كلية المعارف الجامعة، منارة علم بالعراق!

29 أكتوبر , 2013

في أروقة الجامعة (1)

هي في الاسم كلية المعارف الجامعة، وفي واقع الأمر وعندما تزورها أو تدرس فيها وتسير وتتجول في أروقتها تجدها وبكل جدارة جامعة علمية رصينة، تستقبل هذه الجامعة سنويًا مابين 1700 – 1850 طالب وطالبة بمختلف الأعمار وبمختلف الاختصاصات العلمية والأدبية.

في هذه الجامعة الدقة والإتقان في العمل الهندسي والتخطيط قبل البناء وربط كل بناية بغاية وهدف، فهنا للبناء فن وعمارة إسلامية. فمثلًا بناية عمادة الكلية تجدها بمثابة رئاسة الجامعة . كانت الفكرة بناءها على شكل سفينة تحمل شراعًا كبيرًا ولكن المهندسين لم يوافقوا على إنشائها لأسباب هندسية، فتم بناء شراع فقط فوق هذه البناية . الغاية من هذا الشراع هو العبور بالطلبة إلى مستقبل جميل ورائع!

وهذه بناية أخرى حوت في طابقها الأرضي ناديًا للطلبة ، فوقه أقسام اللغة العربية والقانون وعلوم المالية والمصرفية، في تفاصيل البناية أنها رسمت وهندست على شكل وثبة أسد وخوذه إسلامية تمثل في طياتها القوة العربية والإسلامية .

أما هذه البناية القديمة الجديدة في نفس الوقت ، فقد بنيت وشيدت على الطراز العباسي، وهي تحفة فنية رائعة وفن من فنون العمارة الإسلامية الخالدة تضم في طوابقها أقسام هندسة الحاسوب وعلوم الحاسوب وقسم اللغة الإنجليزية .

وفي الكلية مسجد للطلبة والأساتذة تؤدى فيه الصلاة . وتتقدم واجهة الكلية في مدخلها نافورة، لها شكل جميل وهدف أصيل. حملت في طيات تفاصيل بنائها أكثر من غاية : فهي مدوّرة الشكل ترمز إلى شكل بغداد القديمة ، وفي داخلها ناعور مياه ، فيرمز الماء للحياة “وجعلنا من الماء كل شيء حي” [الأنبياء :30]، ويرمز الناعور للماضي الجميل . وأيضا تحتوي على كتاب مفتوح يرمز إلى اقرأ وارتقِ وهو أيضًا رمز لأساس العلم والتطور .

 

هذه البناية طبيعية جدًا وهادئة، في نفس الوقت كبيرة وشامخة تنبض بداخلها بالمختبرات وتحتوي على المكتبة العامة للطلبة ومقهى انترنت وورشة صيانة تابعة للكلية .

 

في تفاصيل المختبرات: 6 مختبرات لقسم هندسة الحاسوب تدرّس فيها 24  مادة في مختلف المجالات التقنية والتطبيقية إضافة لورشة كهربائية لتعليم الطلاب مبادئ الكهرباء ومرسم هندسي لتعليم الرسم الهندسي .

قسم علوم الحاسوب : 4 مختبرات تدرس فيها 16 مادة في مختلف العلوم التي تهم الطالب في هذا القسم

مختبران يدرس فيها طلبة علوم المالية والمصرفية وطلبة اللغة الإنجليزية في أمور مختلفة تخص دراستهم

وحدة الصيانة في هذه الجامعة تكون مسؤولة عن أعمال الصيانة بشكل عام في هذه الكلية

 

التقيت بعميد الكلية الذي حدثني عن أشياء كثيرة، من أهمها عدم اهتمام الحكومة العراقية بالتعليم الأهلي، ولمست من عميد الكلية رغبة كبيرة لتحويل هذا الصرح العلمي إلى جامعة عراقية رصينة تهتم بكل المجالات،  وهو ما يقوم عليه حاليا بفتح أقسام متنوعة وفي شتى المجالات ، ويسعى وبكل طاقته إلى إن ينهض بواقع العلم في هذه الجامعة .

وأثناء اللقاء، كان الحوار التالي الذي تناول جوانبًا تخص التعليم والجامعات في العراق :

– ما هي أبرز المشاكل التي يتعرض لها التعليم الأهلي في العراق؟

  • العميد: دائمًا وفي كل اجتماعات العمداء نسعى لتعديل قانون التعليم الأهلي . منذ 6 سنوات حتى الآن وهذا القانون تحت التعديل ولم تتم المصادقة عليه من قبل البرلمان . الكليات الأهلية رسمية بتمويل ذاتي ولا يوجد لنا استقلال مالي ، ومع الاعتزاز بإشراف الوزارة على عملنا لأنه يزيد من رصانة الكلية في الداخل والخارج، إذ لا بد من رقيب ومشرف ولا أفضل من التعليم العالي للإشراف على الكليات الاهلية، إلا أن الوزارة تدخلت على خلاف ما ينص عليه القانون لاسيما من حيث الاستقلال المالي والإدارة . إذ بدأت الوزارة تتدخل في كل أمور الكلية مع أن إشرافها علمي وإداري فقط ، خشية المخالفة.
  • مشكلة أخرى: في الجامعات الحكومية توجد أقسام دراسات عليا مستحدثة ويوجد فيها أستاذ اختصاص، ولكن في الكليات الأهلية يشدد عليها ويفرض عليهم توفير أكثر من ثلاثة أساتذة اختصاص في هذا القسم.
  • من العقبات أيضًا، التمويل ذاتي ولا يسمح لنا بالاستثمار والوزارة تأخذ رسومات سنوية مقدارها 1% من مجموع الإيرادات، ولا نستطيع أن نقيم علاقات علمية وهو سبب رئيسي كوننا كليات أهلية وهناك كليات أهلية لم يعترف بها إلى الآن .
  • ومن ضمن الأمور التي تؤذينا الوزارة بها، أنها تجلب الأساتذة من الخارج وبصورة لا تتعارض مع ضوابط الوزارة وبعد شهرين يأتيني الأستاذ يخبرني ويعتذر مني بأنه قبل للتدريس في جامعة حكومية وكان من المفترض أن نبلغ رسميًا بهذا من الوزارة قبل ذلك.
  • ومن العقبات الرئيسية كذلك تعديل القانون الخاص بالكليات الأهلية وتحويلها إلى جامعات يعود لها الاستقلال المالي والإداري ، ورفع مستوى الراتب للموظف في الكلية الأهلية، وأن يشمل الأستاذ بالراتب التقاعدي وأيضًا أن تشمل الكليات الأهلية بالأراضي وشمولها بالبعثات ودعمها ماديًا لكي ترفع من مكانتها إلى ما يصبو إليه الجميع.

 

– أقساط الطلبة ترتفع باستمرار، ما السبب في ذلك؟

  • العميد: رفع مستوى الراتب للموظف في الجامعات الحكومية وعدم دعم الكليات الأهلية هو ما يؤدي إلى رفع الأقساط، وبذا يؤدي إلى ضرر للطالب في الكليات الأهلية، فضلًا عن ذلك التطور العمراني والتكنولوجي للكلية المكلف ماديًا، هو السبب الآخر لزيادة الأجور الدراسية.

 

– ماذا يميز هذه الكلية الأهلية عن غيرها؟

  • العميد: ما يميز هذه الكلية عن غيرها هو امتلاكها الأرض والبناء.

 

– في هذا الصرح العلمي بماذا يفخر العميد؟

  • العميد: أفخر بشيئين، الأول أفخر بالمؤسسين على رأسهم الدكتور عبد الرزاق السعدي لأنه وضع بذرة أحيا بها أنفس كادت أن تزهق، وأفخر أنني عملت تحت يده سنين طوال.

 

“هذه الصورة هي لأعضاء مجلس كلية المعارف الأوائل”

 

وأفخر بخدمتي للناس وبدعاء والديّ لي لخدمتهم،  وأفخر أيضا بصبر الأساتذة والمدرسين والمخلصين منهم على قلة الرواتب، لكي يعود هذا الصرح العلمي عظيمًا عندما كنا نحتاج إلى المبالغ التي نعطيها إليهم آنذاك.

 

– حدثنا عن وضع الكلية وتعرضها للمواقف العصيبة أثناء الغزو الأمريكي للعراق؟

  • العميد: أثناء الغزو الأمريكي للعراق دوهمت الكلية باستمرار، ومع أعمال تخريب وتكسير لمرافق الكلية وتلف لبعض الوثائق المهمة في الكلية ، ولا أعرف عما يبحث المخربون أثناء مداهمتهم لكلية علمية !
  • أيضًا اعتقلت أنا ومدير العلاقات الثقافية وبعض المسؤولين الآخرين، وأيضًا تم اعتقال الحارس للكلية، الكلية احتلت من الأمريكان من 2005 الى 2008 وتم تغطية الحدث إعلاميًا على قناة الأنبار مشكورة، ولم يتم تعويض الكلية على أعمال التخريب من الحكومة العراقية ولا من غيرها ولم يزر الكلية حول هذه القضية أي مسؤول عراقي أو أي مسؤول أخر، فضلًا عن ذلك أننا قدمنا شكاوى كثيرة وشكلنا هيئة دفاع من مجموعة محاميين للقيام بالدفاع عن حقوق الكلية، ولكن دون جدوى.

 

– كيف رجعتم للكلية بعد خروج المحتل منها ؟

  • العميد: تركت الكلية زهرة جميلة يانعة، ورجعت لها شوكة ذابلة ، وبحمد الله هي الآن بأفضل حال وبفضل الطلاب الدارسين فيها.

 

– واقع الطلاب بين الماضي والحاضر، كيف كان وكيف هو الآن؟

  • العميد: الأساتذة والتدريسيين الحاليين عندما كانوا طلاب، وأنا واحد منهم ، حرموا أشياء كثيرة لا تخالف الشرع ولا العرف . الآن عملنا على توفير كل ما حُرمنا لكي لا يحرموا كما حرم الذين من قبلهم. رجائي من الطلبة المحافظة على هذا الصرح لأنه جزء مهم لهم ولآبائهم ولكل من يحبون.

 

– ما هي خطتكم المستقبلية في تطوير هذه الكلية؟

  • العميد: في الخطة المستقبلية أن نقوم بافتتاح مجموعة طبية تحتوي على طب أسنان وقسم للصيدلة .. و أيضا هندسة تقنيات طبية وقسم تحليلات مختبرية وأيضًا في الخطة أن نقوم بافتتاح هندسة مدنية وتربية رياضية.
  • التربية الرياضية لها رغبة قوية جدًا من الطلبة ، ونحن نعمل على قدم وساق لتحقيق ما يصبوا الطلاب له وبكل مضمون رائع ودقيق، وأيضًا نسعى في مشروع تحويل الكلية إلى جامعة من ناحية المسمى والمضمون وسنقوم ببناء بناية تحمل في طياتها خمس طوابق للمجموعة الطبية.
  • لا شيء كالقراءة ينفع الطلاب، المكتبة العامة في الكلية جانب ثقافي مهم يقوم على إدارته ويزوده بالكتب ويسعى لتطويره بين حين وآخر عميد الكلية بالإضافة إلى الشيخ مقداد عبد العليم السعدي مدير العلاقات في كلية المعارف الجامعة . في طيات هذه المكتبة وعلى أرففها تجد كتبًا متنوعة في اللغة العربية والدين الحنيف، وفي التاريخ الإسلامي وتاريخ المماليك إضافة إلى جميع العلوم، وهناك أيضا مجلات مختلفة عراقية وعربية

 

في هذه المكتبة استوقفني تاريخ مصر القديم، لتاريخ مصر القديمة حضور كبير وجميل، كتب قديمة وحديثة تؤرخ هذا التاريخ بصورة جميلة وتوضحه بخرائط ومخطوطات وصور من ذلك التاريخ القديم . من المجلات المتنوعة في هذه المكتبة، هناك مجلة “فصول”، هذه المجلة قديمة وجميلة وفي نفس الوقت علمية ومضمونها رائع، للمجلة هذه حضور في هذه المكتبة يحدثني المسؤول عن هذه المكتبة ويقول إن لهذه المجلة فضل كبير في مساعدة بعض الطلاب في بحوثهم وتقاريرهم المختلفة، تعتبر مجلة فصول مرجع مهم من مراجع الطلبة في زيادة ثقافتهم وعلومهم . إضافة إلى الكتب الورقية والكتب القيمة، هناك مكتبة إلكترونية تابعة لهذه المكتبة تحتوي في طياتها كتبًا إلكترونية في جميع الاختصاصات العلمية واللغوية والدينية والتاريخية .

ولتاريخ الأندلس المفقود حضور واسع في الكتب الإلكترونية، كتب متنوعة في تاريخ الأندلس توثق هذا التاريخ الجميل وتنفع الطالب في زيادة ثقافته وتعرفه على هذا الجزء المهم من تاريخ الحضارة الإسلامية .

التقيت بالشيخ مقداد وحدثني عن أشياء كثيرة، أبرزها أن المكتبة تعرضت للقصف وهدمت وتم استعادتها تدريجيًا بجهود مكثفة . و قوم الشيخ مقداد بإدارة وحدة العلاقات الثقافية في الجامعة إضافة إلى إدارة قضايا أخرى.

 

– هل يمكن التعريف بالوحدة الثقافية؟ وما هي أبرز منجزاتها بإيجاز؟

  • مقداد: العمل الدؤوب لا بد أن يكون نتاجه مِسكًا! وهذا ما أثمرته الأيام ، فكم من ثمرة أينعت في شجرة المعارف الكبيرة، ومن هذه الثمار اليانعة التي ينهل منها الأساتذة والطلاب والمثقفون على حد سواء هي (الوحدة الثقافية)، هذه الفسيلة والغرس الذي زرعته كلية المعارف متمثلة بعميدها آنذاك الأستاذ الدكتور عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي الذي لم تقر له عين ولم يهدأ له بال حتى استطاع أن يحصل على ما يريد فكان نتاج هذا كله ما تقوم به الوحدة الثقافية اليوم. فإنها تبني جيلًا مثقفًا من خلال ما ينشر في مجلتها المحكمة من بحوث رصينة لأساتذة أكْفَاء( أجانب، وعرب، وعراقيين)، هذه المجلة التي كان بدؤها في سنة 1998 حتى الآن ، نحن بصدد إخراج العدد الواحد والعشرين منها ولا بد أن نذكر أن المركز الثقافي للكلية “الذي تحتوي بنايته على مكتبة رائعة تضم أمهات الكتب وفي شتى المجالات” قام ذلك  المركز بعمل ندوات ومؤتمرات علمية نالت حظها ونصيبها من الشهرة والرؤية العلمية، وإننا مستمرون في العمل ليلًا و نهارًا وبدعم مباشر من قبل عميد الكلية الأستاذ الدكتور أحمد عبد الملك عبد الرحمن السعدي، من أجل خدمة الثقافة في عراقنا الحبيب عامة، وفي محافظة الأنبار خاصة، والله نسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والعلماء فهذا هو شغلنا الشاغل، ورسالتنا التي نعتز بها.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك