قصة “النحو العربي”: سببين رئيسين وراء “تقعيد” اللغة العربية

29 مارس , 2015

روي أن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى: ((أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركينَ ورسولُهُ)) بجـر رسوله، فجعله معطوفاً على المشركين فصار المعنى: أن الله بريء مـن المشركين، وإن الله بريء من رسوله! والصواب نصب (رسول) عطفاً على لفظ الجلالة والمعنى: أن الله بريء من المشركين، وأن رسول الله بريء من المشركين أيضاً.
فعرض الأمر على الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فكتب كراساً وأعطاه لأبي الأسود وقال له: أنح للناس هذا النحو نحواً يعتمدون عليه.
فقال: وكيف أقول يا أمير المؤمنين؟
فقال له: قل الكلام كله أسم وفعل وصرف.
ويقال إن هذه الحادثة كانت السبب في وضع قواعد النحو. وهناك روايات أخرى. ويرى الباحث العراقي “جاسم علي حسين”، في بحث له قدمه لكلية ابن رشد في جامعة بغداد، حول أثر تلوين المفاهيم النحوية في تحصيل قواعد اللغة العربية لدى التلاميذ، بأن “الحاجة كانت ماسة إلى وضع قواعد اللغة في القرن الأول للهجرة لسببين أساسيين هما:
الأول: شيوع اللحن وانتشاره ليس على ألسنة المستعربين فحسب، بل على ألسنة العرب أنفسهم، وما أصاب لغتهم من الضعف نتيجة المؤثرات التي أدت إلى ذلك.
الثاني: حاجة الأمم التي دخلت إلى الإسلام إلى تعلم اللغة العربية، والتعامل بها محادثة وكتابة وتعلماً وفهماُ للقرآن، والحديث النبوي الشريف.
وعن نشأة النحو في البلاد العربية فيفيد الباحث بأنه بداية النحو كانت في البصرة بالعراق عند الموالي ولم ينشأ حينها عند العرب، لأن العرب لم يكن بهم حاجة إلى مثل هذه القواعد فهم يعرفونها بالسليقة، أما الموالي فبحكم أجنبيتهم محتاجون إلى تعلم اللغة العربية ونحوها واكتسابها عن طريق الدراسة والبحث. وقالوا في النحو: “إنما هو انتحاء سمت كلام العرب… ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها، وإن لم يكن منهم أو إن شذ بعضهم عنها رد به إليها.
وحول تاريخ اللغة العربية قديماً، وعن وجود القواعد في ذلك الزمن، فإنه وبحسب ما ورد في البحث “بلغت العربية أوج نضجها في العصر الجاهلي، وكانت سماعية أي لم يكن لها قواعد مكتوبة، بل كانت لها ضوابط فرضها العرف وصقلها الاستعمال. ثم جاء الإسلام فوحد القبائل المتفرقة، وجعل من أشتاتها دولة متماسكة العرى، قوية الجانب. وبعد توحيد العرب سياسياً، وجب توحيد لهجاتهم وصهرها في بوتقة واحدة، لأن وحدة اللغة هي رمز لوحدة الأمة، وكان صهر هذه اللهجات قد بدأ بصورة غير مباشرة في الأسواق التي كانت تعقد في شبه الجزيرة العربية. ثم نزل القرآن بلغة قريش فثبت زعامتها وسيادتها، وهيأ الجو لاندماج اللهجات الأخرى اندماجاً نهائياً في لهجة قريش”.
وعن الدافع لنشوء النحو والقواعد، فيفيد الباحث العراقي بأنه “وبعد الفتوحات أخذت الشعوب المغلوبة تقبل على تعلم اللغة العربية لأنها لغة الحاكمين، فخاف العرب على لغتهم من التفكك والوهن، وفكروا في ضبطها، ووضع قواعد لها تحفظها من العبث والضياع، وتستند إلى دعائم مكتوبة ثابتة. وكان أول من عمل في هذا المضمار أبو الأسود الدؤلي، وتبعه كثيـرون أمثـال يونس بن حبيـب الضبي، والخليـل، وسيبويـه وقد أستند هؤلاء النحاة في وضع القواعد إلى القرآن الكريم وإلى الرواة”.
مفهوم النحو العربي
وتطرق البحث إلى مفهوم النحو العربي، ويعرفه بأنه “ضبط أواخر الكلمات بعد تعرف مواقعها من الجملة” فكان علماء النحو القدامى يعرفونه على أنه “علم أواخر الكلمات إعراباً وبناءً… وفي العصر الحديث تغيرت هذه النظرة التقليدية إلى النحو”.
ويوضح الباحث، بأن “القواعد أصبحت تشمل البحث في التراكيب وما يرتبط بها من خواص، فلا يقتصر النحو على البحث في الإعراب ومشكلاته على ما أراد له بعض المتأخرين من النحاة العرب، وإنما المهم أن يأخذ في الحسبان أشياء أخرى مهمة كالموقعية، والارتباط الداخلي بين الوحدات المكونة للجملة أو العبارة وما إلى ذلك من وسائل لها علاقة بنظم الكلام وتأليفه”.
ويسترسل البحث بتوضيح القواعد والنحو واصفاً إياه بأنه “عبارة عن بلورة اللغة في قوانين عامة، ويضع المعايير النظرية العامة للغة، ويصمم تلك المعايير التي يتم بها سلامة القراءة والكتابة والتحدث أو الاستماع، ولما كان النحو يصمم المعايير النظرية، ويضع القواعد العامة كان بطيء التغير، لأن الأساسيات والضوابط والقواعد العامة ثابتة. وأن منهج النحو لا يختلف عن منهج اللغة كله فلا بد أن يستند إلى أساس من سيكولوجية المتعلم ومن حاجته، مع وجود الدافع لدى المتعلم لما يتعلم”.
ختاماً، ومما تقدم يمكن القول بأن اللغة العربية قد وجدت وتكاملت، قبل وجود القواعد التي وضعت بعدها بقرون، فلاحظ الذين عنوا بوضع تلك القواعد اللغة وتراكيبها ومفرداتها وخصائصها فقعدوها، أي وضعوا لها القواعد والتعريفات، وبعد حقبة طويلة من التأمل والتفكير، وجدت القواعد لحفظ اللغة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك