كيف نوظف معارف “التربية الإسلامية” في التعليم؟

25 سبتمبر , 2015

تفيد دراسة عراقية حول فلسفة التربية في طرائق تدريس القرآن الكريم والتربية الاسلامية، أعدها الباحث العراقي “شاكر عبد مرزوك الجنابي”، وقدمها لكلية التربية (ابن رشد) بجامعة بغداد، بأن “التربية عطاء إنساني يحقق للأفراد والمجتمع تطويراً وارتقاءً إلى مستويات أفضل. وهي بذلك موضع اهتمام من أطراف كثيرة، فالآباء، والابناء، ورجال السياسة، والاقتصاد، والفلاسفة، والمفكرون، ومؤسسات المجتمع وغيرها، تعكس إهتماماً خاصاً بالعمليات التربوية والتعليمية، ولا يخص هذا الاهتمام بالتربية مجتمعاً من دون غيره، بل تنال اهتمام المجتمعات جميعاً، مهما كان حجمها ومستوياتها الحضارية، ويزيد هذا الاهتمام وضوحاً في مراحل التحول الاجتماعي، والبناء الاقتصادي، والتغيير السياسي، فهي وثيقة الصلة بالفلسفات الاجتماعية الكبرى، وهي سبيل الثورات والحركات الإصلاحية لتحقيق أهدافها ومبادئها، وهي المصدر الاساسي الذي يعتمد عليه التغيير الاجتماعي في التوجيه السليم”.

وتلفت الدراسة إلى أن “التربية تعد ضرورة فردية من جهة، وضرورة اجتماعية من جهة أخرى، فالفرد لا يستطيع الاستغناء عنها، والمجتمع أيضا لا يمكنه الابتعاد عنها، فكلما ارتقى الفرد سلم الحضارة والتقدم والازدهار، ازدادت حاجته إلى التعليم، فلم يعد التعليم نوعاً من أنواع الكماليات، بل أصبح ضرورة ملحة. ويحتاج الفرد إلى التربية احتياجاً ملحاً، لأن العلم والمعرفة لا ينتقلان من جيل إلى جيل بالوراثة، بل بالتربية وحدها، ولأن الطفل مخلوق كثير الاتكال، قابل للتكيّف، ولذلك يحتاج إلى الكثير من الرعاية والتوجيه، ويحتاج إلى التربية لان البيئة البشــــرية كثيرة التعقد والتبدل، فالعالم في تطور مستمر، وعالم اليوم غير عالم الغد”.

ويعتقد الباحث، معد الدراسة، بأن “التربية الاسلامية، تربية مُثلى، تهدف إلى غرس المفاهيم الإسلامية، والقيم الخلقية والروحية في نفس المؤمن وعقله، فالمسلم المؤمن الذي يمارس شعائر دينه، ويعيش بفكره وسلوكه على مستوى من الخلق يكاد أن يكون فطرة له، فهو يؤمن بأن الله الرحمن الرحيم يراه ويسمعه في كل لحظة، وأن مسؤوليته عن نواياه وأفعاله مسؤولية خلقية كاملة، وبهذا يصل المعلم المؤمن إلى درجة من التربية التي نسميها التربية الإسلامية، لأنه يعيش وقد استقر في داخل ضميره الديني الذي يميز بيسر وبداهة بين الخير والشر، وتلجأ روحه إلى خالقه للتوبة وطلب العفو إن أخطأ، كما يلمس بشعوره نعمة الله عليه وفضله في صحته وعياله، وينتظر الجزاء والثواب من الله في دنياه وآخرته”.

ويرى الباحث بأن “التربية عملية تشكيل وإعداد أفراد إنسانيين في مجتمع معين، لكونها الوسيلة الأساسية التي تنقل الكائن البشري من إنسان لا قيمة له إلى إنسان يشعر بالانتماء إلى مجتمع له قيمة واتجاهات، وامال، ومصالح، وقضايا معينة، بل إن التربية هي وسيلة المجتمع، لأن يترجم نفسه في سلوك الأفراد، وهي كذلك عملية تفاعل مستمر بين الكائن الحي النامي الفرد/ الإنسان وبين البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها”.

وتورد الدراسة بأن التربية في معناها العلمي “تتمثل بغرس المفهومات العلمية والقيم الايجابية البناءة التي تساعد على استيعاب المعارف المتصلة بفلسفة المجتمع، لهدف خلق حالة من التوافق والانسجام الفكري والسايكولوجي بين المواطنين، أي تحقيق وحدة الفكر والسلوك. والمجتمع يقوم بعملية التربية هادفاً من ذلك بناء أفراد بطريقة يمكنهم من العيش مع الجماعة في توافق وانسجام، مما يمكنهم من القيام بأدوار اجتماعية متباينة، ومتكاملة الوظائف والمستويات، بحيث تمكن المجتمع من الحفاظ على كيانه”.

ويشير الباحث بأن “العناية بالتربية لم تكن في عصر من العصور كما هي عليه اليوم، شمولاً ونشاطاً، ولم تبلغ المؤلفات في هذا الباب يوماً ما بلغته الآن، ولم يقدر لها قط، ما قدر لها في الآونة الاخيرة من تنوع وألوان، ولا نكاد نعثر على فرضية من تلك الفرضيات التي كانت في الماضي معزولة في مجال النظريات المجردة، إلا ولقي لها اليوم مجالاً للتطبيق في مدرسة من المدارس”.

ويرى الباحث بأنه و”مما ينبغي تقريره أنه عن طريق التربية يمكن للإنسان أن يتأهل للعيش في المجتمع، وهو يحمل تراث أمته، فالتربية هي الأداة التي تستعمل في نقل العقائد والمعارف والآداب من جيل سابق إلى جيل لاحق، ولكن لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً من ذلك دون أن يضفي على ما ينقله شيئاً من تصوراته وثقافته الخاصة، وهذا يمثل مصدراً كبيراً للخلاف بين المربين”.

وعن التفاعل بين التربية وبين الأنشطة الحياتية المختلفة، ولا سيما الفكرية منها، يرى الباحث بأنها “ضرورية من أجل تطوير المجتمع وتفعيل دوره الحضاري التاريخي، وهذه العلاقة هي إحدى مستلزمات التطور السريع في المعرفة العلمية التي تكونت وتراكمت خبراتها الانسانية عبر العصور المختلفة”.

لذا، فالتربية الإسلامية لدى الباحث، تعد من الوسائل البارزة التي يمكن الاعتماد عليها في تربية النشء تربية خلقية سليمة. لها من الحقائق ما يجعلها متميزة عن سائر النظريات التربوية في ضوء مرونتها وصلاحيتها لأن تعيش في كل عصر وتصلح لكل جيل، وتواكب كل تقدم وازدهار.

ويتجاوز مجال الدراسة، والبحث في التربية الإسلامية المرحلة التي اقتصرت فيها على السرد التاريخي التقريري وانتقلت إلى مرحلة تالية أشد نضجاً، وهي مرحلة دراسة الأصول الفلسفية للتربية الإسلامية، ويرى الباحث بأن مجال التربية الإسلامية واسع لا يقتصر على التاريخ لها، بوصفه عملاً من أعمال الماضي، وإنما لإظهار ما قامت عليه أُسس التربية من أفكار وأصول، وأن التربية الإسلامية تكمن أهميتها من كونها ذات ماض وحاضر ومستقبل.

وتورد الدراسة بأن القرآن الكريم أكد العمل بما يتوافر للإنسان من معارف وعلوم بقوله تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، وقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).

ويفيد الباحث بأن دراسة التربية الإسلامية فضلاً عما ذكر، “هي تحديد الهوية المميزة للأمة ولا سيما تجاه التيارات العالمية السائدة التي تحاول طمس ملامح الأمة الإسلامية، وتغييب دورها التاريخي والحضاري، وهذا الهدف الدفاعي عن الذات وعن الهوية مع أهميته إلا أنه أقام دراسات كثيرة في التقوقع عن حدود الوقوف على الأطلال، والاكتفاء بالمدح، وذكر المناقب، وبذلك فقدت حسها التاريخي ووعيها بالزمن، مع أن المفكرين التربويين الإسلاميين لم يقعوا بهذا الخطأ”.

ويعتقد الباحث بأن التعامل مع مفردات التربية الإسلامية لا يعني توافر كم كبير من المعلومات أو المعارف الإسلامية فحسب، بل كيفية توظيف هذه المعارف لتنعكس إيجابياً في سلوك الفرد والمجتمع، ويقع على عاتق المربين مهمة تحقيق هذا التوافق، وقد نجح التربويون الإسلاميون من قبل، بدليل ما تحقق للأمة من إرث حضاري، وما تركوه من شواهد حية، وما أنجبته الأمة من اعلام كبار.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك