اختراعات غيرت مجرى التاريخ: قصة اختراع العجلة!

4 مايو , 2018

بعض الاختراعات كان له بالغ الأثر في تطوير حياة الإنسان وتحسينها، وبعضها الآخر غيّر مجرى الحياة تمامًا فمكّن الإنسان من التحليق إلى آفاق لم يكن يدور في التصّور البشريّ أن بلوغها ممكن التحقيق!

 

فاختراع الهاتف مكَّنَ الناس من التواصل وإن باعدت بينهم البحار والمحيطات، واختراع الطائرة ربط بين أطراف المعمورة  فصار الإنسان يسافر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في يوم واحد، ثم جاء الكمبيوتر فغيّر وجه الحياة في القرن العشرين ويَسَّر للإنسان سبيل غزو الفضاء البعيد!

 

وقد يكون عجيبًا القول إن اختراع العجلة في الزمن القديم لا يقل أثرًا عن اختراع الهاتف والطائرة والكمبيوتر -وغيرهم– في تغيير وجه حياة الإنسان على البسيطة. ولكن الحقيقة التاريخية أن اختراع العجلة كان وراء ازدهار الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ!

 

أثر العجلة:

 

في الأزمان الغابرة، كانت جميع الأدوات التي يستخدمها الإنسان بسيطة بدائية. والأثر المباشر لبدائية الآلات على حياة الإنسان القديم هو البُطْء. إذْ كان إنجاز أبسط الأعمال يستغرق عدة ساعات –إن لم يكن عدة أيام!– بل إن البطء هو السمة المميزة لحياة الإنسان في العصور القديمة، ليس في إنجاز الأعمال اليومية اليدوية فحسب، ولكن في كل شيء.

 

فالحركة محدودة، والانتقال صعب، والظروف البيئية قاسية، والمتاح مما يعين على شؤون الحياة من أداة وملبس قليل بدائي!

 

ولا أحد يدري على وجه اليقين ما إذا كان إنسان العصور القديمة حريصًا على الاستفادة من الوقت، واعًيا للزمن، مُدْرِكًا للبطء في حياته، مما دفعه إلى ابتكار واختراع الأدوات والآلات التي تحسِّن فرصته في إنجاز أعماله بسرعة، وبالتالي في الإفادة من الوقت، أمْ أنَّ الاختراع والابتكار سُنَّة طبيعية من سُنَن التطور والارتقاء في الحياة، لا دخل لعنصر البطء فيها!

 

أيًا ما كان الأمر، فإن الشواهد التاريخية تقوم دليلًا على أن الإنسان القديم –مثله مثل الإنسان المعاصر– كان حريصًا على تطوير حياته وتحسينها والتجديد فيها، فكان يتفتق ذهنه من حين إلى آخر عن اختراع جديد.

 

واختراع العجلة في الأزمان الخالية، لا يقل أهمية وأثرًا في حياة الإنسان عن اختراع الكمبيوتر في زماننا هذا!  فالحقيقة التاريخية أن اختراع العجلة طوّر حياة الإنسان القديم تطويرًا جذريًا، ومكّن الإنسان من الانتقال بطريقة أسهل وأسرع، ومهَّد لنشأة تواصل فريد بين المجتمعات الزراعية وتلك البدوية، وكان سببًا في تيسير الهجرة من القرى والنزوح إلى مواطن جديدة، كما كان نواة لعدة اختراعات أخرى، تعتبر العجلة من مكوّناتها الرئيسية، مثل الطاحونة المائية والساقية وغير ذلك. ثم إن اختراع العجلة هو الأساس الذي انبثقت عنه أكبر وسائل المواصلات البرية والجوية منذ مولده في الزمن القديم وإلى هذا اليوم!

 

أين ومتى اخترعت؟

عثر علماء الجيوليوجيا على أوانٍ فخارية كان يستخدمها الإنسان القديم في إعداد طعامه.  وقد عثر على تلك الأواني بين آثار أقدم ثلاث حضارات إنسانية: الحضارة السومرية على ضفاف دجلة والفرات (في العراق) وحضارة الفراعنة على وادي النيل (في مصر) وحضارة الشرق في الصين.

 

كان الإنسان القديم يستخدم عجلة دوّارة لصناعة تلك الأواني الفخارية. وقد حار علماء الآثار في الإجابة على السؤال: أيهما اخترع أوّلاً، عجلة الفخار أم عجلة العربات؟!  إلا أن الواضح أن الاثنتين قد وجدتا معًا حول نفس الزمن، فأحد الاختراعين يقود إلى الآخر.

 

الآثار الدالة على اختراع العجلة (المستخدمة في العربات) لا تتجاوز حجرًا من الطمي مرسوم عليه عربة (بدائية) ذات عجلات، عثر عليه في مدينة “سامراء Sumeria” (في العراق) ويرجع تاريخه إلى عام ثلاثة آلاف وخمسمائة قبل الميلاد (3500 ق. م.) وهو من آثار الحضارة السومرية.

 

وقد عثر على أوانٍ  فخارية مصنوعة باستخدام العجلة الفخارية، في نفس المنطقة، ويعتقد أن تاريخها هو نفس تاريخ لوح الطمي المذكور. وإذا كان الأمر كذلك، فالاستنتاج هو أن العجلتين من اختراعات الحضارة السومرية. [عجلة الفخار “potter’s  wheel” دائرة خشـبية يوضع عليها الطمي لصناعة آنية تامة الاستدارة].

 

كما عثر في مقابر السومريين على عجلات خشبية يرجع تاريخها إلى أعوام ثلاثة آلاف (3000) وألفين قبل الميلاد (2000 ق. م.). وقد صنعت تلك العجلات من ثلاثة (3) ألواح خشبية سميكة مثبتة في بعضها بوتدين من الخشب. ويوجد في وسط العجلة فتحة مستديرة، يعتقد أنها موضع المحور الذي كانت تدور عليه العجلة.

 

ولم يكتف السومريون باختراع العجلة، بل قاموا بتطويرها كذلك. فحول عام ألفين وخمسمائة قبل الميلاد (2500 ق. م.) كان يوضع على العجلات إطار خشبي، بهدف تقليل تآكل العجلة نتيجة الاستعمال. ومن مظاهر التطوير كذلك أن مسامير نحاسية كانت تستخدم في تثبيت أجزاء العجلة، بدلًا من الأوتاد الخشبية.

 

العجلة ذات القضبان:

 

أول تطوير في تصميم العجلة كان الانتقال من العجلة المصمتة (أي المصنوعة من ألواح خشبية سميكة بحيث تبدو قرصًا خشبيًا مستديرًا) إلى “العجلة ذات القضبان spoked wheel”.  وكان ذلك حول عام ألفين وخمسمائة قبل الميلاد (2500 ق.م.). والاعتقاد أن العجلة ذات القضبان ظهرت في أول العهد بها في الحضارة السومرية، وربما في تركيا.

 

تختلف العجلة ذات القضبان عن العجلة القديمة، من حيث إنها مكونة من مركز وإطار (أو حافة) مستدير تصل بينهما عدة قضبان (أوتاد). وهذا التغيير في تصميم العجلة –على بساطته– كان له أثر هام في الدور الذي لعبته العجلة في عصور الإنسان التالية! ذلك أن تفريغ العجلة على هذا النحو، جعل وزنها خفيفا وحركتها أسهل واستعمالاتها أكثر.

 

بحلول عام ألف وخمسمائة قبل الميلاد (1500 ق.م.) كان المصريون القدماء (الفراعنة) يستخدمون العجلات الوتدية (ذات القضبان) في صناعة العربات الحربية التي اشتهروا بها. وقد تراوح عدد الأوتاد (القضبان) المستخدم في كل عجلة بين ستة إلى ثمانية (6-8).

 

ويبدو أن الإنسان القديم تحول عن الخشب إلى المعادن في طور ما من أطوار العجلة. إذْ عثر في إيطاليا على عجلة معدنية لها قضيبان فحسب يصلان بين مركزها وإطارها. ويرجع تاريخ هذه العجلة المعدنية إلى عام ألف قبل الميلاد (1000 ق.م.).

 

وقد استقر تصميم العجلة على حاله لأزمان متطاولة، فلم يطرأ عليه تغيير يذكر، باستثناء تطوير الخامات المستعملة في الصناعة وتحسين الإنتاج، بحيث لا تتآكل العجلة بسرعة نتيجة الاستعمال المستمر. من ذلك تغطية إطار العجلة الخارجي (الذي يدور على سطح الأرض) بطبقة من الجلد، وطلاء الخشب بمواد تجعله مقاومًا للتلف الناشئ عن التعرض المتكرر للماء.

 

 

العجلة الحديثة:

لم يطرأ على العجلة التي صممها واستعملها الإنسان القديم أي تغيير إلى عام 1870 م (بعد الميلاد) حين صنعت العجلة المعدنية ذات الأسلاك، للاستخدام في الدراجة. وقد سميت تلك العجلة باسم “العجلة السلكية wire wheel” لأن الأسلاك المعدينة استعملت فيها لوصل مركز العجلة بإطارها الخارجي.

وحول عام 1840م، ابتكرت الإطارات الهوائية للاستخدام مع العجلات الخشبية. ولم ينتشر استعمالها إلا حول نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر (الميلادي).

 

 

الإطارات الهوائية قفزت بصناعة العجلات قفزة هائلة إلى الأمام، إذْ صارت العجلة أخف وزنًا وأمتن بنيانًا وأطول عمرًا من ذي قبل. كما أن الإطارات الهوائية مهدت لانتقال الإنسان من عصر العربات التي تجرّها الدواب إلى عصر السيارة. إذْ كانت حلًا جاهزًا لمشكلة عويصة عند تصميم السيارة!

 

وفي مطلع القرن العشرين، اتجه الإنسان نحو صناعة عجلات معدنية “قطعة واحدة”، بدلًا من العجلات ذوات القضبان. وكانت قوالب خشبية تستخدم لهذا الغرض. وبحلول الثلاثينيات من القرن العشرين (1930) بدأت عجلات من الصلب المضغوط تحل محل العجلات الخشبية التقليدية.

 

ثم تطورت صناعة العجلات الحديثة، فصارت تصنع من معادن خفيفة ولكن قوية مثل خليط الماغنسيوم والألومنيوم. وما تزال العجلات تصنع كقطعة واحدة من المعدن، يحيط بها إطار هوائي من الخارج، على نقيض العجلات القديمة التي كانت تصنع من مركز وإطار يصل بينهما عدد من القضبان (الأوتاد).

 

هذه هي قصة العجلة كما يرويها التاريخ. اختراع بسيط ولكنه عميق الأثر في حياة الإنسان في مختلف العصور. وللتدليل على أهمية العجلة ودورها في حياة الإنسان اليوم فيكفي أن يقلّب الإنسان بصره في كل ما حوله ليرى ذلك بنفسه.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك