لغة الضاد ونكسة المدرسة الجزائرية: حقائق وأرقام

13 ديسمبر , 2016

لأول مرة في تاريخ المنظومة التربوية بالجزائر، تتحرك الوزارة الوصية للبحث في أسباب الرسوب المدرسي للآلاف من المتمدرسين سنويًا، عبر تجنيد فريق عمل متكوّن من جامعيين ومفتشين وأساتذة اتخذوا الأخطاء المتكررة التي يرتكبها مترشحو امتحان نهاية مرحلة التعليم الابتدائي وامتحان شهادة التعليم المتوسط، كعينة للتحليل والبحث وراء انهيار التعليم الذي يضخ فيه سنويًا ما يفوق عن 15مليار دج، وكانت لغة الضاد من أهم عوامل الرسوب المسجلة في مدارس الجزائر طيلة السنوات الماضية، بسبب فشل 75 بالمائة من التلاميذ على الحصول على معدل في هذه المادة، ما انجر عنه إعادة السنة لـ 40 بالمائة من ناجحي الامتحانات النهائية في أول سنة لهم من التعليم الأعلى، لتتورط لغة الضاد في نكسة التعليم بالمدرسة الجزائرية، رغم الانقسام الحاصل في آراء المختصين بين موافق للفرضية ومنتقد لها.

وتشير نتائج عمل تحليلي، دام سنة كاملة، شمل 65 ألف ورقة امتحان من 9 محافظات نموذجية، تسجيل ما يزيد عن 460.000 خطأ متكرّر، كانت وراء تراجع معدلات التلاميذ، ما تعلق بالمواد الأساسية والتي على رأسها مادة اللغة العربية ثم تليها مادة الرياضيات واللغة الفرنسية، والتي “كانت مخيبة أيضًا، إذ لا يتحصل على المعدل في مادة الرياضيات إلا 24 بالمائة من التلاميذ، و25 بالمائة بالنسبة للغة العربية و16 بالمائة للفرنسية”.

وتوصلت نتائج الدراسة الميدانية، أن 95 بالمائة من الناجحين في امتحان السنة الخامسة من التعليم الابتدائي يفشل 25 بالمائة منهم في اجتياز السنة الأولى متوسط، ومن بين 66 بالمائة من التلاميذ الناجحين في امتحان نهاية التعليم المتوسط يعيد 15 بالمائة السنة الأولى من التعليم الثانوي.

وتقول وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط في تصريح لها، إن النظام التربوي الجزائري يقوم على 9 سنوات من الدراسة الإلزامية، ولكن بعض التلاميذ يستغرق، زيادة على ذلك، سنتين أو ثلاثًا لإنهاء هذه المرحلة، هذا يعني أن هناك الكثير من التكرار.

اعتراف وزيرة التربية بأن التلاميذ لا يكتسبون الكفاءات في مسار دراستهم

واعتبرت المتحدثة ” إن هذا الرسوب مكلّف للطفل وللمجتمع، فبالنسبة للطفل، هو فرص ضائعة لم تستغل للتعلم والتكوين وتنمية قدراته، وبالنسبة للمجتمع هو ضياع استثمارات هامة.

وأوضحت، إن ظاهرة الإعادة تعني أن التلميذ لم يكتسب الكفاءات التي كان من المفروض أن يكتسبها بفضل مرافقة الأستاذ، وأضافت قائلة “إن الإحصائيات لا تعنينا بقدر ما تعنينا الحلول، فبعد الدراسات الكمية، نريد، اليوم، من خلال هذا البحث، المرور إلى النوع، أو كيف تتم مساءلة الأرقام للإيجاد أدوات للمعالجة البيداغوجية، تسمح بالتحكم في التعلمات الأساسية، خاصة اللغة العربية، التي زيادة عن كونها مادة قائمة بذاتها، فهي لغة التدريس، ومن الواضح أن التحكم في لغة التدريس أي اللغة العربية، هو مؤهل للنجاح في باقي المواد التعليمية. إن أولويتنا لهذه السنة الدراسية هي البيداغوجيا.”

ولعل من بين أهم الإجراءات التي تحقق هذه النقلة النوعية، -تقول وزيرة القطاع- نجد المعالجة البيداغوجية حتى نعالج، بشكل أفضل، الصعوبات التي يعاني منها المتعلّم”، مؤكدة انه من خلال نتائج التحليل والدراسة الميدانية، سيمكّن الأساتذة من التكفل بالصعوبات التي يعاني منها المتعلمون، بشكل دقيق، خاصة في التعلميات الأساسية: لغة عربية، رياضيات، لغة أجنبية.

وأشارت “أن الهدف من كل هذه العمليات هو وضع إستراتيجية وطنية للمعالجة البيداغوجية، التي تعتبر إحدى الأدوات المميّزة لمكافحة التسرب المدرسي، وإن كان من الضروري، تحديد المفاهيم بدقة عندما يتعلّق الأمر بالمعالجة البيداغوجية والاستدراك والدعم المدرسي مثلًا، خاصة أنه تواجه الأنظمة التربوية، اليوم، تحديات جديدة، حيث لم يعد الرهان هو تقديم تعليم للمتعلمين، بل الرهان، اليوم، هو تقديم تعليم ذي جودة، يراعي اختلاف قدرات استيعاب التلاميذ.”

وشددت”إن التكفل البيداغوجي الذي يأخذ بعين الاعتبار هذا الاختلاف بين المتعلمين هو أحسن وسيلة لمكافحة الرسوب المدرسي، وقالت “إن اليوم لا يكفي فتح المدارس، بل يجب أن يكون التعليم الذي تقدمه هذه المدارس تعليمًا ذا جودة عالية بمضامين دراسية ذات جودة أيضًا، وأساتذة أكفاء وأن يكون التعليم ذا جودة، يعني أن يهتّم بجميع المتعلمين، أن يرافقهم نحو نجاحهم الخاص. “

التلاميذ ضحية أساتذة غير أكفاء

وأكدت وزيرة التربية الوطنية أنه لرفع مستوى التعليم والحد من هذا الرسوب، يجب أن يكون الأساتذة أكفاء، وأن يجددّوا معارفهم وأن يتكوّنوا باستمرار، وأن يجعلوا التلميذ يحب التعلّم، كما يجب تكون المضامين الدراسية ذات جودة، وتراعي السياق الاجتماعي، وتأخذ بعين الاعتبار ماضي وحاضر ومستقبل الأمة، بكل ما يشمله ذلك من تاريخ وقيّم وتراث.

وختمت الوزيرة تصريحاها بالقول “إنه يجب على النظام التربوي الجزائري أن ينتج الذكاء، للذهاب إلى ما يسمى “صناعة المعرفة” معترفة أن المهّمة صعبة والمسؤولية ثقيلة، ولكن بتضافر جهود الجميع يمكننا رفع التحدي.”

ويقول المنتقدون لقطاع التربية بالجزائر في المقال إنه إلى الثمانينيات، لم يكن هناك إمكانيات هائلة في القطاع، وكانت المراجع قليلة خاصة في الأرياف، ومع ذلك كان مستوى التلاميذ آنذاك عاليًا في العربية والفرنسية والرياضيات وغيرها من المواد، والدليل تخرج مئات الآلاف من الإطارات المؤهّلة في شتى التخصُّصات، والتي أثبتت كفاءتها في بلدها وفي العديد من دول العالم، فما الذي تغير في مدرستنا حتى أصبح 75 بالمائة من تلاميذها لا يحصلون على المعدل في العربية و84 بالمائة في الفرنسية و86 بالمائة في الرياضيات؟ برغم توفّر دروس الدعم في كل مكان والكتبِ والمراجع والوسائل السمعية البصرية وكذا الانترنت في كل بلديةٍ تقريبًا.

وأوضح في هذا الشأن بشير حاكم، ناشط نقابي في مجلس أساتذة الثانويات الجزائرية” نقابة” إنه لا يمكن اتهام مادة معينة بأنها وراء ضعف مستوى التلاميذ وهو الشأن ذاته إما للعربية أو الفرنسية، وإنما السبب الرئيسي وراء هذا الضعف هو السياسة المتبعة من قبل مسؤولي القطاع، الذين يأخذون القرارات المصيرية حول المنظومة التربوية بطريقة فردية دون اللجوء إلى أصحاب الخبرة الذين لا نجدهم إلا في الميدان.

مصريون وعراقيون يتورطون في هدم المدرسة الجزائرية

وأشار “أنه في سنة 1989 قامت السلطات العليا بتعريب قطاع التربية الوطنية بنسبة 100بالمائة، من دون اللجوء إلى أي تكوين الكوادر التي مهمتها تنفيذ هذا التعريب ميدانيًا، في وقت لجأت فيه الوزارة الوصية إلى جلب أساتذة مصريين وعراقين من أجل تدريس المواد العلمية في حين أن غالبيتهم بدون أي مستوى، معتبرًا أن هذا الإجراء كان أول نكسة لقطاع التعليم بالجزائر.

وأكد أن وتيرة التعريب تم تعميمها بشكل سريع، طيلة مرحلة التعليم الإلزامي والثانوي لتحضير التلميذ على الدخول إلى الجامعة، أين يصطدم بالعودة إلى التعليم بالفرنسية، ما تسبب في كوارث وسط فئات المتمدرسين وحتى الأساتذة.

وروى، بشير حاكم، معاناته مع التعريب المفاجأ للمناهج التعليمية، وقال “أنا شخصيًا عندما كنت أدرس مادة الرياضيات باللغة الفرنسية، تفاجأت، بين ليلة وضحاها أجبرت على تدريسها باللغة العربية، من دون أن أتقنها، لكن ومع ذلك لم أجد صعوبات كثيرة بالنظر أن المادة تتعلق بالرياضيات أساسًا، جعل التحكم فيها وصل إلى نسبة 60 بالمائة باللغة العربية، لكن- حسب ما أضافه –فإن التعريب تسبب في كسر فئة هائلة من الكوادر، ما جعل هؤلاء يفرون إلى فرنسا من اجل ممارسة مهنة التدريس، رافضين سياسية السلطات العليا، بتعميم التدريس بالعربية، وهذا رغم أن الطريقة المعتمدة قبلًا والتي هي خليط بين العربية والفرنسية أعطت نتائج جد ممتازة، وأخرجت كفاءات عالية، وفئة من هذه الفئات هي من ضمن الأسرة التربوية الحالية.

أمّيون بشهادات جامعية عليا!

واعتبر المتحدث، أن الصراع بين الفرنسية والعربية، هو السبب الرئيسي في كارثية مستوى التعليم، وأكد أن المدرسة الجزائرية في الوقت الراهن أضحت تنتج أميين، لا يتقنون لا الكتابة ولا القراءة، لكن بشهادات جامعية عليا.

وأشار ذات المتحدث، أن الكارثة الكبرى، هي الإصلاحات التي فرضتها وزارة التربية سنة 2003، التي قضت على التعليم التقني، وفرضت 5 سنوات تدريس في الطور الابتدائي عوض 6 سنوات، في ظل الأوضاع المهنية السيئة للأساتذة، حيث لا يتجاوز أجر الاساتذ الجديد في الطور الابتدائي 280 دولار، ما يجعل هذا الأخير لا يعطي كل ما لديه، لادخار جهده لمنح الدروس الخصوصية.

أما مدير مؤسسة تعليمة في الطور المتوسط، العابد الكانتي فيرى ” أن السبب الرئيسي هو توظيف أساتذة في الطور الابتدائي، يجهلون العربية في التسعينات وبداية الألفية، حيث تم توظيف خريجي الجامعات من حملة ليسانس حقوق، تجارة، اقتصاد….إلخ، وهم لا يفرقون بين الماضي والمضارع.

كما اعتبر المتحدث وفي تصريح لـ “زدني” من أهم الأسباب راجع لنقص الخبرة التدريسية، فأغلب الأساتذة الجدد، بعد أن تم إحالة عدد معتبر من الأساتذة على التقاعد أو تمت ترقيتهم لمناصب الإدارة والتفتيش، حيث حوالي 58% من مجموع أساتذة الطور المتوسط تقريبًا، لديهم أقديمة في التدريس تقل عن 5 سنوات.

عندما تحل “لغة الشارع” محل “لغة الضاد” في المدارس

واعتبر المتحدث، أن الضعف في مادة العربية، تؤثر على باقي المواد لأنها لغة التدريس، لا لغة التخاطب فبعض الأساتذة، يشرح الدرس باللغة العامية “أي لغة الشارع”، ثم يطالب الإجابة في الامتحان باللغة الفصحى وهو تناقض صريح، في ظل كثرة غيابات بعض الأساتذة، حيث بلغت نسبة الغياب خلال الفصل الأول ما يزيد عن 10%، مؤكدًا أن شهري أكتوبر ونوفمبر، هما الشهران اللذان حطما الرقم القياسي في غيابات الأساتذة، وهو الأمر الذي يزيد من الضغط على عليهم في نهاية السنة، مما يؤدى إلى التسرع في إكمال المنهاج على حساب التحصيل المعرفي للتلاميذ.

وأوضح في المقابل مصدر من سلك التفتيش في التعليم الابتدائي في تصريح لـ “فريق زدني”رفض الكشف عن اسمه، أن التلميذ في مرحلة التعليم الابتدائي، يأخذ أساسيات اللغة المتمثلة في بنية الكلمة والجملة والنص فيتعلم تكوين كلمة ثم جملة ثم يصل إلى تكوين نص شفاهيًا وكتابيًا، وبالموازاة، يتعلم بعض القواعد النحوية والصرفية والإملائية والتي تساعده في بناء النص، غير أن السؤال المطروح

“أين يكمن الخلل؟”

وأجاب قائلًا ” أن معظم الحالات التي لمسناها في نهاية مرحلة التعليم الابتدائي نجدها تفشل في بناء ذلك المنتوج الكتابي، فضلا عن فشلها في الإنتاج الشفوي، ويظهر الفشل -حسبه- في الوضعيات الإدماجية التي تطلب من التلميذ تحرير فقرة حول موضوع معين، وهذا راجع لعدة أسباب أهمها فقر البرنامج الدراسي المقترح، أي النصوص المقترحة لا تحمل ثراء لغويًا كافيًا يمكن التلاميذ من التوصل إلى كتابة النص المطلوب، في آخر المرحلة الابتدائية، إضافة على عجز التلميذ في التفكير أساسًا، لأن تلك النصوص لم تراعي بيئة التلاميذ والمحيط الذي يعيشون فيه”.

وأكد أن سبب الفشل في اللغة العربية، هو عجز التلاميذ على التواصل الشفوي والكتابي بطلاقة في العربية، و يعني فشل التلاميذ في تحرير وضعيات إدماجية في اللغة العربية، التي تركز عليها استراتيجية المقاربة بالكفاءات التي عززتها الوزارة من خلال الخبراء البلجيكيين فريق” برنار راي” من الجامعة الحرة ببروكسل.

حتى للغة موليير ذنب في نكسة التعليم!

وأوضح ” ولأن أهم ركائز المقاربة بالكفاءات هي صفة الإدماج في وضعيات مركبة وجديدة، فإذا كان التلميذ لا يمكنه التعامل مع وضعيات إنتاج في اللغة العربية فهنا نحكم على فشله، وخاصة بعد 5 سنوات كاملة من الدراسة نجد معظم التلاميذ إذا طلب منهم تحرير أو كتابة موضوع يعجزون عن ذلك

بينما يتعاملون بروتينية وآلية مع وضعيات مملة ومحفوظة باعتبار أن ممارسة الأساتذة صارت تميل إلى الحفظ والتكرار”.

واستطرد محدثنا مضيفًا “انه عمومًا اللغة العربية ليست سببًا في تدني النتائج وليست سببًا في رسوب التلاميذ، وأكيد هناك مواد أخرى، على رأسها اللغة الفرنسية، حيث هناك مدرسة حصلت على نسبة نجاح 100% في اللغة العربية و 100بالمائة في الرياضيات، غير أن نتائج اللغة الفرنسية كانت نسبة النجاح فيها 0%، مؤكدًا أن ضعف نتائج مادة الفرنسية وراء انخفاض معدلات تراجع نسب النجاح في الامتحانات المهنية في عدد كبير من مدارس الجزائر.

هذا فيما أكد أيضًا، أن سبب تدهور الممارسات التعليمية، داخل الأقسام راجع للتكوين المزيف الكمي الذي ينظم للأساتذة بمعنى أن هذا التكوين لا يستهدف تغيير الممارسات وتحسين العمل في القسم، وإنما بدرجة كبرى يستهدف ملء أوراق إدارية فقط.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك