كيف يمكن أن تلهمنا تجربة ستيفن هوكينج في رحلة تعلّمنا؟

17 مارس , 2018

رحل منذ يومين عن عالمنا ستيفن هوكينج أحد أبرز علماء الفيزياء في العالم، والذي قدّم إلى العالم العديد من الإنجازات العلمية. ستيفن هوكينج الذي ذاع صيته، لأنّه كان مصابًا بـ”التصلب الجانبي الضموري” الذي ترتب عليه صعوبة في الحركة والنطق، ثم فقدان القدرة على فعل هذه الأشياء تمامًا، مع تنبؤ العلماء بأنّ ما تبقى له في الحياة عامين فقط، لكنّه عاش حتى بلغ الـ76 من عمره.

 

لم تكن رحلة ستيفن هوكينج في الحياة رحلة بسيطة، بل مليئة بالعديد من التفاصيل الملهمة، ولأنّه لا يبقى لنا من الراحلين سوى تلك التفاصيل التي يمكنها أن تؤثر في حياتنا، فنحن في هذا المقال نحاول التركيز عليها، وكيف يمكننا الاستفادة منها في رحلة تعلّمنا.

 

كيف تغلّب ستيفن هوكينج على مرضه؟

فقد هوكينج قدرته على الكلام في عام 1985 بسبب إصابته بالتهاب رئوي، فلجأ إلى استخدام جهاز “كومبيوتر” يتيح له اختيار الحروف والكلمات وترتيبها وتكوين الجمل على شاشة الحاسوب، من خلال استخدام جهاز صغير بحجم “الماوس” يمكن تثبيته في اليد، بمعدل 15 كلمة في الدقيقة الواحدة.

استمر هوكينج في استخدام هذا الجهاز، حتى بدأ العصب المتحكم بتحريك أصابعه بالتلاشي بحلول عام 2008، وبالتالي أصبح غير قادرٍ على إعطاء الأوامر للجهاز المتصل بيده.

فقام أحد مساعديه بابتكار جهاز جديد له، مثبت على نظارة هوكينج، يأخذ الأوامر من خلال حركة عضلات الخد بدلًا من اليد، وبالتالي أصبح بإمكانه إتمام كل العمليات الكتابية من خلال عضلة واحدة فقط بوجهه، إلى أن أصابها الضعف هي الأخرى، وأصبح غير قادرٍ على إتمام هذه المهمة كالمعتاد، وتراجعت قدراته على الكتابة تدريجيًا مع الوقت، حتى أصبحت كلمتين فقط في الدقيقة الواحدة.

 

لم يتوقف ستيفن عند هذه المرحلة، بل تواصل مع جوردن مور – المؤسس المشارك لإنتل – ليسأله عن إمكانية مساعدته في الحالة الجديدة، وقام فريق إنتل بإجراء العديد من التجارب حتى نجحوا في إنتاج برنامج بمميزات جديدة، من بينها ميزة توقع الكلمات القادمة لستيفن، واستمر تطوير البرنامج حتى وصلوا إلى نسخة نهائية بها مميزات هائلة، مثل إضافة الجمل الجاهزة التي يستخدمها هوكينج باستمرار، بجانب محرك بحث داخلي للوصول إلى الملفات والمحاضرات الخاصة به.

 

يمكنك الاطلاع على

ستيفن هوكينج نقطة مضيئة في تاريخ العلم

كيف يمكن أن تلهمنا تجربة هوكينج في رحلة تعلّمنا؟

الحديث عن المشاكل دون خطوة لا يغير من الواقع في شيء، أن تبقى في مكانك لا تتحرك باختلاف الأسباب لذلك هو أمر لا يفيد أحد، وكذلك فالحديث التحفيزي دون واقعية هو أمر غير مقبول.

 

لذلك فنحن نلجأ دائمًا إلى استخدام الأمثلة الحقيقية، الأمثلة التي يمكنها أن تقدم لنا إضافة فعلية إلى شخصياتنا، تلهمنا في رحلة تعلّمنا في الحياة، وبالتأكيد تجربة هوكينج بكل ما فيها من تفاصيل يمكنها أن تساعدنا في حياتنا.

 

1- الإعاقة في الفكر قبل الجسد

“على الرغم من أنّه لا يمكنني التحرّك، وأحتاج إلى الحديث من خلال جهاز كومبيوتر. في عقلي، أنا حر.”

ستيفن هوكينج.

لا ينكر أحد أن الإعاقة التي أصابت هوكينج هي من النوع الذي يمكنه أن يقضي على مستقبل الكثير من الأشخاص، يؤمنون بأنّ مسيرة الحياة انتهت بالنسبة لهم، وأنّه لم يعد بإمكانهم المضيّ قدمًا في شيءٍ في حياتهم.

لكن في واقع الأمر، فإنّ الإعاقة الحقيقية تكون في الفكر قبل الحركة، في العقل قبل الجسد، وأولئك الذين يؤمنون بأنّهم يملكون عقولًا حرة يكون في مقدرتهم الاستمرار في الحياة مهما بلغت صعوبتها.

ربما هذا هو الدرس الأقوى من حياة هوكينج، ألّا يقف الإنسان عند إعاقة معينة في جسده، ما دام عقله يعمل بكفاءة، فهو ينبغي عليه استغلال هذا الأمر، وألّا يقف في مكانه للشكوى، لأنّه كما يؤكد هوكينج ذاته فإن الناس لن يملكون الوقت لك ما دمت تشكو أو تغضب طوال الوقت، بل أنت في حاجة إلى التعامل مع مشكلتك بشكل عملي وواقعي.

 

2- التركيز على ما يمكنك فعله فقط

“نصحيتي إلى الأشخاص أصحاب الإعاقات، ركّزوا على الأشياء التي لا تمنعكم الإعاقة من فعلها، ولا تندموا على الأشياء التي تتعارض معها. لا تجعلوا الإعاقة تمتد إلى أرواحكم.”

ستيفن هوكينج

 

كلما قرأت عن الأشخاص الناجحين، أجد أن أحد أهم أسباب نجاحهم يعتمد على قاعدة هامة جدًا، وهي أنّهم يركزون دائمًا على ما يمكنهم فعله حقًا، لا ما لا يمكنهم. وهو على الرغم من كونه أمرًا بديهيًا، لكنني طوال الوقت أرى أننا نقع في هذا الخطأ، نحزن على الأشياء التي لا يمكننا تغييرها، نجعلها تؤثر علينا وتمنعنا عن فعل ما نريد، في حين أن الحل يكمن في أن تركّز على ما بيدك، مهما كنت تعتقده شيئًا بسيطًا.

لذلك فإن هوكينج يؤكد هذا الأمر، ليس فقط في شخصه الذي نجح في تحقيق نجاحات عدة، لكن كذلك في نصيحته إلى كل من أصابته إعاقة معينة، وهي نصيحة يمكن أن تشمل كل البشر في رأيي، أن نفهم جيدًا بأنّ الحياة مليئة دائمًا بالفرص، وأنّه يجب علينا أن نبحث في هذه الخيارات، لأنّها المفتاح لنجاحنا في الحياة.

 

3- التكيف مع التغيير

“الذكاء هو القدرة على التكيف مع التغيير.”

ستيفن هوكينج.

 

تعريف هوكينج للذكاء في أنّه القدرة على التكيف مع التغيير هو شيء عبقري في رأيي، فالعالم في حالة تغير طوال الوقت، ونحن مضطرين للاستجابة لهذه التغييرات لأنّها تؤثر علينا بصورة كبيرة.

وبالتالي أن تكون دائمًا في حالة استجابة للتغيّرات التي تحدث، يجعلك قادرًا على مواكبة التغييرات بصورة عصرية، فلا يفاجئك شيء ولا تتعطل رحلة تعلّمك لأي سبب من الأسباب، بل تكون مستعدًا طوال الوقت للاستجابة لكل ما يحدث، بل والتكيّف معه بالصورة السليمة.

 

4- اصنع تميّزك

“على الرغم مما تبدو عليه الحياة من الصعوبة، هناك شيء يمكنك النجاح فيه دائمًا.”

ستيفن هوكينج.

 

أسوأ شيء أصاب مجتمعنا العربي هو محاولتنا الدائمة لتقليد نماذج أخرى موجودة من حولنا، فيظن البعض مثلًا أنّه لكي ينجح، فعليه أن يسير على خطى شخص معين، فإمّا يصل مثله إلى الطريق، أو لا.

وهو شيء خاطئ تمامًا، فنحن لم نُخلق لنكون نماذجًا متشابهة عن بعضنا البعض، بل إنّ كل شخص منّا يمكنه النجاح في شيءٍ مختلف عن الآخرين، يحبه ويقوم به لأنّه يناسبه حقًا.

لم يكن هوكينج يحب الفيزياء فقط لأنّه يرغب في أن يكون عالمّا يذيع صيته بين الناس، بل لأنّه أحب الفيزياء حقًا، وأدرك كيف أنّها تقرّبه مما يبحث عنه في الحياة، فوجد ذاته تتحقق في هذا المجال.

لذلك أحببت أن أختتم الحديث عن تجربة هوكينج بهذا الجزء، أن نركّز دائمًا على الشيء الذي يمكننا النجاح به بعيدًا عن الآخرين، لا يهم ما سيقوله الناس عنّا، أو حتى نظرتهم السلبية لما نفعل أو تقليلهم من شأنه، بل الأهم أن نكون على قناعة أن هذا هو ما يناسبنا فعلًا، ونحاول تحقيق النجاح به.

تذكر يا صديقي أنّ لا شيء يهمنا من تجربة ستيفن هوكينج سوى كيفية الاستفادة منها في رحلة تعلّمنا، لا يهم كيف تراه الآن بعد رحيله، فهي أشياء لن تقدم الإضافة لشخصك في شيء. نشكره على ما قدمه للعلم، ونأخذ من رحلته ما يمكنه أن يساعدنا في طريقنا، نركز على أهدافنا وسعينا نحو مستقبلٍ أفضل لأنفسنا وللعلم ولأوطاننا، فهذا الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يخلق قيمة حقيقية لحياتنا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك