كيف يصنع التعليم الفنيّ مستقبلًا أفضل؟ تجارب ناجحة في هذا المجال

27 مايو , 2018

عملية التعلُّم هي وسيلة البشر للبقاء أطول وقت ممكن على رأس الكائنات الحيّة، مُسيطرين على الطبيعة وموجهينها لإرضائهم وخدمتهم عبر معرفتها جيدًا وتناقل تلك المعرفة من جيل لآخر وهو ما يُعد اختراعًا بشريًّا متطورًا للغاية؛ آمنًا وحضاريًّا مقارنة بالطرق القديمة للسيطرة على الأرض وحصد الثروة، والتي كانت باستخدام القوة والعنف والاستيلاء الاستعماري.

 

وقد أخذ التعليم الطريق ليصبح آلية البشر في التفكير المنضبط والتوجّه المثمر لنا جميعًا فنحن شُركاء في هذه الأرض، ولذلك علينا جميعًا أن نفكّر في مستقبلنا ففي النهاية نحن كأشخاص سنموت يومًا ما ومن غير المنطقي أن تبدأ الأجيال القادمة من الصفر ولذلك قرر الإنسان أن يترك خلفه معرفة يبدأ منها من يأتي بعده ليزيد عمارًا بتسارع مُطرد يسابق الزمن ويجعل العُمر فترة مثمرة للشخص نفسه بشكل أولي ولمن سيأتي بعده يومًا ما.

 

التعلّم وأنواعه

تعددت أنواع التعليم لتشمل التعليم الأكاديمي والتعليم المهني والحرفي، وهو ما لا يُقلل من أحدهما؛ حيث إن لكل منهما مجاله الخاص وتطبيقاته الأكثر تناسبًا معه كمعرفة تُضيف للبشرية ما يجعلها تواجه تطورات الطبيعة واحتياجاتنا الواقعية، والتعليم الأكاديمي معلوم بالنسبة لكافة الأشخاص فهو الدراسة الجامعية المؤهلة لامتهان وظيفة تعتمد على جمع المعرفة العلمية وتقديم فرضيات وحلول للمشاكل المتاحة بينما التعليم المهني والحِرَفي هو التعليم الذي يهدف إلى تطوير المهارات الفنّية لدى الشخص ليستطيع تصميم واستخدام وإدارة الآلات لتحقيق أكبر منفعة ممكنة منها.

 

ولهذا فالتعليم المهني والحرفي (التكنيكي) هو المعرفة التي تُمكّن البشر من تصميم وتشغيل الآلات وإدخال المعرفة العلمية لحيّز التطبيقات الفعلية بهدف إحداث تأثير فعّال في الإنتاج والإضافة للثروة بشكلها المُجرد وهو ما يجعل من التعليم المهني والحرفي أحد وسائل إدارة الموارد العامة لأي دولة؛ ولهذا تهتم الدول المُتقدمة به نظرًا لتأثيره الاقتصادي والاجتماعي بالتبعية المُمتد لجيل بعد جيل، وهو المقياس البشري للتطور.

 

التعلّم في مكان العمل

تناولت (نانسي هوفمان) في كتابها “التعلم في مكان العمل” أفضل 6 أنظمة للتعليم المهني حول العالم والتي تُعِد الشباب للعمل بشكل خاص، وكيّف تؤهلهم تلك الدراسة للتعامل مع الحياة والتأثير في مُجتمعاتهم ودولهم على النطاق الضيّق والعالم بشكل عام.

 

وركزت على 6 بلدان هم – أستراليا والنمسا وألمانيا وهولندا والنرويج وسويسرا، حيث تختلف طبيعة وتنظيم التعليم المهني والفنّي لتوجهين: الأول يكون داعمًا للتخصص المبكر في التعليم التقني والمهني وهو ما يبقى فيها الطلاب في مسار عامٍّ أو أكاديمي لفترة أطول.

 

التعليم الصناعي في ألمانيا مثالًا قد تطور ليستوعب المستويات العالية من المعرفة التي يحتاجها الشباب للتأثير بشكل فعّال في سوق العمل الحديث، وتُشير أ.نانسي هوفمان إلى أن المتدربين في “تكنولوجيا المعلومات بستراتو” وهي ثاني أكبر شركة استضافة في أوروبا يتركون النظام المزدوج مع مجموعة من المهارات والمعارف التقنية التي تُمكنهم من الانتقال إلى الدرجة الأعلى في الجامعات التقنية في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

بينما في سويسرا أدى تطوير وتحديث التعليم المهني إلى زيادة كبيرة في توفير المُتمرسين (متخصصين) في مجال الأعمال المصرفية والتجزئة والإدارة العامة؛ حيث إن هذه الوظائف تتطلب مستوى مُتقدمًا في الرياضيات والكتابة والتحدث بالإضافة إلى مهارات القرن الحادي والعشرين مثل؛ العمل الجماعي وحل المشاكل.

 

ومن المزايا المشتركة في النظم التعليمية (الألمانية والسويسرية والنمساوية) هي أن المعرفة الأساسية وتلك المهارات يتم تدريسها في السياق المهني، فالعمل على مشروع علمي يساعد الطلاب على فهم كيفية استخدام الرياضيات التطبيقية، وليس فقط الرياضيات النظرية. وشرح ما قاموا به وكيف تعاملوا مع المشاكل يحسن من مهارات التواصل بينهم.

 

التعلم وسوق العمل

يؤكد أرباب العمل والمدرسون والمدربون أيضًا أهمية إعداد اشخاص قادرين على مواكبة التطورات المُستقبلية وليس فقط عُمال حرفيين وذلك لن يحدث إلا بالتوظيف الجيد للعناصر التعليمية الأساسية للبرامج المهنية.

 

وفي هذه النظم يُعتبر إعداد الشباب لسوق العمل هدفا رئيسًا للتعليم، وإن لم يكن هو الهدف الوحيد. ولهذا فإن معدلات البطالة لدى دول مثل (ألمانيا والنمسا وسويسرا) أقل من دول أخرى تبدو أكثر تقدمًا وهو ما يعني أن تلك الدول تعلم جيدًا كيف تستثمر في التعليم ليعود بشكل مباشر على اقتصادها الخاص ومستوى معيشة مواطنيها.

 

كما زارت “نانسي هوفمان” دولة أستراليا، والتي هي أقرب إلى إنجلترا ثقافيًا واجتماعيًا ولاحظت اختفاء المدارس التقنية من المشهد الثانوي في السبعينيات، ومع ذلك تم تطوير أشكال جديدة من التعليم والتدريب المهنيين في التسعينيات من أجل تعزيز أداء الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة الأكاديمية.

 

وقد اتبعت أستراليا نهجًا تدريجيًّا أكثر تطورًا من إنجلترا، واليوم يلتحق 60% من طلبة المرحلة الثانوية في أستراليا بالتعليم والتدريب المهنيين، ويضطلع حوالي 40% منهم بدراسة مهنية كجزء من شهادة ثانوية عليا. ويجدر الإشارة إلى أن الشباب يستطيعون أن يبتعدوا عن اختيارهم الأول للدراسة المهنية، إما إلى ميدان آخر أو إلى التعليم الأكاديمي بدوام كامل وهو ما يُعطي الطالب طُرقًا مختلفة في حالة إن لم يجد نفسه سيضيف للمجال الذي اختاره في البداية.

 

فنلندا مثالًا

يُعد النهج الفنلندي هو المثال الأكثر حداثة وواقعية لإظهار أهمية التعليم الفني والمهني وتأثيره المباشر على اقتصاد الدول، ففي بدايات القرن الحادي والعشرين وبالتحديد عام 2000م اتجهت فنلندا لإنتاج تشريعات مُنظمة للمسار التعليمي للتعليم المهني والتدريب التقني بالتقدم نحو إجراء المزيد من الأبحاث على مستوى الجامعة والعلوم التطبيقية، وتزويد مؤسساتها بنفس التمويل السخي والتنموي الذي تقدمه لمؤسسات التعليم العام؛ ليكون لها نفس الأهمية وتخفض بذلك النظرة المُتدنية لهذا النوع من التعليم.

 

وقد أعيدت هيكلة المنهج الدراسي في فنلندا ليشمل المناهج الدراسية الوطنية الأساسية المطلوبة للوصول إلى الجامعة، فضلًا عن التدريب القوي أثناء العمل والمهارات الأساسية لتحسين التعلم مدى الحياة.

 

وفقًا لـ(ميرفي يانسون) مدير الشراكات التعليمية في أومنيا، وهي مؤسسة للتعليم والتدريب التقني والمهني بما لديها من 10 ألاف طالب، فقد بُذلت جهود شاقة لتحسين جودة ووضع التعليم والتدريب التقني والمهني، واليوم هناك أكثر من 50٪ من الطلاب الفنلنديين يتقدمون بطلب للحصول على البرامج، والآن أصبح هذا المسار التعليمي أكثر حافزية للتنافس عن التعليم العام وقد وصلت نسب نجاح التعليم المهني إلى 70% بينما نسبة النجاح في التعليم العام 94% وهو ما يُعد مؤشرًا جيدًا جدًا مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا.

 

مشكلة عدم التوافق بين التعليم والتوظيف

من أسباب ارتفاع بطالة الشباب في جميع أنحاء العالم -وخاصةً في البلدان النامية- عدم التطابق المُتزايد بين العرض والطلب على المهارات. في معظم البلدان الأفريقية هناك فائض في العلوم الاجتماعية وخريجي الأعمال التجارية، ولكن نقص المعروض من المهندسين والعلماء والفنيين يدفع تلك الدول للاعتماد على العمالة الأجنبية لتلبية الطلب المرتفع على الموظفين ذوي المهارات الحرفية والفنية والتقنية.

 

ويمكن للبلدان النامية أن تقلل من أوجه عدم التوافق في المهارات عن طريق زيادة التركيز على التعليم والتدريب التقني والمهني؛ حيث يؤدي التعليم المهني إلى توفير أشخاص مؤهلين للتوظيف وبالتالي هو مسار أسرع للانتقال من مكان الدراسة لمكان العمل، وقد نجحت البلدان التي كانت في صلب المناهج الدراسية – مثل ألمانيا وسويسرا والنمسا وهولندا – في الحفاظ على معدلات بطالة الشباب منخفضة. ولكن على النقيض من ذلك، فإن بعض الحكومات الأفريقية، على سبيل المثال تعاني من عدم التوافق مما يجعلها تبحث عن عمالة خارجية.

 

كيف يمكن للدول تحسين وضع التعليم المهني والتقني لديهم؟

– تغيير التشريعات، بحيث لا يصبح التعليم والتدريب المهني والتقني طريقًا مسدودًا، بل يؤدي إلى المزيد من التعلّم والتطور.

– تعتمد بعض البلدان علی تمویل المانحین لتخفيض تكاليف التعليم، لذلك سیتنافس التعلیم والتدریب التقني والمهني مع التعلیم الابتدائي والأساسي على الاستثمارات المادية، وهو ما سيتيح لمؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني دفع الرواتب المعقولة للمعلمين، وتحسين بيئات التعلم، والاستثمار في التطوير المهني.

– دمج التدريب أثناء العمل والتعلم مدى الحياة في منهج التعليم والتدريب التقني والمهني لضمان أن الخريجين على استعداد للتكيف مع المُتطلبات المهارية المتطورة.

– رفع جودة التدريس عبر رفع مستوى المؤهلات المطلوبة من معلمي التعليم والتدريب التقني والمهني وجعل التدريب التربوي إلزاميًا.

– تشجيع الشركات وأصحاب المصالح المرتبطة بالتعليم على التعاون في التخطيط والتطوير لمجال التعليم والتدريب التقني والمهني، بما في ذلك تصميم المناهج الدراسية والتدريب والإرشاد.

– نشر فوائد التعليم والتدريب التقني والمهني وإزالة الوصم الاجتماعي لهذا النوع من التعليم وإظهار الفوائد الشخصية الفردية (الطلب في سوق العمل) والعامة (الاقتصادية)

 

المصادر

schooling in the workplace – nancy hoffman –

Vocational education 

3

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك