مراجعة كتاب “هكذا ربانا جدي” لعابدة المؤيد العظم

21 مارس , 2018

جاء الكتاب في مقدمة وتسعة فصول فتلك عشرة كاملة، كتبته عابدة ليكون نبراسًا للمربين يعينهم ويرشدهم ويكون منهاجًا لهم وعملًا صالحًا لا ينقطع أجره، وهو كتاب مجمع لمقالات نشرتها الكاتبة على مدار عام في مجلة الكويتية، فانتظمت في كتاب كحبات العقد النفيس نشرته دار المنارة عام 1998.

 

فتارة تتحدث عن أساليب التغلب على ملل الأطفال وتهربهم من المسؤوليات، وغيرها من المواقف الكثيرة اليومية والمتكررة بطريقة إبداعية، وكيفية التعامل معها، ونجعل منها فرصة لغرس القيم والمبادئ التربوية القويمة.

جاء الكتاب سلسًا رقراقًا بأسلوب رشيق جاذب لقارئه، ويحوي دررًا من الإرشادات والمبادئ تبتدئ بها كل مقالة وتدعمها بمواقف تربوية حقيقية لجدها، فهو كتاب لا غنى عنه لكل مربٍ ومعلم يسعى لتنشئة جيل سليم.

 

ابتدأت الكاتبة الكتاب بفصل تناولت فيه ملامح شخصية جدها واعتزازه بالقراءة حتى كان يقرأ فوق 8 ساعات يوميًا، ويدفع أحفاده للقراءة في أمهات الكتب وهم بعد أبناء عشر، فعلى المربي أن يكون قارئًا مداومًا على الاطلاع. كذلك تحدثنا عن تواضعه وتقبله للنقض وطلبه حتى من أحفاده، وتكشف لنا جانبًا آخر فمثلما عرفه الناس عالمًا وكاتبًا وخطيبًا تطلعنا على جانبه التربوي بصفته جدًا ومربيًا ومرشدًا، ثم تناولت معاملته مع الصغار وانتقلت في الفصول التالية لتفصل لنا منهجه التربوي، الذي ينقسم إلى دعامتين: بناء الإيمان العميق، وزرع الإحساس الدائم بمراقبة الله وذلك بـ”ربط أحداث الحياة اليومية بمراقبة الله والخوف منه”، وتقويم المفاهيم الخاطئة، فلا توجد مثلًا “كذبة بيضاء”.

 

كان يرى أن العقاب يتم بالحزم ودون صياح يفقد المربي هيبته، أما الضرب فهو على حد قول الكاتبة آخر الدواء الكي فيكون للتأديب لا للانتقام وفي أضيق الحدود. وتشير إلى ضرورة النزول لمستوى الصغار؛ كي نفهمهم ونفلح في توجيههم دون انفعال، مع ضرورة مراقبة سلوكياتهم خفية؛ لمعرفة طباعهم وكيفية توجيههم وإصلاح الأخطاء في بدايتها، والتي تعدها الكاتبة من أهم الأساليب التربوية وتعزز الثقة بين الأطفال وآبائهم، فتخبرنا الكاتبة: “كان يراقبنا دائمًا ليتأكد من انطباعاته عن كل واحد منا: كيف نقضي وقتنا؟ ما هي هواياتنا؟ وكيف نستفيد من قدراتنا؟ كيف نتعامل مع الآخرين صغارًا وكبارًا؟ ما هي النواحي الإيجابية في سلوكنا وما هي النواحي السلبية؟”.

 

تؤكد الكاتبة أن صدق المربي يدفع إلى نقل فضيلة الصدق لدى الطفل، فتذكر كيف كانت تتألم وترفض تناول دواء مرًا، فأخبرها جدها بأنه بالفعل “كريه ولا يمكن شربه، بل إن طعمه لا يطاق” ولم يستطع تناوله لكنه رجا أن تكون أمضى منه عزيمة فتقدم على تناوله كي تنعم بالشفاء، فما كان منها إلا أن فعلت.

 

تنتقل الكاتبة لتتحدث عن أهمية الثناء فلا يخلو طفل من صفة حميدة، وبالثناء عليها يتشجع الطفل على بذل المزيد من الجهد؛ كي يداوم عليها ويستزيد منها فتحكي كيف كان جدها يحتفظ بمجموعة من الأشياء أطلق عليها النفائس، وهي “مجموعة من الطرائف والهدايا متنوعة الأشكال والأحجام والأنواع”، ويمنحها مكافأة أو للتشجيع، أما إبداعه في التحفيز فقد ظهر في منحه لشهادات تقدير لأي عمل متميز يقوم بيه أحد الأحفاد، كأن يصنع الشاي دون مساعدة أو يرتب المائدة بنظام.

 

ومثلما أبدع في الثواب تميز بأساليبه في التأديب والعقاب، فقد حذر من الإفراط في التهديد والعقاب وشجع على استخدام أسلوب التشجيع والتحفيز والمكافآت واختيار أسلوب الإقناع المباشر وغير المباشر بالإيحاء وعن هذا تقول الكاتبة: “لا يمكن أن تكون التربية دائمًا بالتهديد والوعيد والإجبار، بل الأولى أن نجعل أطفالنا يسلكون الطريق الصحيح وكأنه بأنفسهم (وليس بإيحاء منا) مما يجعلهم يتمسكون به في حضورنا وغيبتنا ويحرصون عليه في كل الأوقات”.

 

وتشير الكاتبة أن العقاب بحزم وتجنب العواطف وعدم تدليل الطفل أجدى أن يؤتي ثماره. وتحذر الكاتبة من التفرقة في المعاملة حتى لا يثير الأمر البغض والكراهية والحسد والغيرة بين الأشقاء، وتشير إلى أهمية الإنصاف ليس فقط في المعاملة لكن أيضًا في تحقيق العدل للمظلوم ورد العدوان، محذرة من أن عدم اتخاذ قرار سريع قد يؤدي إلى آثار سلبية يصعب التعامل معها بعد ذلك.

 

وتذكر الكاتبة موقفًا عندما كانوا يوزعون الحلوى على أقاربهم، وجدوا أن أبناء أقاربهم يحتفظون بحلواهم ولا يوزعون منها مثلما يوزعون، فاستاء الجد من أنانيتهم وطمعهم وعدم تدخل الآباء رغم ملاحظتهم ما جرى؛ فما كان منه إلا أن جمع الحلوى من جديد منبهًا الآباء إلى أن هذا من البخل والأثرة ويغضب الله ويجب عليهم تقويم أبنائهم، لذا تقول الكاتبة إن الخطأ الذي يرتكب أمام الجميع يجب تصحيحه أمام الجميع.

 

ثم تنتقل الكاتبة فتتحدث عن ضرورة تنمية الشخصية والمواهب مشيرة إلى أن جدها كان يكلفهم بمهمات أكبر من أعمارهم متخذًا من المرح شعارًا يجعل من المهمة الصعبة أمرًا يسيرًا، لكنها تستدرك فتقول إن على المربي أن يحسن التعامل إذا حدث خطأ يتناسب مع عمر الطفل وليس إهمالًا منه وعبثًا فتقول: “من تمام التفويض أن نقبل صواب المفوض وخطأه”.

 

ومثلما نعنى بالشخصية فلا ننسى أن نعنى بصحة الجسم، فتنصحنا قائلة :”اهتموا بصحة أبنائكم وقوة أجسامهم، وعلموهم كيف يدافعون عن أنفسهم إذا اضطروا للدفاع عن أنفسهم، ولكن تأكدوا أن يكون استعمال ما لديهم من قوة ومهارة للدفاع ورد الأذى لا للعدوان على الآخرين”.

 

وتختتم الكتاب بالحديث على ضرورة الحفاظ على الآداب الإسلامية والاجتماعية ونشر القيم والمبادئ القويمة عبر الجلسات العائلية، مثل احترام المواعيد والمحافظة على النعمة وربط الطفل بالكتاب والقراءة مشيرة في النهاية إلى أن سر نجاح كل ذلك يكمن في “الدأب والمتابعة” ناصحة بعد السأم أو الإحباط والمواظبة على تكرار التوجيه والإرشاد وتقديم الدعم.

 

نبذة عن المؤلفة:

أستاذة جامعية في قسم الشريعة، وباحثة ومؤلفة في الفكر والتربية والفقه والقضايا الاجتماعية، لها من الكتب خمسة عشر كتابًا ولها عدد من البرامج التليفزيونية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك