لماذا يتجاوزه الطلبة؟ التعليم المهني.. طريقٌ سريع نحو سوق العمل

3 أغسطس , 2018

 

حسونة: مُكَمِّلٌ للتعليم الجامعي وخريجوه لا يعانون البطالة

رجب: خاصية “الاعتماد على الذات” تتيح تأسيس المشاريع

الشاعر: اختَر تخصصًا يشبع حاجتك النفسية ويأخذك للعمل

 

كم من قصة نجاح سمعنا عنها بدأت حين اختار طريقًا جديدًا لم يعتمد فيه على شهادته الجامعية، وربما سَخِر منه آخرون، واستصغروا عمله، لكنه استمر حتى بلغ مُراده، في تلك القصص قد نجد طبيبًا خلع “البالطو الأبيض”، وارتدى ملابس الطاهي، ومهندسًا تعلم النجارة وأبدع فيها، ومحامٍ نفض الغبار عن موهبته القديمة في الرسم، ومعلمة استثمرت مهاراتها في التجميل وتصفيف الشعر، ومصممة ديكور أتقنت الخياطة.

 

هؤلاء طرقوا بوابة العمل المهني بعد سنوات قضوها في الدراسة الجامعية، وأتبعوها بسنوات أخرى في انتظار الوظيفة، ماذا لو أنهم اختاروا التعليم المهني من البداية؟ ربما لم يفعلوا ذلك لعدم معرفتهم بقدراتهم وميولهم، أو لضبابية أهدافهم، وقد يكونون تأثروا بآراء المحيطين بهم، ولم يكونوا أقوياء بما يكفي لمواجهة نظرة المجتمع السلبية للتعليم المهني.

 

بعد انتهاء عام دراسي وقبل بداية آخر، يحتار كثير من خريجي الثانوية العامة في اختيار تخصص دراسي، وكثير منهم لا يفكر مطلقًا بالتوجه نحو التعليم المهني، فما مميزات التعليم المهني؟ ومتى يتجه طالب الثانوية نحوه؟ ولماذا يرفضه كثيرون؟ وهل تؤثر النظرة المجتمعية على قرارات الطلبة؟

 

إلى العمل مباشرة

 

المهندس محمد حسونة، رئيس قسم الدبلوم المهني التابع للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، يصف التعليم المهني بأنه “اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات المتطورة”، مُرجعًا ذلك إلى: “التأثير الواضح لهذا التعليم على التنمية المستدامة في المجتمعات، خاصة في حال انتشار البطالة بين الخريجين الأكاديميين”.

 

ويتحدّث عن ميّزات التعليم المهني: “هو مكمل للتعليم الجامعي، فمثلًا المهندس لا يستطيع تنفيذ مخططاته الهندسية دون وجود مهني ذو كفاءة عالية، لذا فإن الميزة الرئيسة هي أن خريج التعليم المهني يستطيع العمل مباشرة بعد التخرج سواء ضِمْن مؤسسة أو منفردًا، ومن الإيجابيات الأخرى أن التعلم يكون مرتبطًا بالتجربة العملية الأقرب للواقعية، وعليه يكون الطالب أقرب إلى سوق العمل من خريجي التخصصات الجامعية النظرية، إلى جانب سهولة لغة التعلم لقربها من الواقع”.

 

ولكن ثمّة سلبيات، يذكر منها حسونة أن التعليم يكون مقتصرًا على مجال محدد، بعكس التعليم الجامعي الذي يعطي الطالب قاعدة عريضة من المعلومات النظرية التي تؤهله للعمل في عدة مجالات، إلى جانب اقتصار المواقع القيادية في المؤسسات على أصحاب الشهادات الجامعية العليا.

 

ويقول: “في بلداننا العربية، نظام اختبارات الثانوية العامة يلعب دورًا مهمًا في تحديد مستقبل الطالب، ويحدد المجالات التي يمكنه الالتحاق بها، والنظرة الاجتماعية تتدخل في اختيار التخصص الدراسي، إلى جانب رغبة الطالب ورؤيته لمستقبله ومعرفته بقدراته”.

 

ويضيف أن دارسي التعليم المهني ينقسمون إلى قسمين، أحدهما يضم طلبة حصلوا على معدلات جيدة في الثانوية العامة، واختاروا هذا التعليم لكونه يؤهلهم للعمل مباشرة بعد التخرج أو لأنه يتماشى مع قدراتهم وأهدافهم، والقسم الآخر يتكون من طلبة لم يُوفقوا في الحصول على شهادة التوجيهي، وبذلك يكون الطريق الوحيد أمامهم هو التعليم المهني، متابعا: “وهذا يدل على وجود ضعف في نظامنا التعليمي، حيث إن هؤلاء الطلاب كان من المفترض توجيههم إلى التعليم المهني بعد الصف الثالث الإعدادي”.

 

ويتابع: “لا يدرك أغلب الطلبة أهمية التعليم المهني ولا يفكرون في الالتحاق به، فهم جزء من مجتمعاتهم التي ما تزال لا تنصف هذا التعليم، ولكن مع تفاقم مشكلة البطالة بدأت الحكومات والمجتمعات بتغيير نظرتها، وأتوقع أن تتغير النظرة السلبية بمرور الزمن، فمن واقع تجربتنا بدأ الأهالي بتوجيه أبنائهم للتعليم المهني والتطبيقي، كما أن أعداد الطلبة المدركين لأهمية هذا التعليم في ازدياد مستمر، حتى أن بعض خريجي الجامعات يلتحقون ببرامج تعليم مهني لاكتساب مهارات مهنية وتطبيقية تؤهلهم للعمل”.

 

ويواصل:

“النظرة المجتمعية غالبًا تقلل من شأن التعليم المهني ودارسيه، وهذا يؤثر على قرارات بعض الطلبة، إذ يمتنعون عن الالتحاق به خشية من نظرة الآخرين لهم، ويصممون على الدراسة الجامعية لنيل رضا محيطهم”.

 

عند اختيار نوع الدراسة بعد الثانوية العامة، ينبغي أن يتغاضى الطلبة عن تلك النظرة السلبية، وأن يبنوا قراراتهم على واقع سوق العمل، الذي يجب أن يطلعوا عليه ويدرسوه جيدًا حتى لا يكونوا فريسة للبطالة، وفقًا لحسونة.

 

فئات كثيرة

ويوضح أن التعليم المهني لم يعد يقتصر على الأعمال الصعبة والثقيلة، فالتطور التكنولوجي فتح الباب لدخول تخصصات جديدة إلى هذا النوع من التعليم، مثل الجرافيكس، وشبكات الحاسوب والألياف الضوئية، وصيانة الهواتف الذكية، وتصميمات تطبيقات خاصة بها، إلى جانب إدخال استخدام البرامج الهندسية الحديثة في تنفيذ الأعمال المهنية التقليدية مثل الخياطة والتطريز والإمدادات الصحية والديكور.

 

كثير من الناس يربطون بين التعليم المهني وتدني المستوى الدراسي للطالب، لكن الأمر ليس هكذا دومًا، فثمة متفوقون يختارون هذا النوع من التعليم، وعن ذلك يقول حسونة: “يلتحق بالتعليم المهني طلبة متفوقون حصلوا على الامتياز في الثانوية العامة، رغبة منهم بدراسة تخصص يؤهلهم لسوق العمل ويختصر الوقت، وبعد ذلك يواصلون دراستهم في مجالات قريبة مع مهنتهم”.

 

ويضيف: “أما الطلبة المتدنية تقديراتهم في المدرسة، فغالبًا ما يكونون مميزين ومبدعين في المجال المهني، لأنه يتوافق مع قدراتهم”.

 

وبناء على ما سبق، ما هي معايير التقييم في التعليم المهني؟

يجيب: “نعتمد في تقييمنا للطلبة على الاختبارات العملية، وعليه يتم قياس مدى تطبيق الطالب للمهام التي تُطلب منه، من حيث الوصول للمشكلة ودراسة الحالة وإيجاد الحل المناسب ثم تطبيق الحل بطريقة احترافية دقيقة، ثم تطبيق معايير الجودة في إنجاز المهمة، وأخيرًا تدوين ما قام به لأخذ الدروس والعبر، إلى جانب التزامه وانضباطه”.

 

وبحسب حسونة، فإن لكل تخصص مواصفات خاصة يجب أن تتوافر في الطالب، على مستوى الاستيعاب والقدرات الذهنية، إلى جانب القدرات الجسدية والشخصية.

 

ويؤكد أن التعليم المهني ليس حكرًا على الطلاب الذكور، فالعديد من الفرص متاحة للفتيات، مبينًا أن بعض التخصصات متاحة لكلا الجنسين، وبعضها يناسب الذكور فقط، أو الإناث فقط، وهذا يتوقف على ما يناسب طبيعة كل فئة.

 

ويلفت إلى أن العمل المهني قد يكون طوق نجاة لفئات محددة، كذوي الإعاقة الذين يصعب عليهم العمل في بعض المجالات، موضحًا: “التخصصات المهنية بالغالب تناسب بشكل كبير هذه الفئة، ولذلك نجد أن المؤسسات الخاصة بذوي الإعاقة تعمل على تدريبهم مهنيًا، كتدريبهم على الأعمال الخشبية وصناعة الخزفيات والخياطة وصناعة الأحذية والتخصصات التقنية مثل صيانة الهواتف الذكية وتصميم الجرافيكس وصيانة اللوحات الإلكترونية”.

 

ويشير حسونة إلى أن التعليم المهني في معظم الدول العربية يعاني من ضعف الدعم الحكومي وقلة المؤسسة المتخصصة فيه، وندرة المدربين المؤهلين، بالإضافة إلى أن المناهج التعليمية بحاجة للتطوير.

 

بحاجةٍ لمخرجاته

يقول المختص في الشؤون الاقتصادية الدكتور معين رجب: “في كل بلدان العالم، التعليم المهني جزءٌ أساسي من أشكال التعليم المتبعة، لكن حصته من مجموع التعليم ضئيلة في بلداننا العربية”.

 

ويضيف: “عربيًا الإقبال على التعليم المهني محدود، والمؤسسات الداعمة له قليلة، وذلك رغم حاجتنا الماسة لمخرجاته”.

 

ويُرجع ضعف الإقبال إلى أسباب عديدة، أولها النظرة المجتمعية السلبية للتعليم المهني، والتي تدفع الشباب بعيدًا عنه، إذ يرغبون بالحصول على وظيفة، ومركز اجتماعي، وهذا لا يتحقق بالتعليم المهني.

 

ويوضح: “من الأسباب أيضًا، تقصير جهات الاختصاص، إذ لا توفر مؤسسات كافية للتعليم المهني، ولا تزود المؤسسات الموجودة بالإمكانيات المطلوبة، ولا تعرض الحوافز للطلبة، كالإعفاء من الرسوم، فالحوافز من شأنها أن تزيد الإقبال”.

 

ويبين رجب: “يتميز التعليم المهني بأنه يتناسب مع احتياجات السوق، ومع قدرات الشباب، وبالتالي يوفر لدارسيه ميزة لا تتوفر في التعليم الأكاديمي، وهي أن الفرصة مهيأة تمامًا لحصول الخريج على عمل فور تخرجه، خاصة أن الاعتماد على الذات ممكن بدرجة كبيرة المجالات المهنية، أي أن الشاب يؤسس عمله بنفسه ولا ينتظر الحصول على وظيفة، وقد يكون صاحب أعمال كبيرة لا موظفًا بسيطًا”.

 

رخصةٌ للعمل

وفيما يتعلق بنظرة المجتمع والتأثر بها يقول الاختصاصي النفسي والاجتماعي الدكتور درداح الشاعر: “التخصصات والدرجات العلمية يجب أن تتوافق مع طبيعة المجتمع وحاجاته، لذا ينبغي أن يتجه خريجو الثانوية العامة نحو ما ينقص مجتمعاتهم من تخصصات”.

 

ويضيف: “الأصل في التخصصات والوظائف، أنها تشبع حاجة نفسية لدى الشخص، بالإضافة إلى تماشيها مع سوق العمل، فالشهادة رخصة للعمل، وبالتالي فعلى الطلبة اختيار تخصصاتهم وفق ميولهم واستعداداتهم وقدراتهم ورغباتهم النفسية، وبحسب احتياجات السوق”.

 

ويتابع: “قد يرفض البعض فكرة التعليم المهني تحت ضغط نظرة المجتمع، وبسبب الرغبة في تحقيق مكانة مبنية على الدرجة العلمية، ولكن حاليًا، ازداد وعي الشباب فيما يتعلق باختيار التخصص الدراسي، وكثير منهم لا تعنيه الدرجة العلمية والنظرة الاجتماعية، وإنما يختار ما يراه مناسبًا، خاصة في ظل انتشار البطالة وحرص الطلبة على عدم الوقوع فيها بعد التخرج”.

 

وينصح الشاعر الطلبة: “حدد إمكانياتك وقدراتك الجسمية والنفسية، وادرس سوق العمل جيدًا، ثم تحلَّ بالثقة، واتجه نحو الخيار الذي تقتنع به، دون التأثر بنظرة الآخرين لك، واعلم أن رغبتك الملحة بالنجاح ستساعدك على الوصول إلى مُرادك”.

 

ويوجه السؤال للخريجين:

“ما الفائدة من حصولك على لقب طبيب بينما أنت لا تجد وظيفة؟ وما أهمية أن تكون مهندسًا تنتظر في طابور البطالة؟ وهل سيكون من الجيد جلوسك في البيت دون عمل لأنك درست ما يعجب الآخرين لا ما يناسبك؟”

 

موضحًا: “إذًا لا تستصغر التعليم المهني، فقد يكون فرصتك في الحياة”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

ايمن طلعت مشتهى منذ شهرين

التعليم المهني هو طوق النجاة للشباب

أضف تعليقك