ماذا تعرف عن تاريخ النظارة الطبية؟ -الجزء الثاني-

29 مارس , 2017

الجزء الأول

معرفة عيوب الإبصار تستلزم معرفة بالتركيب التشريحي للعين ووظيفة العدسة فيها.  كما أن تصحيح عيوب الإبصار باستخدام عدسات خارجية (نظارة طبية) يحتاج إلى معرفة بالبصريات: خصائص العدسات وكيفية انتقال الضوء فيها.

الحسن بن الهيثم:

رائد هذين النوعين من المعرفة هو العالم العربي الشهير “الحسن بن الهيثم”.  فقـد درس تشريح العين ووصف وظيفة العدسة فيها. وكان له في بيته في مصر مختبر (معمل) انطلقت منه أصول علم البصريات.  إذ عكف على دراسة أنواع العدسات وخصائصها وتأثيرها على الضوء المار خلالها. وفي عام 11021م،  أصدر “ابن الهيثم”  أطروحة في البصريات، ضمنها تفصيلًا لكل أعماله حول عدسة العين والعدسات الزجاجية والمرايا. وتعتبر هذه الأطروحة أول عمل علمي من نوعه في هذا الحقل.

انتقلت أطروحة  “ابن الهيثم” في البصريات إلى سائر أمصار الدولة الإسلامية، فوصلت إلى “أسبانيا” (التى كانت تحت راية العرب في ذلك التاريخ). وفي أسبانيا ترجمت أطروحة “ابن الهيثم” إلى اللاتينية – لغة العلم والعلماء في أوروبا في ذلك الزمن.  ومن أسبانيا، انتشرت الترجمة اللاتينية لأعمال “ابن الهيثم” إلى أوروبا، فكانت النبع الذى استقى منه علماء أوروبا أصول علم البصريات.

كذلك انتقلت أعمال “ابن الهيثم ” إلى أوروبا من طريق آخر.  فقد جذب بلاط الملك فريدريك الثاني في “صقلية” عددًا من نوابغ العرب في شتى الحقول.  وقد تطوع بعضهم بترجمة أطروحة “ابن الهيثم”  في البصريات إلى اللغة اللاتينية.  من صقلية وصلت الترجمة إلى “فينيسيا”  (في إيطاليا) – عاصمة الحضارة في عصر النهضة في أوروبا.  ومن إيطاليا انتشرت أعمال “ابن الهيثم” إلى باقي أوروبا،  فظلت تدرس في الجامعات إلى ما بعد القرن الرابع عشر (14) الميلادي.

من الصعب تاريخيًا تقفي أثر علم البصريات بعد انتقاله إلى أوروبا. لكن يُعتقد أن الباحثين في علم البصريات في جامعة ” أكسفورد ” (في انجلترا) هم الذين احتضنوا أطروحة “ابن الهيثم” فبنوا على الأساس الذى وضعه العالم المسلم الشهير.

 

النظارة الطبية:

برع المسلمون في صناعة الزجاج واحتكروها ردحًا طويلًا من الزمن.  وبلغ التقدم في صناعة الزجاج أوجه في “القسطنطينية” (“اسطنبول” حاليًا- في تركيا). إذ عرف المسلمون أن إنتاج زجاج نقي يتطلب استخدام عناصر كيميائية نقية،  وأن إضافة قدر قليل من الرصاص إلى عجينة الزجاج أثناء صناعته تزيد من بريقه وجماله ونصاعته. وابتكروا كذلك فرشاة خاصة لتلميع الزجاج بعد صنعه.

وفي القسطنطينية صنعت العدسات كذلك. ولكنها كانت تنتج بأعداد قليلة لتفي بحاجة دور العلم ومراكز البحث إلى العدسات. ولم يكن إنتاج العدسات في القسطنطينية لأغراض تجارية ولا لأغراض الاستخدام الطبي.

أثناء الهجمة الصليبية الرابعة على الدولة الإسلامية، حوالي عام 1204 م، هاجم جيش من إيطاليا مدينة القسطنطينية. [نفس الجيش كان معدًا لغزو “ديار المسلمين المقدسة” (مكة المكرمة والمدينة المنورة). ولكنه غيّر مساره إلى القسطنطينية].  وقد أسر الفاتحون الإيطاليون عددًا من مهرة الصناع في كل حرفة وفن، وأرغموهم على الحياة في إيطاليا.  وعلى يـد المسلمين البارعين في صناعة الزجاج، نمت تلك الصناعة في إيطاليا.  وتحول مركز ازدهار صناعة الزجاج من القسطنطينية إلى ” فينيسيا ” في شمال إيطاليا، بحلول منتصف القرن الثالث عشر (13) الميلادي.

وفي إيطاليا، ازدهرت صناعة العدسات جنبًا إلى جنب مع صناعة الزجاج، في نفس الوقت الذي تقدمت فيه المعرفة بالبصريات إلى الحد الذى مكّن من إنتاج عدسات لأغراض معينة، مثل العدسات المكبرة.

من غير المعروف متى ظهرت النظارة الطبية بالدقة، ولا من كان صاحب فكرتها. والدليل التاريخي على أول نظارة طبية هو رسم (لوحة) لراهب إيطالي يدعى “توماسو دا مودينا” “Tommaso da Modena”، يرجع تاريخه إلى عام 1352م.

على أي حال، فليس غريبًا أن تظهر النظارة الطبية في أول أمرها في إيطاليا، التي تحولت إلى مركز مزدهر لصناعة الزجاج وإنتاج العدسات.

في البداية لم تكن تصنع النظارة الطبية وفق وصفة طبية.  بتعبير آخر فإنها لم تكن تصنع لتصحيح عيب معين من عيوب الإبصار.  وإنما كانت تهدف إلى تكبير المرئيات بحيث تصبح أوضح للناظر.

بحلول القرن الرابع عشر (14) الميلادي، كانت النظارة الطبية منتشرة في إيطاليا. ومنها انتقلت إلى باقي بلاد أوروبا. والعجيب أن العرب الذين كانوا سببًا في إمكانية إنتاج نظارة طبية، لم ينقلوا ذلك عن الإيطاليين إلى بعد زمن طويل!

مع بزوغ عصر النهضة في أوروبا، والتقدم العلمي والفني الذي واكب ذلك، أمكن صناعة عدسات ذات مواصفات دقيقة لكافة الأغراض.  وكان ذلك مما هيأ المناخ المناسب لظهور نظارة طبية متخصصة (أي تداوي عيوب الإبصار). وقد ظل إنتاج العدسات في النظارة الطبية يدويًا إلى قرب نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر (19) الميلادي! ثم جاء القرن العشرين بفيض من الآلات والاختراعات التي مكنت الإنسان من إنتاج نظارة طبية غاية في الدقة وفي زمن وجيز.

 

مراجع:

Ilardi, Vincent (2007), Renaissance Vision from Spectacles to Telescopes

Rosen, Edward (1956), “The invention of eyeglasses”, Journal of the History of Medicine and Allied Sciences



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك