مجانية التعليم في مصر، بين الحقيقة والخيال

28 مايو , 2017

 

في مطلع عام 1950، صدر مرسوم ملكي بتعيين “طه حسين” وزيرًا للمعارف، إلا أنه رفض تسلم مهام وظيفته إلا بعد استكمال قرار مجانية التعليم ليشمل التعليم الثانوي، مما اضطر رئيس الحكومة حينها “مصطفى النحاس” للاستجابة لمطلبه. فأعد عميد الأدب العربي فقرة ليلقيها النحاس في خطاب العرش أمام الملك قال فيها: “خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة، التى تنفعه وتنفع الناس، وتحفظ على المواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التى تتيح لهم الجهاد المنتج فى سبيل الرقى والتقدم، ولذلك فهي لن تبخل بأى جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع فى مجانية التعليم، حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقًا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، وقد قررت فعلًا مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني منذ اليوم”.

ولم تكن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها ل”طه حسين” لفرض مجانية التعليم كأساس للنظام التعليمي في مصر، بل كانت خاتمة نضال امتد لسنوات طويلة وآتى أولى ثماره عام 1944 عندما صدقت الحكومة على قرار بمجانية مرحلة التعليم الابتدائي، وانتهى بتوليه المعارف ودخول التعليم الثانوي تحت مظلة التعليم المجاني وتطوير نظام التعليم لينافس نظيره في أوربا، مطبقًا بعض طموحاته للرقي بالتعليم المصري، والتي نشرها سلفًا في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” عام 1938 كمحاولة لتحقيق حلمه الأكبر بأن يصبح التعليم في مصر كالماء والهواء، فأتى بمدرسين من فرنسا وإنجلترا لتعليم الطلبة اللغتين الفرنسية والإنجليزية وأقر للطلبة تغذية كاملة ويومًا دراسيًا كاملًا. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها عميد الأدب العربي، إلا أنه لم يستطع ضم التعليم الجامعي لقائمة التعليم المجاني نظرًا لمعارضة التاج الملكي آنذاك، ليقرها “جمال عبد الناصر” عام 1962. وبعد ثورة 1952، صار التعليم الابتدائي إجباريًا بنص الدستور، وأصبح لجميع المصريين الحق في التعليم كما أصبح من مسؤولية الدولة توفيره لرعاياها.

مجانية التعليم في دستور 2014

نصت النسخة الأخيرة للدستور المصري بنص المادة 19 على”التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه فى مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقًا لمعايير الجودة العالمية. والتعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقًا للقانون. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها”.


وزير التعليم وتصريحات مثيرة للجدل

ومع ذلك، وفي لقاء مع وزير التربية والتعليم الحالي “طارق شوقي”بأحد البرامج الحوارية، صرح بمعارضته مجانية التعليم قائلًا: “التعليم في الحقيقة ليس مجانيًا، والأهالي يصرفون على أبنائهم في الدروس الخصوصية، أنا ضد المجانية لأنها غير مقنعة”. كما قارن مجانية التعليم في مصر بنظيرتها في الصين موضحًا أن الصين تمنح التعليم المجاني للطلبة حتى المرحلة الإعدادية فقط. أثارت هذه التصريحات الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، كما طرحت العديد من الأسئلة حولها لدى لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان فدعته للمثول أمامها لمناقشته. وفي لقاء له مع جريدة اليوم السابع، أوضح “شوقي” بأنه ليس ضد مجانية التعليم، وأردف قائلًا “لكن علينا مراجعة كلمة المجانية بما يتفق مع موارد الدولة، كما أن الدولة تؤكد على تلك المجانية؛ فى الوقت الذى تنفق فيه الأسر المصرية قرابة الـ30 مليار جنيه على الدروس الخصوصية، لكن”هذه المجانية ليست موجودة على أرض الواقع”.

ومع الأسف، تحمل تصريحات وزير التربية والتعليم قدرًا من الحقيقة ففي دراسة أعدها “مجلس السكان الدولي” حول مجانية التعليم والتطبيق الفعلي لها، ومدى التوزيع العادل للالتحاق بالجامعات بين طبقات المجتمع المختلفة، كانت المفاجأة أن فرصة الطلبة الأغنياء للالتحاق بالجامعة تصل إلى 7 أضعاف الطلبة الفقراء، وترتفع لتصل إلى 10 أضعاف لصالح طلبة المدينة الأغنياء مقارنة بالطلبة محدودي الدخل بالريف. وتصل تكلفة الدراسة بالكليات العملية ضعف نظيرتها من الكليات النظرية بمتوسط من 5000-8000 جنيه سنويًا، معظمها مصاريف غير مباشرة، تتضمن الكتب الجامعية التي يتراوح سعر الكتاب الواحد منها ما بين 20 و150 جنيهًا فضلًا عن المذكرات والدروس الخصوصية والمستلزمات الدراسية، إضافة إلى التكاليف الشخصية للطالب شهريًا.

وتتطرق الدراسة إلى أن مجانية التعليم فشلت في تذليل العقبات أمام الطلبة المحدودي الدخل للالتحاق بالجامعة ويظهر النظام التعليمي تمييزًا ضمنيًا ضد الأقل دخلًا، والذي يبدأ بالظهور تدريجيًا فيما بعد المرحلة الإعدادية. ويرى الدكتور “ماجد عثمان” وزير الاتصالات الأسبق، أن منظومة التعليم في مصر معقدة للغاية، كما أن سياسة التعليم لم تحقق العدالة المنشودة. فعلى أرض الواقع، تظل فرص الأغنياء للحصول على مكان بالجامعة هي الأكبر، والمحصلة عدم استفادة الفقراء من مجانية التعليم، مما يستدعي فرض سياسات تتحيز للفقراء ولا تدعم الأغنياء، مدللًا بأن معدل الإلتحاق بالتعليم الابتدائي يتساوى فيها الفقراء مع الأغنياء طبقًا للإحصائيات بينما تقل هذه النسبة لصالح الأغنياء في المرحلتين الإعدادية والثانوية اللتان تتطلبان تكاليفًا ليس في وسع الفقراء تحملها، وبالتالي لا يستفيدون من مجانية التعليم في كافة مراحله وتذهب الأموال التي تنفقها الدولة لصالح التعليم للأغنياء فقط.

ويري “عثمان” أن السبيل لتحقيق العدالة في الالتحاق بالجامعة هو بتطوير المنظومة التعليمية لمرحلة التعليم الأولى، إذ إن السبب الرئيسي وراء التحاق القادرين بالجامعة هو قدرتهم على تحمل تكاليف الدروس الخصوصية بعكس محدودي الدخل، وبالتالي يصبح تحسين منظومة التعليم ضرورة وبخاصة في الأماكن الفقيرة.

تكدس الفصول، حلول باهظة الثمن

في عام 2014 وصل عدد الطلبة بالمرحلة الابتدائية إلى ما يقارب العشرة ملايين طالب، في حين كان عدد المدارس الابتدائية حوالي 17,600 بواقع 570 طالب لكل مدرسة تقريبًا. ووصل التكدس بالفصول إلى ما يزيد عن 75 طالب للفصل الواحد بالمناطق العشوائية، ولا يختلف التعليم الإعدادي والثانوي كثيرًا، مما يعوق العملية التعليمية ككل ويؤدي إلى زيادة نسبة التسرب، وبالتالي يلجأ أولياء الأمور إلى أحد خيارين كلاهما مكلف للغاية، إما الدروس الخصوصية أو المدارس الخاصة.

الدروس الخصوصية.. شر لا بد منه

في مطلع العام الدراسي 2015-2016 اتخذت وزارة التربية والتعليم قرارًا بإلغاء مراكز الدروس الخصوصية الغير مرخصة. وكانت المفاجأة بخروج طلاب الثانوية العامة في مظاهرات للمطالبة بعودتها بعد أن تحولت إلى مدارس بديلة. وفي التصريحات الأخيرة لوزير التربية والتعليم قال بأن الدروس الخصوصية تكلف الأسر المصرية حوالي 30 مليار دولار سنويًا. ومع ذلك تحولت إلى ضرورة لا غنى عنها في ظل تراجع دور المدرسة، فتلجأ إليها الأسرة أملًا في ضمان مستقبل أفضل لأبنائها حتى وإن كان هذا يعني آلاف الجنيهات سنويًا.

ومن ناحية أخرى، تحاول وزارة التربية والتعليم الحد من انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية بإقامة مجموعات مدرسية خاصة للطلبة، يختار فيها الطالب المادة والمدرس، إلا أنها لا تجدي نفعًا نظرًا لتدهور رواتب المعلمين، وارتفاع الكثافة بالفصول، واعتماد التعليم في مصر بشكل عام على الحفظ والتلقين، والأهم من ذلك هو تضاؤل فرص الالتحاق بالجامعة أمام الطلبة من ذوي الدرجات المتدنية، مما يدفع الأسرة لتوفير الدروس الخصوصية لأبنائها، وهو ما يعني اقتطاع 1000 جنيه من ميزانية الأسرة فى المتوسط ويذهب بمبدأ مجانية التعليم أدراج الرياح.

المدارس الخاصة.. منافسة غير عادلة

ومع تدني مستوي التعليم بالمدارس الحكومية، تلجأ الكثير من الأسر للمدارس الخاصة وهو ما يجعل الإقبال عليها يزداد عامًا بعد عام رغم ارتفاع تكلفة الدراسة بها والتي تصل لمتوسط 5000 : 10000 جنيه سنويًا. وتعتمد المدارس الخاصة أساليب متعددة لجذب اهتمام أولياء الأمور، كالمناهج المعاصرة التي تعتمد على الطريقة الغربية وتضع فى الحسبان تطوير المناهج باستمرار لتواكب التطور الحضاري، إضافة إلى اختيار مدرسين على أعلى مستوى ومنحهم أجورًا مجزية. كما لا تتعدي كثافة الفصول بها 35 طالبًا بحد أقصي، وتعتمد المدارس الخاصة على أساليب مبتكرة فى التدريس معتمدة بصورة أكبر على الفهم والتبسيط بعكس الحفظ والتلقين المتبع في نظائرها من المدارس الحكومية، وأخيرًا يأتي الدور الكبير الذي تلعبه المدارس الخاصة في تنشئة طلابها بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل، وهو ما لا تضعه المدارس الحكومية في الحسبان.

لماذا التعليم دائمًا؟

في عام 2015، صنفت فنلندا كأقوى دولة في التعليم عالميًا. وفي لقاء مع وزير التعليم الفنلندي السابق “بار ستانباك”، طلب منه أن يلخص سر التميز الفنلندي في مجال التعليم فأجاب قائلًا: “هذا يحتاج 150 عاما من ترسيخ احترام التعليم ومهنة المدرس”. والواقع أن إجابة الرجل عبقرية للغاية وتلخص الخطوة الأولى لإصلاح النظام التعليمي في مصر برمته وليس مشكلة مجانية التعليم فحسب، فالحقائق “المهينة” بشأن التعليم المصري كثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبلغ ميزانية البحث العلمي في مصر حوالي نصف مليار دولار وهو ما يعادل نصف ما تنفقه جامعة أمريكية واحدة في البحث العلمي أيضًا وهي جامعة “يال”!

والحقيقة التي لا جدال فيها أنه لا تقدم بغير تعليم. وهو ما أدركه حتى من وصمهم التاريخ بالديكتاتورية كهتلر مثلًا، إذ عمل على نشر أفكار النازية خلال نظام تعليمي صارم ليضمن ولاء الجيل الجديد. وفي إحدى خطاباته عام 1936، وجه حديثه لمعارضيه قائلا:”حين يُعلن أعداؤنا أنهم لن ينضموا إلى صفوفنا؛ أقول لهم بكل هدوء: إن أبناءكم بيننا بالفعل. من أنتم؟ أنتم ستموتون، لكن أبناءكم يقفون الآن في المعسكر الجديد. في وقت قصير لن يعرفوا غير هذا المجتمع الجديد”.

ومن وجهة نظر الدكتور “جابر نصار” رئيس جامعة القاهرة فقد أصبحت مشكلة التعليم المصري أعمق من مجرد فكرة المجانية التعليمية، بحيث أصبح التعليم هو المشكلة الرئيسية في مصر والتي لا يمكن حلها إلا بحلول غير تقليدية وبأفكار من خارج الصندوق. والواقع أن الحلول موجودة وسبق تطبيقها في العديد من الدول كاليابان وسنغافورة وماليزيا، إلا أن الرغبة في الإصلاح نفسها تبقى محل تساؤل.


المصادر:
12345



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك