لماذا أثمر التعليم في التراث الإسلامي وعجزت بلادنا الإسلامية عن دفع الأمية؟

1 نوفمبر , 2015

التعليم-في-التراث-الإسلامي-والأمية

تشير دراسة عراقية بعنوان “أثر الأساليب التعليمية لدى أئمة الفقه في تحصيل طلبة كلية التربية في مادة النظم الإسلامية” إلى أنه وعلى الرغم من تطور الفكر على نحو عام والتربوي منه على نحو خاص، وظهور المدارس بشكلها الأنموذجي وما تحتويه من إمكانيات فرضتها الثورة المعرفية وما نتج عنها من تكنولوجيا التعليم والتعلم، واستعمال وسائل الاتصال بشتى أنواعها وتطوراتها، وما سخر لها من أنشطة وقدرات مادية ومعنوية، إلا أن مقدار التغير في سلوك المتعلم وتحصيله كان نسبياً مقاساً بما قدم له من مدخلات.

وتورد الدراسة بأن “هذا ما أشارت إليه ونبهت عليه كثير من الدراسات، من أن مخرجات التعليم والتعلم في فروع العلوم الإسلامية على نحو عام ومنها مادة النظم، دون المستوى المطلوب من حيث تحصيل الطلبة واحتفاظهم. مما حدا أو سوّغ في تصور الكثير من الباحثين وتفكيرهم أن يتساءلوا، أو أن يعقدوا موازنة عقلية بين ما كان عليه التعليم في تراثنا الإسلامي الزاخر الذي ظل يرفدنا ويرفد العالم، ولمدة طويلة، بطلبة العلم (الموسوعيين) على قلة إمكاناته المادية، وبين واقعنا التعليمي المتعثر في كثير من الميادين، ولماذا أثمرت تلك الأيادي وعجزت أيادينا أو كادت في كثير من بلادنا الإسلامية عن دفع الأمية عن بلادنا؟”.

وتوضح الدراسة بأن القرآن الكريم يشير في مواضع شتى إلى حقيقة التدبر والاعتبار في سير من سبقنا من الأمم السابقة، قال تعـالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ). وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وقال تعالى: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ). وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).

ويرى الباحث، “حسام عبد الملك العبدلي”، معد الدراسة، بأن الذي “يستقرئ القرآن الكريم يجد تكرار هذه الآيات، وأن هذا التكرار ورد لحكمة اقتضاها الله سبحانه وتعالى في النظر والتدبر والاعتبار في تجارب الأولين، إنطلاقاً من وحدة النوع والزمان والمكان، وإمكانية تكرار التجربة”. ويعتقد بأنه ومن هنا “قدم الإسلام للبشرية (المنهج الرباني) المتفق مع الفطرة والقائم على حقيقة المعادلة التي قررها الحق تبارك وتعالى بين الكون والإنسان وهي معادلة العبودية الخالصة لله وإسلام الوجه له، وقبول الاستجابة لله تبارك وتعالى حتى تمضي حركة الحياة على طريق السلامة والأمان”.

ويشير الباحث إلى أن المؤلف الأيرلندي شهير برناردتشو، تكهن أن المد الإسلامي سوف يصل حتماً في وقت من الأوقات إلى أوربا، وذلك في قوله عام 1930: “إذا كان هناك دين يمتلك السيطرة على إنكلترا، بل على قارة أوروبا خلال المائة سنة القادمة، فذلك الدين هو الدين الإسلامي فقط، أن لديّ تقييماً عالمياً لدين محمد بسبب ما يملك من فعالية غير عادية وفي رأيي أن لهذا الدين قدرة فريدة على التكيف مع متغيرات الحياة ومتطلباتها وفي تبليغ دعوته في كل عصر، وإنني واثق لو وجد شخص مثل محمد وأعطي سلطة عامة في مثل هذا العصر الحديث فإن باستطاعته أن يسوي مشاكل العالم كافة بأسلوب يمكن العالم من التمتع بالسلامة والرخاء الذي هو في أشد الحاجة إليهما”.

ومع ذلك كله، تؤكد الدراسة، بأن “الأمة الإسلامية تواجه غزواً عسكرياً وسياسياً وفكرياً، هذه المواجهة الممتدة عبر قرون التي لم تتوقف إلى الآن، أهدافها تفريغ العقل المسلم وقلبه من مفهومه الإسلامي الصحيح، ودفع قوى التغريب إلى العمل تحت مسمياتها المختلفة كالعولمة والإصلاح والديمقراطية، وعن طريق مؤسسات عدة في مقدمتها المدرسة ووسائل الأعلام”.

وتلفت الدراسة، إلى إن “عملية التقويم التقليدي لتراثنا في هذا العصر قد تمت تحت وطأة (عقدة محاكاة الغرب) التي بشر بها المستشرقون ممن ارتبطوا بدوائر الاستعمار ومصالحه، وقامت على نظرية (الاستمداد الثقافي) التي لا يقرها التراث العربي بل يرفضها، ذلك أن عقدة محاكاة الغرب عند المصابين بسوءاتها كانت وليد فكر أوربي لا يؤمن إلا بالقهر والسيادة والتمحور حول الذات عرقياً وثقافياً”.

وتشير الدراسة، إلى إن “الفكر الغربي بكل توجهاته لا يفهم التبادل الثقافي على أساس الحرية من الأخذ والعطاء والمساواة من الاحتكار والاعتراف بالمنجزات بين حلقات الحضارة الإنسانية، بل كل ادعاءاتهم افتراء وخير دليل (صراع الحضارات)، بل هي دعوة إلى الاستلاب الحضاري والثقافي، وإلغاء الهوية الذاتية المستقلة للأمم والشعوب، بل قل هو (اغتيال ثقافي) للآخر ولاسيما الفكر العربي الإسلامي الذي يتوجسون منه خيفة من صحوته”.

وبحسب الدراسة، فإن “من أخطر الظواهر التي يواجهها الإسلام اليوم ظاهرة الاستلاب الحضاري، ومحاولة محو الطابع الإسلامي وتراثه الذي حافظ عليه المسلمون مدى القرون، وثقافته الإسلامية بكل مقوماتها المادية والمعنوية وتدمير العقيدة، واقتلاع الأجيال من أصولها وإذابتها في المجتمع المادي”.

ويعتقد الباحث، “العبدلي”، بأن “وجهاً مشرقاً من وجوه المعرفة ظل غائباً خلال حقب الاحتلال في فكرنا العلمي والثقافي وهذا من شأنه أن يحجب جزءاً أساسياً من إبداعنا الفكري ومن إسهامنا الحضاري عن أجيالنا من ناحية فيشنؤون على جهل ماضيهم معتقدين أن المعرفة العلمية والفكرية، إنما بدأت مع الحضارة الأوربية، ومن ناحية أخرى فإن الأوربيين تآمروا على حضارات العالم في آسيا وأفريقيا بالصمت والإهمال حيناً وبالتحريف والتزوير حيناً آخر، ليردوا نسب الحضارة والتقدم إلى اليونان والرومان”.

ويلفت الباحث، إلى أنهم “أوهموا طلابنا أننا أمة بلا فكر تربوي من دون آراء في التربية وعلم النفس، وبذلك تجاهلنا ذلك الوجه المشرق من الازدهار الفكري والثقافي الذي عاشته أمتنا العربية الإسلامية طوال قرون وأنتجت فيه أعلاماً من رجال الفكر والعلم والتربية، وكانوا ممن تفخر بهم أية أمة وتزدان بهم أية حضارة”.

ويرى الباحث أن “إغفال التراث وتجاهله لا يقلل من قيمته، فالأمة التي تريد أن تنهض بواقعها من جديد، وأن تعود بقوة إلى مصاف الأمم ذات العراقة والحضارة والنفوذ لابد أن ترتكز على دعائم وأسس، يشكل التراث أحد الجوانب المهمة في تحقيق أهداف تلك الأمة وطموحاتها. فالتراث ليس الماضي فحسب، وإنما كل ما نملكه اليوم لاستشراف المستقبل بخطى ينبغي أن تتسم بالثبات والموضوعية”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك