لماذا يستمر العنف بالجامعة المغربية؟

12 يوليو , 2015

إن ما تعيشه الجامعة المغربية في عدة مدن ومواقع جامعية بفعل العنف الممارس على الطلاب والأساتذة والإداريين والذي عمّر طويلاً، بحاجة لتدخل كل الفاعلين لإنقاذ الجامعة المغربية من حالة التردي وسطوة لغة القوة على العقل والعنف على الحوار والكراهية على التسامح والإكراه على الحرية ومنطق الاغتيالات على الحق في الحياة ومنطق الإرهاب وإشاعة الفوضى والخراب في فضاءات جامعية ينتظر فيها أن تكون فضاء للمراس على الاختلاف وقبول التنوع والتعدد الذي هو ثراء وغنى.

لم يكن الاختلاف يومًا نقمة ولا التعدد جريمة سواء في الجامعة أو المجتمع، وإنما حقيقة المجتمع التي بها التعدد وتعرف كيف تنظمه وتنسج الحوار بين مختلف الفرقاء كما هو سائد تاريخياً في مجتمعاتنا، فإنه التعدد والاختلاف في المرجعية والإثنية أو حتى الإيديولوجيا والمذهب يصبح ثراء وغنى وعامل قوة وليس ضعف، لكن هاته الحالة لما تكون مختلف الاطراف تؤمن بحق الآخر في التعبير وتنظر للتعدد باعتبارها ثراء ولا ترى للمخالفين نظرة عدائية محمومة بالكراهية في انتظار إلغائهم من الوجود، كما هو شأن كل الإيديولوجيات الشمولية الوافدة على عالمنا العربي والإسلامي الذي نظم تاريخية أرقى أشكال الاختلاف والتنوع رغم بعض الانحرافات الطارئة والدخيلة، فالعدمية وباء يصيب المجتمعات، وكانت الخطر لما ولجت الجامعة وسيطرت على بعض أنماط التفكير وتحولت إلى ممارسة في حق المخالفين، فأنتجت عنفاً لم يتوقف، تم استخدامه لهدم وتفكيك أدوار الجامعة في النهوض بمجتمعاتنا التي تعاني التخلف والاستبداد، وذلك حتى لا تكون عامل بناء لثقافة وعقل وممارسة سياسية تنقلنا من الركود والجمود إلى التطور والنهوض.

كيف برز العنف القاعدي بالجامعات المغربية؟ وما هي مخاطره؟ ولماذا تتستر الدولة عليه؟

ليس العنف حالة عامة وظاهرة منتشرة بكل الجامعات المغربية وإنما محصور في جامعات يتواجد بها اليسار الجذري المتطرف، والذي كان تواجده قائماً على العنف عقيدة في التغيير ووسيلة في الحوار، وبقراءة بسيطة لم يأتي اليسار المتطرف الذي يتبنى العنف في الجامعة وفق نشأة طبيعية وبناء على حاجة ملحة داخل الفضاء الجامعي، وإنما تم تقويته في مرحلة معينة لتحجيم أطراف طلابية أخرى تنتمي لليسار الإصلاحي والتي كانت على صلة بهيئات سياسية نشيطة في المجتمع ويتسم فعلها السياسي بمناهضة خيارات الاستبداد والديكتاتورية التي طبعت المغرب في تلك اللحظة شأنه شأن باقي السياق السياسي والاجتماعي العربي، وبعدها لتحجيم تمدد الحركات الإسلامية داخل الفضاء الجامعي بالتزامن مع الصحوة الإسلامية، وقد كان إبراز اليسار الجذري المتطرف حينها المتمثل في الطلبة القاعديين عنوان أزمة داخل الحركة لطلابية المغربية، وبداية انسداد الأفق داخل الجامعة المغربية ومن ثم بداية التهاوي لدى اليسار الإصلاحي بالحظر العملي والقانوني  للمنظمة الطلابية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” التي كان يستند عليها في تقوية موقفه السياسي وإعمال آليات الضغط على النظام السياسي من خلال الجامعة، فقام بالعمل على إظهار خيار عدمي يلهج بلغة اليسار ذاتها وخصوصا “التيار الماركسي اللينيني” و”الطلبة الجبهويين” والذين سينهجون خيار العنف مع زملائهم منذ بداية ظهورهم كما ستتجلى مواقفهم السياسية أكثر تطرفاً وعدمية من قضايا وطنية على عكس موقف المنظمة الطلابية سابقاً، فكانت المواقف العدمية إحدى العوامل التي أدت إلى شل الإطار الطلابي وتعميق التناقضات بين المكونات الطلابية التي كان ينتمي أغلبها آنذاك لليسار، فحديث التخوين بين بعضهم البعض ونشب العنف وصارت القوة أداة حسم، وبذلك انتصرت الإرادة التي زرعت العنف في الجامعة لضرب الجامعة ووظيفتها العمية والمعرفية والبناء النقدي، وهي إرادة الاستبداد والتحكم التي وظفت اليسار المتطرف للإجهاز الإطار الطلابي الجامع والصوت الوحدوي ومنطق الحوار والحجاج بين مختلف المكونات، ومنذ ذلك الحين واليسار المتطرف ينقسم عن بعضه إلى كنتونات وفصائل متعددة متناحرة وتعتمد العنف في التعبير مع عائلة اليسار ذاتها قبل الطلبة الإسلاميين، فحرب اليسار كانت ضد الجميع وهو وحده صاحب الحقيقة المطلقة التي على الجميع القبول بها والاقتناع بها بالرضا أو بالإكراه بمنطق القوة، كذلك كان الأمر منذ البداية ولا يزال منطق القوة هو الذي يحركهم في ظل صمت مريب للدولة عن ممارسة العنف من جماعة هي أشبه بعصابة ولا صلة لها بالفضاء الجامعي، وفي ذلك خرف منها لأسس السلم الاجتماعي والأهلي، وصمت الدولة ومؤسساتها عن العنف الممارس طيلة عقود كفيل بأن يبرز لنا هوية هذا الفصيل والمهام التي وضعت له للقيام بها، وأهمها ممارسة العنف لصد الأغلبية العامة للطلبة عن أي خيارات تستهدف بناء الوعي لمختلف الشرائح الطلابية الشابة إسهاماً في التغيير وإشراكاً لهم في قضايا الوطن والأمة بمختلف وسائل الاقناع السلمي والعلمي، والأساس من الابقاء على العنف هو صد الطلاب وصرفهم عن التفكير في الجامعة باعتبارها حاضنة تغيير وقبل ذلك بناء للإنسان والوطن.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك