قِصَّةُ أُسْتَاذٍ

19 فبراير , 2018

 نَشْأَةُ جِهَادٍ مِنَ الْمَيْدَانِ إِلَى الْعِلْمِ

بنزيفِه الدافقِ مِن سَاعِدِه الأيمنِ هرب الصبيُّ المتجاسرُ جسارةَ الرجال من المعسكر البريطاني بشارع السَّدِّ البَرَّانِيِّ الموازي لشارع قَصْرِ الْعَيْنِيِّ، جرى صاحبُنا بأقصى ما لديه من سرعة؛ لينجوَ بنفسه من أيدي ضباط الإنجليز بعد عملية جِهادية شارك فيها مع زملائه من صبية الحي.

 

في قلب القاهرة عند تمام الساعة الخامسة يجتمع كلُّ ضباطِ المعسكر في طابور التمام، وفي ثِنْيٍ أو ثِنْيَيْنِ من تلكم الأثناء يتَدَسَّس المجاهدون الصغارُ عبرَ السلوك الشائكة؛ ليقلِبوا ما في داخل الخيام رأسًا على عقب، ويسكبوا الحبر فوق أسرَّتهم، ويحتملوا ما تطيقه أيديهم الصغيرة من غنائمِ الغزوة، ويفِرُّوا قبل أن يدركَهم الجندُ.. نعم، نحجوا في القيام بكل تلك الْـخُطة مرتين على فتراتٍ متباعدة، لكنها لم تكن فَتَراتٍ لقلوبهم عن كُرْهِ الإنجليز، بل فتَراتٍ لعَدُوِّهِم عن تَمَـــيُّزِ المهاجمين الشجعان وملاحقتهم.

 

فكرة تفتَّقَتْ في قريحة بعض الصبية أن يعيثوا في المعسكر فسادًا، انتصارًا لحيِّهم الذي يَغتصِبُ المعسكرُ البريطانيُّ شرفَ أرضِهِ، ويحاولُ ضباطُ المعسكَرِ إقناعَهم بالأمر الواقع عن طريق شراءِ وُدِّهم بإهدائهم الحلوَى والمعلَّبَات، تلك المعلَّباتُ التي تعفَّفَ عنها الصبيةُ أنَفَةً، ونالُوها قهرًا بسواعدهم الصغيرة، ولم يَحْتَجِنُوهَا لأنفسهم من دون الناس، ولم يسارعوا إلى ازْدِرَادِهَا قبل أن يراهم الإنجليز؛ فيعلموا هُويةَ المهاجِم، بل كان الصبية يقدمونها “لعم أمين” البقَّال ليبيعَها!!

 

وفي المرة الثالثة أَعَدُّوا لهم كَمِينًا، وأمسكوا بهم لكن صاحبَنا أفلَتَ من خلال السلوكِ الشائكةِ التي ألزمته ثِنْتَيْ عَشَرَةَ غرزةً، وظلَّ أثرُها في ساعده الأيمن حتى جاوز السَّبْعِينَ!!

 

هكذا عاش الأستاذ الدكتور عادل سليمان جمال نشأةً مغامِرَةً؛ لِيَشتد عوده بعدها في رياضة العدو للمسافات المتوسطة في فريق النادي الأهلي وجامعة القاهرة واتحاد الجامعات المصرية، وكان التدريب ساعتَيْن يوميًّا، وربما تكون هذه التجربة هي المفتاحَ الصحيحَ الذي يفسر لنا عبارته: “… ثم أطبقت علينا طامة الهزيمة المنكرة سنة 1967 التي راح ضحيتها جيش مصر الباسل، خير أجناد الأرض …” ولله في خلقه شؤون!

 

إن البدايات الحماسية التي تُحاط بالنِّضال المسَلَّح والمواجهة مع العدو تحسِم للناشئ كثيرًا منَ اختياراته؛ بحيثُ يرى الحياة أكثرَ تمايزًا بين الحق والباطل، وهو في حاجةٍ إلى هذا الوضوح، حتى إذا عَرَضَتْ له الألوانُ الأخرى كبيرًا عَلِمَ أيُّها أقربُ إلى الحق، حتى كأنه منه، وأيها أقرب إلى الباطل، حتى كأنه منه، بَدَلًا من أن يعيش طفولته الديمقراطية الراغدة صغيرًا وتشتُّتَهُ وتبعثُرَ هُوِيَّتِه كبيرًا؛ على أنهم فتية لم يُكْرِههم أحدٌ على شيءٍ سوى أن المجتمعَ اللاهِب أَوْرَى قلوبَهم، وملَأَها عِزَةً وشموخًا بهويتهم، وبُغضًا للمحتل الغازي الآثم، ولم يكن يحتاج المجتمعُ أكثرَ من ذلك حتى يرى عنفوانَهم يتفجر انتصارًا للوطن، وعقولَهم تتفتَّقُ وتتفنَّنُ في الإعداد والتدبير، ونِعِمَّا هي!

 

كان عادلٌ فتًى متفوقًا إذن، بَيْدَ أنَّ تفوقَه الأَعْظَم كان في الأدب! إذ التحق بكلية الآداب بقسم اللغة العربية؛ ليدرُس على أكبر أعلامها وَقْتَئِذٍ، ومنهم: الدكتور طه حسين، والدكتورة سَهِير القَلَمَاوِي والدكتور عبد العزيز الأَهْوَاني، والدكتور يوسف خُلَيف، والدكتور شوقي ضيف، وهذا الأخير هو الذي أشرفَ على رسالتيه: التخصص (الماجستير) والعالِمِية (الدكتوراه) في الأدب القديم، بعد أن كان الدكتور طه حسين قد قرر أن يشرف عليه بنفسه لولا المرضُ.

 

عِمَل أستاذًا للأدب العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة بركلي بكالفورنيا ثم في جامعة أريزونا إلى يومه هذا، وليس هذا أهمَّ ما في سيرته؛ لأنه قَدَّمَ إلى العالم عددًا من التحقيقات الدقيقة التي شَذَّ بين أهل التخصص من يَقْدِرُ على حَمْلِ عِبْئِهَا؛ فنَشَرَ بها عيونًا من تراث الأمة العربية الإسلامية، مؤمنًا بهذه الأمة، بارًّا بأمومتها الرؤوم، غيرَ مُتَمَلِّصٍ من همومها، ولا مُتَذَمِّرٍ من مخطوطاتها الْمُضْنِيَة، أو علومها المتشابكة، التي فرضَتْ عليه أن يكون عالِمًا لا في الأدب فَحَسْب، بل في النحو والصرف والبلاغة والعَروض، بل في الفقه والتفسير وأصول الدين والحديث والقراءات وغير ذلك من علوم العربية والإسلام بالقدر الذي يمكنه من مناقشة الأئمة، واستيعاب نفوسهم في نفسِه، ليكتبَ ممتلئًا، ويحاضرَ مُتَثَبِّتًا، ويعيش وفيًّا لأمةٍ تبحث عن عُشْرِ وَفِيٍّ!! بل أخرج للنور: ديوان الأَحْوَص الأنصاري، وديوان حاتم الطائي، والحماسة البصرية في أربعة أجزاء وغير ذلك.

 

وفي هذا المضمار تَستطيعُ أن تعدَّهُ شاكريًّا حتى النُّخَاع، صاحَبَ الأستاذ محمود محمد شاكر علَّامةَ زمانِه –على حد تعبيره- أربعين سنةً، وأجَلَّه شاكرٌ جلالةَ الخوَاصِّ للخوَاصِّ، ما لا يقل به قدْرُه عن الدكتور محمود الطناحي أو الدكتور أبي همَّام عبد اللطيف عبد الحليم أو الحساني حسن عبد الله مثلًا، وتقف على ذلك جليًّا في مقدمته الطويلة لديوان “اعصفي يا رياح” من دار إصدارات 2012، كما تجده في تقديمه لجمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر وغيرهما.

 

طَالِبُ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ يَقْرَأُ الْبُخَارِيَّ وَحْدَهُ

كيف كان يتأسس العلماء في هذا العصر ليحرزوا تقدمًا يشهد له العرب والأجانب على حد سواء؟

 

شَهِدَ النصفُ الثاني من القرن الميلادي المنصرم نظامًا تعليميًّا حافزًا، يستَفِزُّ الطالب من أرض اللهو إلى سماء المعرفة، ويستنفر مجتمعُه التعليميُّ كلَّ كوامن السكون في نفس الطالب لتستحيلَ أمواجَ الحركة ومعراجَ الطلب.

 

حينما يُقدس المجتمع الثقافة ويَحسِب مجدَ الناشئ بعدد الكتب التي قرأها، وعدد العلماء الذين جالسهم، وقَدْر الدراية التي حصل، ومدى الفصاحة التي يحسن، حين يكون المجتمع لفيفًا من صحف تلتزم العبارة العربية والفكرة الباذخة، في هذا الوقت حَدِّثْ ولا حَرَجَ عن نباتات العلم التي تنمو على بين أعطاف المجتمع، وأعماق الإيمان التي تضرب في نفوس الناشئة، وصلابة الجدية التي تَفْتَرُّ عنها عيونهم وألسنتهم وأعمالهم، حتى إذا انفتحوا على العَجَم والكَفَرَة كان في انفتاحهم تعقُّلٌ ودراسةٌ لا انبهارٌ وانبطاحٌ.

في مثل هذا النتاج عاش عادل سليمان جمال، طالب الثانوية العامة، ثانوية المدارس، قبل أن يلتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

 

ومع كل هذا النضج العربي المسلم، المفتون بمساجد القاهرة، العاشق لبيان العرب، المتشبع بدين الإسلام، استطاع أن يصيب من مائدة النقد الأدبي الغربي القدر الأكبر بين النقاد العرب، إذ عاش في أمريكا قُرَابَةَ أربعين عامًا، يعاقر النقد الغربي باتزان لا يغيب معه العقل، ويمارس ما صح من مناهجه –عنده- مع أعتق قصائد العرب بقوةٍ واقتدار، كما فعل بأبي ذُؤَيبٍ –يا حبيبي يا أبا ذُؤَيب- في مقاله: الوَحدة العضوية في القصيدة العربية.

 

وترجَمَ عددًا من المسرحيات الإنجليزية: “الآلة الحاسبة” لإلمر رايس، و “من يخاف فيرجنيا وولف” لإدوارد ألبي وغيرهما، ولا تنسَ أنه آدابيُّ لا درعميٌّ[1] ولا أزهريٌّ، وكان في الثانوية من طلاب المدارس لا الأزهر كذلك! وقد أفاد أن شهادة الثانوية في وقتهم كانت تسمى: الثقافة!! ما أحوجنا إلى الثقافة ولو بنكهة دنلوب هذه، فلو بُعث دوجلاس دنلوب –المبشِّر القسِّيس المتحكم في التعليم المصري من قِبَل الاحتلال البريطاني- ونادى بأفكاره الآن لَظَنَّه الناسُ سلفيًّا متعصبًا راديكاليًّا رجعيًّا بالقياس لمنسوب الثقافة الآن أو منتجات المدارس الثانوية، حتى الأزهرية منها، ومع ذلك حَفِظَ صاحبُنا القرآن العظيم، وقرأ صحيح البخاري كاملًا قبل أن يفرغ من ثانويته الثقافية.

 

ولا يفوتنا في ذا المعْرِض أن نتأمل عنوان كتابه الذي ضم مقالاته العديدة التي ألفها، فسمَّاه: “حصاد سنين اغتراب مرير” فالحصاد بحسَب البَذْرِ والزَّرْع، والسنين لا الأعوام تدل على الشدة والصعوبة، وربما لم يأتِ بَعْدُ العامُ الذي فيه يُغاثُ وفيه يَعصِرُ أعذبَ فنونِ ما في الحياة! والاغتراب افتعالٌ يدل على تَكَلُّفِ المصدر كما يدل على كونه مَنْفًى اختياريًّا، وهو من الغُرْبَة يَمُدُّ إلى الغَرْبِ بسَبَب، وكان يُغني عن كلمة “اغتراب” كلمة “ابتعاد” أو “رحلة” ولكنه اختار روح الغرب في قتامة المشهد الداخلي؛ ليصيب تهيئةً لأعنفِ كلمات العنوان، وهو وصفٌ كان في غنًى عنه لما في دلالاتِ الاغتراب من روح، لكنه أصرَّ عليه، وهو “مرير” لاستدعاء حقل المرارة، ومعنى المرور، والعبور مع التأذي والثُّبور؛ فهل نفهم أنه كان مرغَمًا في صورة مختار؟!

 

 

حِينَ تُخَاصِمُ النَّزَاهَةُ مُلَاطَفَةَ الرِّفَاقِ

حين كان يعمل الدكتور عادل سليمان بإحدى الجامعات طلب منه رئيسُه في العمل أن يقطع علاقته بالأستاذ شاكر؛ لأن شاكرًا فَضَحَ رئيسَهُ ذاكَ أمام نفسِه، وأعلنَ له معرفتَه بسرقَتِه لجُهد الباحثين وجَهدهم، ونسبَتِه لنفسه، سَاعَتَئِذٍ رفض عادلٌ قطع علاقته بشاكر، وتكبَّد إعناتَ رئيسه في العمل سنين عددًا؛ لأنه أبَى أن يُداهن في الحق الذي عَلِمَه، أو أن يَصِيرَ إمَّعةً يتلاعب به المستشرقون، الأمر الذي شَهِدَتْ به الأستاذة الدكتورة سمر العطار بعد ذلك..

 

في يوم من الأيام طلبَتْ الدكتورة سمر إليه باسم جامعتها تحكيمَ رسالة علمية بأجرٍ زهيدٍ جدًّا؛ فَقَبِلَ، وعكف عليها، واكتشفَ تَغَيُّرَ أسلوبِ الباحثِ، وأَتْبَعَ سَبَبًا، حتى وجدَ الباحثَ قد سرق 36 صفحةً نَقَلَهَا حرفيًّا من غير أن يشير إليها، ثم أَثْبَتَ الدكتور عادل كلَّ ذلك في تقريره، واختار ألا يُجامِل زميلَه على حسابِ نزاهَتِه، وقد أكدت الدكتورة سمر أنها لم تجدْ في كلِّ حياتها الجامعية في العديد من الجامعات الغربية مثلَ نزاهَتِه تلك!

 

هذه التكاملية النادرة بين عمق بناء الهوية العربية، ثقافةً وعلمًا، مع اكتمال معايير القبول والرفض للوافد من العالم الغربي، مع عمق الاطلاع الغربي الواسع، هذه التكاملية كانت أنْدَرَ ما تَجِدُ في دنيا علماء العرب!!

 

في حضرة الحَرَم الشَّاكِرِي بجوف مكتبةِ الأستاذ محمود شاكر، حين كان جالسًا على كرسي الأستاذ الأثير، جلستُ إليه، وسألتُه عن هذا الائتلاف العجيب في نفسه بين: الإيمان بأن الغربَ المستشرقَ مدمِّرٌ لثقافتنا وأمتنا، وبين عمله معهم وعيشه بين ظَهْرَانِيهِم كلَّ هذا العُمُر؟

 

فأجابني أنه: “كلما زاد عِلْمُ الرجلِ صار أَبْصَرَ بما في الطروح العلمية من حقٍّ و”زيف” وأن المشكلَ على الحقيقة ليس في المنهج البحثي الذي به تعالِجُ النصَّ إن كان شرقيًّا أو غربيًّا، لكن المشكلَ في عقل الباحث الذي سيقوم بهذه الْمَهَمَّة”، واستطرد يشرح لي الفكرة بمثال: قال: “إنهم في الغرب حين يحللون الشعر الإنجليزي ينشغلون بأمرين رئيسَيْن: ماذا أراد الشاعر أن يقول؟ وكيف قاله؟ فالأول: يفيد المعنى الإجمالي، وهو المضمون، والثاني: يفيد طريقة الأداء، وهي الشكل”، ثم أردف: “ولو أردتَ أن تَقِفَ على هذا، هات شعرًا تفهمُه جيدًا ثم انْثُرْهُ أنت في كلام لا وَزْنَ فيه ولا قافية؛ فستجد الفرق بين الشعر وبين ما نثرتَ كالفرق بين الشكل والمضمون، وهكذا تستطيع أن تعرف لماذا اختار الشاعر كلمة دون أخرى، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه وعلى الوزن العَروضي نفسِه…” واستمر الرجل من مثال لآخر في حديث ممتع طويل، ثم أرشد لمراجعة بعض الكتب.

 

فإذا أخذ ينشد أشعار العرب، وينتقل بين بيت لآخر ومعنى لآخر، بارتجال واضحٍ، وتأثُّرٍ ظاهرٍ، وحُبٍّ مَلَأَ عليه كِيانَه، توقنُ أنكَ أمامَ ابْنٍ من أبناء مصر، بَرَّ مصرَ فأبَتْ إلا أن تَعُقَّه! والسعيد مَنِ اتَّعَظَ بغيره، ولسان حاله يقول: إني لك من الناصحين.

 

ثم سألته ليطمَئِنَّ قلبي: هل ترى أنكم بعملكم في أمريكا تخرِّجون باحثًا جيدًا في الأدب العربي؟

فسكتَ هُنَيْهَة، ثم قال بصوت حزين: “لا، بل نُخَرِّجُ بحثًا جيدًا”.

فاحترمتُ فيه هذا الصدق الذي لم تخالطه مواربة، ولم يوازه تفخيم مما يحب الناسُ أن يصفوا أعمالهم به، ووَقَعَ من نفسي موقعَ الإكبار والتعظيم، وتأكدتُ أن الأستاذ شاكرًا لم يمتْ، وإنما يعيش في نفوس أحبابه علمًا وروحًا وفكرًا! فلقد وجدت بُغْيَتِي! ووَقَعْتُ على طَلِبَتِي! فحيَّاهُ الله من أديبٍ عالِمٍ في عَهْدٍ عَزَّ فيه إتقان الأدب أو العلم! لله دره!

 

[1] الدرعمي لقب يقال لمن درس في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك