لن أعيش في جلباب أبي مَن الأَوْلى: حنان الأب أم ماله؟!

18 ديسمبر , 2017

مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” الذي أنتج وعرض سنة 1995 هو دراما مصرية تجاوز عمرها العقدين، ومن أبطالها من ارتدين الحجاب، وآخرون ممن كبروا أو هرموا أو لقوا ربهم. بيد أن المسلسل ظلَّ على مدار السنين من أقوى المسلسلات الأسرية الاجتماعية على الإطلاق، ليس في مصر فحسب، ولكن على نطاق العالم العربي بأسره. وذلك لما يحوي من رسائل أسرية وإنسانية وتربوية رائعة، في قالب درامي راقٍ وعائلي غير مخل، على عكس معظم الأعمال الدرامية المنتشرة حاليًّا.

 

وفي هذا المقال سنركز بشكل أساسي على العلاقة بين الأب “عبد الغفور” وولد “عبد الوهاب” وكيف أن سوء العلاقة بينهما كان سببًا في تذبذب الابن النفسي وعدم قدرته على تحديد هدفه. وذلك حتى أصبح شابًا يافعًا يتخبط يَمنة ويَسرة، وهو عاجز عن معرفة مسير حياته وتحديد رؤيته. القصة من تأليف الكاتب إحسان عبد القدوس، وهي تحكي عن شاب فقير نجح بمثابرة وصبر وذكاء بتكوين ثروة ضخمة حتى صار مليونيرًا. وتصور الحلقات كيف أن غناه الذي أراده كيلا يذل أحد أبناؤه من بعده، كان وبالًا على بناته وولده؛ فمن تقدموا للزواج ببنتيه الكُبرَيَيْن كان طامِعَيْن في ماله.

 

أبٌ غني وولدٌ محروم!

وأما بالنسبة لمال “عبد الغفور”، فقد كان وبالًا على علاقتهما حيث إن الأب “عبد الغفور” حرم ولده من حنانه واهتمامه، واكتفى بالدعم المادي، فكان أن بنى بذلك حاجزًا ضخمًا وعريضًا بينه وبين ولده استغرق سنوات لإزالته؛ فقد كان “عبد الغفور” مدللًا من قبل والده، وأدى هذا إلى أنه لم يُكمل تعليمه؛ فنشأ فقيرًا وعمل في ورشة في شبابه؛ لذا قرر حين يصير له ولد له ألا يغرقه بالدلال أو حتى يعطف عليه، حتى لا ينشأ طري العود؛ فكانت النتيجة أن نفر “عبد الوهاب” من والده، وفهم أنه لا يحبه ولا يهتم لأمره، وبالتالي رفض أن يكون له أي علاقة بوالده أو بعمله.

 

كما يصور المسلسل كيف كان بُعد الأب عن ولده وعدم حرصه على الحوار معه وتقوية علاقته به سببًا في تشتت الولد وتخبطه؛ فلا هو تمكن من تحديد هدفه حين درس في بلده، ولا حين سافر إلى الخارج. ولا هو راغب في العمل مع أبيه ـــ مع أنه اتضح في النهاية أن هذا هو العمل الذي يناسبه ـــ ولا هو قادر على أن يجد العمل الذي يروق له.

 

حين بدأ الحوار، اتضحت الأمور:

وأخيرًا تضيق الأمور بـ “عبد الوهاب”، فلا هو أكمل دراسته، ولا هو وجد الوظيفة التي تناسبه، ولا هو نجح في زواجه؛ فيقرر الأب أخيرًا بعد طول غياب أن يتحاور مع ولده، وهنا يكتشف الوالد أخيرًا حقيقة اضطراب ولده وتذبذه النفسي، وعدم رغبته في العمل معه. ويُصدم الأب حين يعرف أن ولده كان يؤمن بكرهه له طوال تلك السنين، مع أنه أحبه حبًّا جمًّا.

 

دور الأب.. ما حقيقته؟!

من الواضح أن المال لم يغنِ عن الحب والحنان، فكان “عبد الوهاب” أغنى زملائه، لكن كما صرح هو لأبيه فقد شعر دومًا بالحرمان والنقص. وهذا للأسف ما يغفله الكثير من الآباء، وهو أن تلك الجلسات الأبوية والحوارات الإنسانية والودية مع أبنائهم، هي التي تصنعهم. ولا نبالغ إذا ما قلنا ربما تكون سببًا في تفوقهم أكثر من المدارس والتعليم الراقي. صحيح أن الأطفال بطبيعتهم يقضون مرحلة عمرية كبيرة مع أمهاتهم، ويتعلقون بهن. لكن هذا الأمر لا يهمش دور الأب ولا يقلل من شأنه، بل عليه هو دائمًا أن يحرص على دمج نفسه وأن يكون جزءًا جوهريًّا من حياتهم، وليس مجرد معيل، أو ناقد لتصرفاتهم، أو الآمر الناهي في البيت.

 

فنحن نرى في قصة “لن أعيش في جلباب أبي” كيف أن حوارًا صادقًا واحدًا أسهم في تغيير مسار حياة الابن للأبد، في حين فشل النقد والتجاهل في أداء هذا العمل على مدار سنين. والأمثلة الواقعية على سوء علاقة الأبناء مع آبائهم أكثر من أن تحصى لشديد الأسف. فإحدى زميلاتي في العمل حكت لي أن علاقتها سيئة للغاية مع والدها؛ فهو لا يتحاور معها بالمرة ودائم النقد لها. وزميل هجر والديه وذهب يعيش في سكن منفصل بسبب إساءة والده ونقده الدائم له! والعجيب أننا نجد هؤلاء الآباء حين يهرمون ويحتاجون للعون والصحبة، يشتكون عقوق آبنائهم وبعدهم عنهم! ألا ليتهم تحاورا مع أبنائهم، وبروهم قبل أن يطلبوا برهم، وسألوهم صراحة منذ سنوات كما فعل بطل قصتنا، فلربما وجدوا الإجابة الشافية. ولربما تعدل سلوكهم وتحسنت علاقتهم مع أبنائهم. ولكن هيهات؛ فبعض الآذان لا تسمع، وبعض العقول لا تفهم، وبعض القلوب مع هذا كله لا تلين!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك