه في الواقع شيء مطلوب تمامًا.

لا أطالبك بأن تستبدل المصطلحات بالتأكيد؛ فالمسألة أكبر من ذلك، لكن ما أريده حقًّا هو أن نفكر في اليوم العالمي للغة العربية، ما الذي يمكننا فعله لكي ننهض بلغتنا ونرتقي بها مرة أخرى؟ في اعتقادي هذا السؤال هو نقطة انطلاقنا الحقيقية.

 

لا تدع الاحتفالية تمر هكذا، فكِّر في الحلول الموجودة في المقال، وضع حلولًا أخرى تظنها صائبة ومفيدة، المهم هو أن نتحرك جميعًا، لأنَّ هذا هو الاحتفال الحقيقي للغة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك