لهذه الأسباب تأنثت المدرسة الجزائرية، وظهرت تخوفات من تأثر الحلقة التعليمية

6 مارس , 2017

ليس ثمة شك في أن الوجود المتزايد للمرأة الجزائرية في الحياة العامة يمثل أحد ركائز التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الجزائر منذ خمسين سنة من استقلالها، حيث تمثل مواكبة المرأة الجزائرية لمسار التغيير الحاصل انعكاسًا لدورها وفاعليتها في مختلف الميادين، سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو الأسرة أو العمل أو الحياة السياسية، إنّ أداء المرأة وتأثيرها في عملية التغيير وكذلك تأثرها به إنَّما يقاس بالدور المنوط بالسياسات العمومية وبمستوى أدائها وفعاليتها.

 

تسجيل أكثر من 275 ألف امرأة في قطاع التدريس بالجزائر

قطعت المرأة الجزائرية أشواطًا طويلة كي تُثْبِتَ ذاتها، وتفرِضَ وجودها في مختلف المجالات، فبعد أكثر من خمسة عقود من تاريخ استرجاع الجزائر لسيادتها، تمكنت من تبوُّؤِ مكانة محترمة على جميع الأصعدة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والثقافية.

ولأن المرأة قدمت عملًا بُطوليًّا جنبًا إلى جنب الرجل إبان الثورة التحريرية وما تلاهَا في مرحلة البناء والتشييد، فقد استحقت الترقية لتكون شريكةً في التنمية المحلية لبلد مرَّ بعدة مراحل انتقالية صاحبتها تغيرات مجتمعية، وتحديات داخلية وخارجية أثرت فيه سلبًا وإيجابًا، الأمر الذي دفعها لتحمل المسؤولية تجاه الوطن، والمضي قُدُمًا نحو مستقبل أفضل، يسوده التماسك الأسْري والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا المجال، يقدر تَعداد النساء في الوظيفة العمومية حسَب أرقام مديرية التوظيف العمومي الجزائري بـ 671 ألف و789 امرأة أي بما نسبته 34% من موظفي الوظيفة العمومية، غير أن النساء تسيطرن على أهم القطاعات في الوظيف العمومي، وعلى رأسها قطاع التربية، وقطاع الصحة حيث تسيطر النساء على أغلب مِهَن الطب والتمريض.

حيث يقدر تَعداد موظفي قطاع التربية حسَب إحصائيات رسمية من مديرية الوظيف العمومي بـ 565 ألف و929 موظف، ويقدر عدد النساء العاملات في قطاع التربية بأكثر من 275 ألف امرأة، أغلبهن يشتغلن في التدريس، وتتفوق نسبة الأساتذة والمعلمات على نسبة الرجال، وتعود أغلب وظائف الرجال في قطاع التربية، في سلك المقتصدين والمفتشين والمديرين والمراقبين، وتسيطر النساء على أغلبية وظائف التدريس من الطور الابتدائي إلى الطور الثانوي.

 

نجاح باهر للإناث في مسابقات التعليم و66بالمئة يتحصلن على الباكالوريا

كغيرها من البلدان العربية، سجلت الجزائر معدَّلاتٍ قياسية فيما يتعلق بنجاح المرأة في سلك التعليم سواء تعلق الأمر بالمسابقات التي تنظمها الوزارة سنويًّا والخاصة بتوظيف الأساتذة أو إلى نتائج الامتحانات الرسمية؛ حيث بلغت نسبة نجاح الإناث السنة الماضية أكثر من 66% مقابل 33% للذكور، وهي نسب عادة ما تتكرر سنويًّا.

وفي هذا الإطار يؤكد عديد من المختصين في الشؤون التربوية في الجزائر أن اكتساح العنصر النسوي للتعليم في الجزائر يعود إلى “الحافز اللاشعوري” الذي يجعل المرأة تباشر رحلة البحث عن “مكانة مرموقة” بالمجتمع الذي تنتمي إليه، ببذل مجهودات أكثر لتحقيق النجاح والتفوق في الدراسة؛ لتصبح الدراسة ذات بُعدين: الأول معرفي، والثاني “اجتماعي” بالدرجة الأولى.

فالذكور لا يمثلون الحلقة الأضعف في الامتحانات الرسمية، لاسيما امتحان شهادة نهاية المرحلة الابتدائية، وشهادة التعليم المتوسط وشهادة البكالوريا، بل في الاختبارات العادية فالحافز اللاشعوري لدى المرأة في الجزائر يعد عاملًا إيجابيًّا أو بمثابة “الأكسجين” الذي يمنحها هامشًا من الحرية، خاصة أن المرأة تدرك جيدًا بأن الفرصة الوحيدة للحصول على مكانة مرموقة في المجتمع، هو مواصلة الدراسة والتدريس تحت أية ظروف، المهم هو تحقيق الذات وفقط.

 

 

غياب التوازن بين الجنسين يهدد مستقبل التعليم في الجزائر

بعد اكتساحها لقطاع التربية والتعليم في الجزائر، أخذت ظاهرة تأنيث العلم والمؤسسات التربوية أبعادًا تثير الكثير من المخاوف وسط الجزائريين، حيث يرى الكثير من المتتبعين أن طغيان العنصر النسوي في المؤسسات التعليمية يشكل ظاهرة خطيرة تهدد مستقبل المنظومة التربوية، بالنظر إلى الانعكاسات السلبية التي قد تنجر على قيم التحصيل الدراسي، وكذا نوعية التنشئة لدى التلميذ.

هذا و لم يتوانَ الكثير في دق ناقوس الخطر بسبب طغيان العنصر النسوي، والحضور الباهت للذكور في الحلقة التعليمية، سواء ما يتعلق بمزاولي مهنة التدريس، أو عدد الطلبة مقارنة بالطالبات في مدرجات الجامعة والمؤسسات التعليمية والتربوية.

وتأتي هذه المعطيات المعيشة في واقع المدرسة الجزائرية في ظل غياب التوازن بين الجنسين، بدليل نَدرة الذكور من فئة المعلمين والأساتذة مقارنة بالحضور القوي للعنصر النسوي، الذي يسعى إلى عدم تفويت أي فرصة لفرض ذاته في هذا الجانب.

بالمقابل لا يمكن قراءة ظاهرة تأنيث العلم خارج سياق ما يحدث في المجتمع الجزائري من تغيرات، فاكتساب العلم تاريخيًّا كان من الأدوات الفعالة التي تسعى إليها الفتاة للتخلص من السلطة الأبوية للذكور، والحصول على مكانة اجتماعية جديدة تختلف عن مكانة ربة البيت الْمُسنودة إليها اجتماعيًّا.

 ولذلك يعتبر أن طلب العلم والاجتهاد في كسبه يعد ثغرة تنفذ من خلالها الفتاة إلى العالم الخارجي، فقد استفادت الفتاة أيضًا من مخرجات العولمة وارتفاع مستوى الوعي، والتوجه نحو تمكين المرأة في مختلف المجالات.
كما يؤكد متتبعون أن قضــية عمل المرأة ليست ظاهرة اجتماعية جديدة، إنما هي امــتداد تاريخـــي لــدورها في الحياة العامة، غير أن طبيعة العمل وأسـلوبه يختلف باختلاف البيئة الاجتماعية التي تعيـش فيها المرأة، وإذا ما عدنا إلى تناول وجود المرأة الجزائرية في قطاعات العمل المختلفة، فإننا نلاحظ انحصارها في قطاعات معينة كالصحة والإدارة والتعليم.

هذا الأخير يمثل القطاع المثالي لنشاط المرأة، فهو قطاع مؤنث، ونِسَب وجود المرأة فيه تؤكد إعادة إنتاج الوظائف التقليدية للمرأة في ميدان الشـغل، غير أن شغل المناصب الإدارية العليا عَرَف نسبًا ضعيفة جدًّا بالمقارنة مع نِسَب هيئة التدريس والوظائف الإدارية التنفيذية البسيطة، وعلى هذا الأساس تمحور بحثنا حول الكشف عن أهم المتغيرات والعوامـــل التي ساعدت المرأة الجزائرية في التوجه للعمل في التعليم كخطوة أولى، ثم الارتقاء فيما بعد إلى أدوار جديدة أي إلى المنصب العالي في المؤسسة التعليمية.

انتقادات تطال الإفراط في تأنيث القطاع

على الرغم من النجاحات التي تحصلها المرأة المعلمة في الجزائر، إلا أن الانتقادات تواصل مطاردتها؛ فهناك من يتذرع برغبتها في التحرر، وهناك من يقول إن كيان المرأة مختلف تمامًا عن كيان الرجل وبالتالي تأنيث القطاع سيكون له تأثير كبير في تنشئة الجيل بالنسبة للتحصيل الدراسي بسبب عُطَل الأمومة، والزفاف، العُطل المرضية الخاصة، التي تؤثر كلها بالسوء على التحصيل.

وهناك من يفرق بين عمل المرأة العزباء والمتزوجة، فالعزباء متفانية في عملها وصارمة في الوقت، لكن بمجرد أن تتزوج ينتهي عهد الصرامة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك