لمن لم يستطيعوا دخول الجامعة .. قراءة في كتاب

7 يناير , 2019

كُنت أفتِّش في كَومة كُتب قديمة كانت ستُلقى في القُمامة حين وجدت هذا الكُتيب صاحب العنوان البديع والمُلهم: ” لمن لم يستطيعوا دخول الجامعة  وعدد صفحاته لا يتجاوز السبعين صفحة، من تأليف جيري كلاين وبيل فيشر..

وقد نُشر باللغة العربية بصفته جزءًا من سلسلة الثقافة العائليَّة عام 1965، أي قبل حوالي 50 عامًا.. ومع ذلك فإن الكثير من أفكار الكتاب تستحق منَّا الكثير من التأمل سواء دخلنا الجامعة أم لم ندخل.. والكتاب يبعث الأمل في نفس من لم يُحالفه الحظ بدخول الجامعة ويؤكد له أن المجال أمامه لا يزال مفتوحًا.. مهما كان وضعه ومهما كان عُمره.

في المقدمة نجد تذكيرًا بالفئة التي تبقى سنين طويلة تندب حظَّها لعدم تمكنها من مواصلة التعليم العالي، وتعتقد أن بدون الدرجة الجامعية لن يكون ثمة أمل لها في الوصول إلى الوظائف العليا.. ثم نجد تعليقًا بأن كُل هذا هُراء ثم نجد تأكيدًا بأن حياة الناجحين من الرجال والنساء يربطها خيط واحد مُشترك، هو التصميم على التعليم ولا يقصد بالتعليم هناك التعليم الجامعي التقليدي ومن هناك تتجلى أهمية الكُتيب أنه يفصل مفهوم التعليم عن التعليم الجامعي بل وأكثر حيث يُذكرنا الكُتيب بأن:

الدرجة الجامعية والذكاء ليسا متلازمين دائمًا، فهناك عدد كبير جدًا من الأذكياء خارج الجامعة.

إننا لا نحيا بالخبز وحده!

في فصل إننا لا نحيا بالخبز وحده تقول السيدة ماكينتوش“: لا بُد أن نتخلص من الفكرة القائلة بأن السبيل الوحيد للإعداد للحياة أو الظفر بالمكانة في المجتمع هو الالتحاق بالجامعة. وما عليك إلا أن تنظر حولك لتدرك صدق هذا القول، فلا شك أنك تعرف بعض القادة في بيئتك من الرجال والنساء الأكفاء المثقفين الذين لم يتسن لهم قط دخول الجامعة، والبلاد حافلة بعشرات الألوف من هؤلاء وليس منهم من يُعاني من أي عجز في حياته، بالقياس إلى من تلقوا تعليمهم وتدريبهم في الجامعات.

عليك بالقراءة دائمًا:

وفي فصل عليك بالقراءة دائمًا يؤكد الكاتب:

 إن مفتاح التعلم إذن هو القراءة، سواء بالنسبة للجامعيين أو لغيرهم ولكن الكثير يتوقف على اختيار مادة القراءة.. فإن ساعات اليوم أقصر من أن نُبددها في القراءة العابثة غير النافعة”.

وهذا لا يعني العكوف على مطالعة الكتب العلمية فقط، بل على العكس فإن الكاتب يُشدد على ضرورة مطالعة القصة؛ فيورد قائمة لأعظم ستين قصة في كل العصور ويؤكد أنها لا توفر لك مئات من ساعات القراءة الممتعة فحسب، ولكنها أيضًا تُرسي الأساس لمزيد من فهم العالم الذي نعيش فيه“.

وبالإضافة للقصص يمدح الكاتب مجموعة من الكُتب القيمة مثل الرياضيات للملايين وموجز تاريخ العالم وغيرها.

الذين بلغوا قمَّة المجد بدون التعليم الجامعي:

وفي فصل بعض الذين بلغوا قمَّة المجد بدون التعليم الجامعي يتحدث عن رئيس مجلس اتحاد الراديو الأمريكي الذي أبدع في مجال البرقيَّات بعد أن كان يطمح بأن يكون صحفيًا بعد تجربة بيع الصحف.. فبينما هو يبحث عن فرصة عمل في الصحافة وجد فرصة عمل مميزة في شركة برقيَّات فاستهواه الأمر، وراح ينفق مدخراته في شراء جهاز لاسلكي قديم، وكتاب عن طريقة مورس. وكان يقضي الليالي بعد ذلك في دراسة هذا العلم الجديد، كما كان يقضي عطلات نهاية الأسبوع في مختبر لاسلكي في نيويوك. وفي حديثه عن تجربته يقول:

أن أهم شيء بالنسبة لحياة الفرد العملية هو أن يعرف المكان الذي تتمشى فيه قدراته مع ميوله وقد يوضع الشخص في هذا المكان بمحض الصدفة، غير أنه لو تبيَّن حظه وعمل بجد وانتهز الفرصة التي تتاح له فلا بُد أن يكتب له النجاح.

في الواقع فإن الحكايات التي يسردها كُتيب “لمن لم يستطيعوا دخول الجامعة ” في هذا الفصل أكبر من أن نسردها ها هنا، ولكن كلها تؤكد أن فرص الترقي الذاتي كانت ممكنة قبل 50 عامًا وما زالت ممكنة حتى اليوم دُون أدنى شك.

بقيَّة الكُتيب تدور على كيفية اكتساب العلم والإمكانيَّات المتاحة في ذلك الزمان كالتعليم بالمراسلة أو التعليم المسائي أو غير ذلك من برامج التدريب المهني وهي كُلها متاحة في زماننا.. غير أن الكثير من الوسائل قد تطوَّرت كثيرًا ولو أردنا الحديث عن إمكانيات التعلُّم عبر الانترنت سنجد آلاف الإمكانيات المُتاحة في شتى المجالات العلمية، هذا بالإضافة إلى انتشار الخدمات المكتبية سواء في العالم الافتراضي أو حتى في المكتبات العامة وهذا طبعًا غير إمكانيَّة التعلم من خلال الهاتف المحمول ومن خلال المساقات والفيديوهات التي يُمكن لأي إنسان مشاهدتها متى شاء من خلال موقع اليوتيوب أو تطبيق ساوند كلاود مثلًا.

في آخر صفحات الكتاب يعود الكاتب ليُذكرنا بما يُسميه الإثارة الذهنية التي توفرها قراءة المؤلفات العالمية الشهيرة، ولكنه لا يقف في نصيحته عند ضرورة القراءة والمطالعة فقط، بل يشترط شرطًا مهمًا لكسب الإثارة الذهنية وهي ضرورة مناقشة هذه الكُتب مع القادة المهرة ويؤكد أن هذه الإثارة الذهنية تُعادل الخبرة الذهنية التي تكتسب في قاعات الدرس الجامعيَّة.

وفي آخر الكتاب يُذكرنا للمرة الألف قائلًا:

إن التعلم مُتعة.. فحاول أن تتعلم!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك