قصة اختراع المصباح الكهربائي

31 مارس , 2018

الكهرباء كما نعرفها اليوم نعمة جليلة، لم يكنْ من حظ الإنسان قبل قرنين من الزمان أن ينعم بها! ففي القرن السابع عشر الميلادي كانت ” الكهرباء ” كلمة في مساجلات العلماء ومختبرات الباحثين، ولكنها في العصر الحاضر شريان رئيسي في الحياة اليومية.

 

كيف اكتشفت الكهرباء؟! وكيف أمكن توليدها؟! ومن الذي اخترع المصباح الكهربائي فوضع خاتمة عصر طويل من استعمال الشموع وقناديل الزيت؟!

نقلب صفحات تاريخ العلوم لنفتش عن جواب لهذه الأسئلة.

 

اكتشاف الكهرباء:

“وليام جيلبرت” “William Gilbert” طبيب إنجليزي في بلاط الملكة إليزابيث الأولى، مولع بالبحث في العلوم والفيزياء. ويقوده ولـَعُه بالبحث إلى اكتشاف أن أجسامًا معينة، مثل الزجاج، تكتسب قدرة على الجذب عند دعكها باليدين. وينكبّ الرجل على دراسة هذه الظاهرة، والمقارنة بينهـا وبين المغناطيس لينتهي إلى نتائج طريفة، ينشرها في كتابه المعنون: ” عن المغناطيسية”  “De magnete “، الصادر في عام 1600 م.

 

من الاستنتاجات الطريفة في كتاب “وليام جيلبرت” أن الأرض مغناطيس مستدير، وأن أي مغناطيس سوف يتحرك (إذا تُرِكَ حُرَّ الحركة) في اتجاه قطبي الأرض، وأن الكـواكب ثابتـة في مداراتـها بسبب وجود جذب مغناطيسي.

كذلك ميّز “جيلبرت” في كتابه بين الجذب المغناطيسي، وبين خاصية اكتساب بعض المواد للقدرة على الجذب عند دعكها. وقد أطلق على تلك الخاصية اسـم  “كهرباء”  “electricity”، فكان أول من أدخل هذه الكلمة إلى قواميس اللغة.

 

في ألمانيا، كان هناك رجل آخر لا يقلّ وَلـَعًا بالعلوم عن الطبيب الإنجليزي “وليام جيلبرت “. ذلك هو “أوتـوفون جيريك” “Otto Von Guericke” عمدة مدينة ” ماجْدبيرج ” “Magdeburg “. فقد اخترع هذا الألماني مضخة هواء، وابتكر فكرة تفريغ الهواء للصق الأجسام ببعضهــا دون استخدام أي مادة لاصقة. ومن بين ما اخترع آلة لتوليد ” الكهرباء الساكنة ” ” Static electricity “، بعد ستين عامًا من صدور كتاب ” جيلبرت ” الذي أدخل فيه كلمة ” كهرباء”  لأول مرة.

 

إلا أن ” الكهرباء المتحركة ”  أو ” التيار الكهربائي ”  ” Current electricity “، لم تكتشف إلا على يد طبيب آخر، هذه المرة من إيطاليا، وكان ذلك في القرن الثامن عشر الميلادي. فقد لاحظ أستاذ الفسيولوجيا ( علم وظائف الأعضاء ) في جامعة ” بولونيا ”  ” Bologna ” ( في إيطاليا ) ” لويجي جالفاني ” ” Luigi  Galvani ” ( 1737 – 1798 ) أن عضلات الضفدعة تنقبض ( أو تتقلص ) عند لمسها بقضيبين مختلفين ( أي كل منهما من معدن مختلف عن معدن الآخر ). وقد شغف ” جالفاني ” بهذه الظاهرة فصرف شطرًا كبيرًا من وقته لدراسة الكهرباء في أجسام الحيوانات. وقادته دراسته إلى استنتاج أن الكهرباء مخزونة في أجسام الحيوان، وأن دور المعادن يقتصر على توصيل الكهرباء المخزونة ! ( وهو استنتاج خاطئ ).

 

لويجي جالفاني

لم يقتنع بكلام ” جالفاني “، الإيطالي ” أليساندرو فولتا ”   ” Alessandro Volta ” ( 1745 – 1827 ) أستاذ الفيزياء في جامعة ” بافيا ”  ” Pavia ” ( في إيطاليا ) الذي أجرى تجارب مكثفة لدحض فكرة اختزان الكهرباء في أجسام الحيوان، وإثبات أن المعادن في حد ذاتها ومن تلقاء نفسها يمكن أن تحدث تيارًا كهربائيًا! وقادته تجاربه العديدة إلى اختراع البطارية الكهربائية.

 

كان اختراع البطاريـة الكهربائية حدثًا فريدًا، أذاع شــــــهرة “فولتـا” (وجلفاني بطريقة غير مباشرة). وعندما عـرض “فولتا” اختراعـه على “نابليون بونابرت” إمبراطور فرنسا، في عام 180 ، استحق التكريم فمنح لقب “كونت” وأقيمت  –تحت إشراف “فولتا”-  أضخم بطارية كهربائية في العالم آنذاك، في قاعة “كلية العلوم التطبيقية” “Ecole  polytechnique”  في باريس.

 

تكريمًا لـ “جالفاني” يطلق اسمه على آلة لكشف وجود تيار كهربائي تسمى  “جالفانوميتر”  ” Galvanometer “. وتكريمًا لـ “فولتا ” يطلق اسمه على وحدة القوة المحركة الكهربائية (فولت).

 

توليد الكهرباء:

كلمة “كهرباء” اشتقها “ويليام جليبرت” من الكلمة الإغريقية (اللاتينيـة)  “electron” ومعنـاها “كهـرمان”. وكان معروفًا أن الكهرمان عند دعكه (فَرْكِهِ) باليـدين يكتسب قدرة على جذب أجســام خفيفة مثل القش وقصاصات الورق.

 

عندما يكتسب الكهرمان، أو الزجاج أو أي مادة صلبة أخرى، قدرة على جذب أجسام إليه بعد دعكه، يقال إنه اكتسب شحنة كهربائية. ويوصف هذا النوع من الكهرباء بأنه ساكن. لكنْ إذا انسابت الشحنة الكهربائية من جسم معدني إلى جسم آخر، عبر وَسَط  أو سائل أو معـدن وسـيط، كما في بطارية “فولتا”، توصف الكهرباء بأنها متحركة، ويقال إن هناك تيارًا كهربائيًا يسري من أحد الطرفين ( أو القطبين ) إلى الآخر.

 

يرجع الفضل في التمييز بين نوعي الكهرباء الساكنة والمتحركة إلى عالم الفيزياء الفرنسي “أندريه أمبير” (1775 – 1836) أستاذ الفيزياء في جامعة باريس. فقد عكف طيلة خمسة وعشرين عامًا على دراسة ظاهرة الكهرباء وتمحيص أعمال “فولتا”. وقد أوضح “أمبير” كذلك الفرق بين التيار الكهربائي والقــوة المحــركة الكهربية.

يطلق اسم “أمبير” على وحدات التيار الكهربائي.

 

على أن القفزة التاريخية في أبحاث الكهرباء التي حققها الإيطالي “فولتا” باختراع البطارية، كانت في انتظار من يلتقفها ليمضي بها خطوة أخرى إلى أمام. وقد تحقق ذلك في عام 1820، على يد الهولندي “هـانز كريسـتيان أورسـتد” (1777 – 1851) أستاذ الفيزياء في جامعـة “كوبنهاجن” (في الدانمارك) الذي اكتشف التأثير المغناطيسي للتيار الكهربائي، فوضع يده بذلك على العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية.

يطلق اسم ” أورستد ” على وحدة شدة الجذب المغناطيسي.

 

بعد عام واحد من اكتشاف “أورستد” لوجود مجال مغناطيسي للتيار الكهربائي، أي في عام 1821 م، اكتشف عالم الفيزياء والكيمياء البريطاني “مايكل فراداي”  (1791 – 1867) أن تحريك مغناطيس بالقرب من سلك يؤدي إلى توليد تيار كهربائي فيه. وكان ذلك الاكتشاف الأساس لاختراع “فاراداي” لأول مُولِّد كهربائي في عام 1831 م.

 

“مايكل فاراداي” له مع العلوم قصة طريفة ليس هنا مجال تفصيلها. ولكنْ جدير بالذكر أنه بدأ حياته في أسرة فقيرة في لندن فعمل في مطبعة لتجليد الكتب. وكان شغوفًا بقراءة كل كتاب يقع عليه. ثم صار يحضر المحاضرات في المعهد الملكي للعلوم في لندن. وكانت نباهته سببًا في تعيينه مساعدًا لأستاذ الكيمياء في المعهد المذكور في عام 1813، ثم خَلـَفًا له في الأستاذية في عام 1833. وكان “فاراداى” أول من عمل على تحويل الغازات إلى سوائل، واكتشف حلقة البنزين (في عام 1825)، واستخدم الكهرباء في تحليل السوائل. وله أعمال متعددة في حقل الكهرباء المغناطيسية، وكان أول من اخترع محولًا كهربائيًا، فضلًا عن اختراع أول مولد كهربائي.

 

كانت فكرة المولِّد الكهربائي بسيطة للغاية، وكذلك تكوينه، إذْ يلف السلك المراد توليد كهرباء فيه على هيئة ملف، ثم يوضع بين قطبي مغناطيس، فيمر فيه تيار كهربائي. وهذا ما يسمى الملف الكهربائي. وفي البداية كان يستخدم مغناطيس دائم لتوليد الكهرباء. ثم استخدم مغناطيس كهربائي في توليد الكهرباء، وذلك بتوصيل مغناطيس ببطارية. [ تَـذَكَّرْ أن الكهرباء لها تأثير مغناطيسي وأن المغناطيس له تأثير كهربائي ].

 

المصباح الكهربائي:

عند تقريب جسمين مشحونين بالكهرباء من بعضهما تحدث شرارة. عادة تكون الشرارة الكهربائية مصحوبة بضوء. هذا الضوء المصاحب للشرارة الكهربائية هو الذي أوحى فكرة استخدام الكهرباء في الإنارة.

 

أول محاولة للإضاءة بالكهرباء كانت باستخدام قضبان من الكربون، توصل ببطارية. عند تلامس طرفي قضيبين من الكربون المتصل ببطارية، يصدر عنهما ضوء قوي. وكان ذلك الضوء أقوى بكثير (بحوالي خمسين ضعفًا) من ضوء مصباح الزيت الذي كان شائعًا في القرن التاسع عشر.

إلا أن قضبان الكربون كانت تتآكل بسرعة، الأمر الذي جعل استعمالها محدودًا للغاية. ولعل أهم( وأول ) استعمال لقضبان الكربون في الإنارة، كان في المنارات على شواطئ بريطانيا. إذْ أنشئت في ديسمبر / كانون أول عام 1858 م أول محطة من نوعها لتوليد كهرباء تغذي مصابيح الكربون في منارة على الشاطئ الجنوبي لبريطانيا.

وعلى الرغم من أن تكاليف تشغيل المحطة واستبدال قضــبان الكـربون كانت مسـاوية للإنارة بقناديل الزيت، إلا أن ” الضوء الكهربائي ” –كما كان يسمى– كان أجود.

 

على أن الإضاءة الكهربائية لم تنتشر إلا بعد عام 1870، حين اخْتُرِعَ في فرنسا ما يسمى “الشمعة الكهربائية” ” electric candle”، على يد “بول جابلوكوف” “Paul Jablochkoff” و”زينوب ثيوفيل جرامّ”  “Zénobe Théophile  Gramme”.

 

 

ولم تكنْ الشمعة الكهربائية أكثرَ من مصباح كربوني متصل بمولد كهربائي بحيث يعمل تلقائيًا. وقد استخدمت الشمعة الكهربائية في المدن والمصانع والمتاجر ومحطات القطارات، فكانت تمهيدًا لتوديع قناديل الزيت ومصابيح الغاز!

 

حول نفس الزمن الذي انتشرت فيه الشمعة الكهربائية، كان من المعـروف في أوساط أبحاث الكهرباء أن تمرير تيار كهربائي في سلك رفيع (شعـيرة) من البلاتين أو شريحة رقيقة من الكربون سوف يؤدي إلى انبعاث ضوء.

[“الشُعَـيْرَة” “Filament” تصغير “شعـرة”، وهي الاسم الذي يطلق على الأسلاك الرفيعة جدًا في المصابيح الكهربائية]. بيد أن تلك المواد جيدة التوصيل للتيار الكهربائي، مثل شعيرة البلاتين أو شريحة الكربون، سوف تحترق بسرعة ما لم تكن محتواة في وعاء ( إناء ) مفرغ من الهواء. وقد ظلت محاولات إنتاج مصباح كهربائي مفرغ من الهواء متعـثرة، بسبب الافتقار إلى مضخات جيدة لتفريغ الهواء،إلى أن أفلح عالم الفيزياء الإنجليزي “جوزيف سوان” “Joseph  Swan”- في إنتاج مصباح كهربائي مفرغ جزئيًا من الهواء، ويحتوي على شعـيرة من الكربون، في عام 1860. وبسبب قِصَر عمر المصباح الذي أنتجه “سوان”، نتيجة احتوائه على هواء، ظلت استعمالاته محدودة للغاية.

 

جززيف سوان

 

شُعَـيْرَة تُنْجِسْتِين:

 

استمرت محاولات تحسين وتطوير المصباح الكهربائي، إلى أن تمكن المخترع الأميريكي “توماس إديسون” “Thomas  Edison” من تطوير المصباح الكهربائي الذي اخترعه الانجليزي “جوزيف سوان”، فأنتج مصباحًا كهربائيًا طويل العمر باستخدام شعـيرة من الكربون في إناء زجاجي مفرغ من الهواء. وكان ذلك في عام 1879 م.

 

في عام 1881، كان “إديسون”  قد بنى في “نيو جيرسي” (في الولايات المتحدة) محطة لتوليد الكهرباء كانت تزود ثمانين (80) عميلًا بالكهرباء. وفي عام 1883، أسس “إديسون” بالاشتراك مع الإنجليزي “جوزيف سوان”، أول شركة تجارية للتزويد بالكهرباء في كلٍّ من الولايات المتحدة وبريطانيا.

وفي عام 1884، انفرد ” إديسون ” بملكية الشركة الوحيدة من نوعها في العالم للتزويد بالكهرباء. وكان عدد المصابيح التي تزودها الشركة بالكهرباء قد تجاوز أحد عشر ألف ( 11272 ) موزعة على خمسمائة (500) مَبْنى في ولاية ” نيو جرسي ” وحدها. وبحلـول عام 1885 كان في الـولايات المتحـدة ثلاثة أربـاع مليـون ( 750000 ) مصباح كهربائي. وفي بريطانيا كان هناك انتشار مماثل، إذْ قفز عدد المصابيح الكهربية في مدينة لندن وحدها إلى حوالي مليونين ونصف مليون مصباح، حول نهاية القرن التاسع عشر.

 

على أن فتحًا جديدًا في عالم الإضاءة بالكهرباء تم على يد العالم الأميريكي “ويليام دافيد كوليج” “William David Coolidge”، الذي استعمل في عام 1910 شُعَـيْرَة من معدن تُنْجِسْتِين ” tungesten ” مكان شعـيرة الكربون.

 

أدى هذا الابتكار إلى إحداث نقلة نوعية هائلة في صناعة المصابيح الكهربائية. فالخصائص المميزة لمادة تنجستين تجعلها الأمثل للاستعمال في المصباح الكهربائي. فمعـدن تنجستين لَدِن ( طرىّ ) “ductile” بحيث يمكن تشكيله بسهولة على هيئة شعيرات ملتفة (كما نراها في المصباح الكهربائي).

 

وعلى الرغم من طراوته فإنه يفوق الصلب في قوة الشد. كما أنه ينصهر عند درجة حرارة عالية جدًا (3410 درجة مئوية = 6170 درجة فاهرِنْهايتْ) مما يجعله مادة مثالية للاستعمال في المصباح الكهربائي. وما تزال “شـــعـيرة تـنجســــتين” “tungsten filament” تستعمل في إنتاج بعض أنواع المصابيح الكهربائية إلى يومنا هذا.

 

حول منتصف القرن العشرين، كان المصباح الكهربائي قد حقق انتشارًا واسعًا في معظم بلاد العالم، وتعـددت استعمالاته من إضاءة المنازل والمصانع والمتاجر إلى إنارة الشوارع والأماكن العامة.

 

واليوم صار المصباح الكهربائي مألوفًا في شتى بقاع المعمورة، وبات من المسلَّمات التي قلما تستوقف إنسانًا أو تلفت انتباهه. ويوم يتفكر إنسان القرن الحادي والعشرين في المصباح الكهربائي يجد أن الحياة غير مُتـَصَـوَّرة بدونه!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك