مشاكل التعليم التطبيقي عربيًا: كيف نصل لبيئة عملية منهجية للطلاب؟

14 مارس , 2016

“قل لي وسوف أنسى، أرني ولعلني أتذكر، أشركني وسوف (أفهم)”

 تؤكد هذه الحكمة الصينية، على الهدف الأساسي من التدريب العملي والتطبيقي في الجامعات والمعاهد، وبصورة عامة، والذي يلعب دورًا كبيرًا في تحديد قدرات وخبرات الخريجين بمختلف تخصصاتهم، وهو ما يمكن اعتباره عامل حسم مهم في تكوين الإنسان القادر على الإسهام مهنيًا في تنمية المجتمع والنهوض به وتطويره.

لكن! لا تبدو هذه الحكمة هي المطبقة فعليًا في أنظمتنا التعليمية العربية، جُلها إن لم يكن كُلّها، تجد فيها وبدلًا من أن يكون الشطر الأخير في حكمتنا السابقة “أشركني وسوف (أفهم)” متحولًا لـ”أشركني وسوف (أسرق)!”.

 السرقة هنا بطرق عدة، بدءً بسرقة جهود الآخرين في المشاريع العملية الطلابية، وصولًا لشراء أعمال معدة في ورش مهنية تباع في الأسواق، فباتت هذه السرقة ومع الزمن حق مشروع للطلبة، وباتت توفر لهم في الأسواق العربية، ومقابل ثمن، أغلب الواجبات العملية والمهام المكلفين بها من قبل أساتذتهم ومعلميهم، والخاسر بسبب هذا القصور والخلل في بيئتنا العربية العملية، في المدارس والمعاهد والجامعات، قائمة تطول؛ بدءً من المعلم، وليس انتهاءً بالطالب محور العملية التعليمية.

مشاكل الطلاب العرب في العمل التطبيقي

يشير الباحث المصري، “محمد حجاج” المختص في مجالي الهندسة الكهربائية والميكاترونيات، لأسوأ مشكلتين قد يتعرض لهما الطالب العربي في العمل التطبيقي مع الآخرين في الورش الخاصة في المجالات الهندسية، وهما: عدم القدرة على العمل ضمن مجموعة طلاب، والتساهل في المسئوليات الموكلة إليه وتباع الطريق الأسهل للخلاص من المهام.

أشركني وسوف أسرق!

ويتطرق حجاج لأضرار وسلبيات قيام بعض الطلبة بالاعتماد على الورش الخاصة أحيانًا، وبشراء الأعمال والتجارب الموكلة إليهم لينسبونها لهم حينًا آخر، يعتقد بأن أحد أسباب هذه المشكلة هي طرق التقييم المتبعة في التعليم “الطالب يعلم تمامًا أن الأستاذ يريد أن يرى النتيجة فقط، وأنه لا يهتم لكيف تم الحصول عليها، لذا يسلك الطريق الأسهل ويعتقد بذلك أنه “ذكي”.

ويرى بأن الأمر هو العكس في الحقيقة، ويقول للطالب الذي يسلك هذه الطرق: “أنت الشخص الوحيد الخاسر هنا، أن لم تستفد أي شيء، ولم تتعلم أي شيء”.

ويلفت إلى أن الأدهى من ذلك، “أن الكثير من الأساتذة يعلمون أصلًا بهذا الأمر، ولكن لا يلقون له بالًا، والنتيجة أن الأمر يزداد سوءً بمرور الوقت. المشكلة لا تقتصر فقط على سنوات الدراسة، هذا السلوك سيستمر مع الشخص طوال حياته بعد ذلك، لذا لن يجد مشكلة مثلًا في الرشاوي لإنجاز عمل معين”.

ويعتقد بأن الحل المناسب لهذه المشكلة بأن “يتم التقييم بصورة مختلفة، أشد انضباطًا، وأن يتم اتباع أشد درجات القسوة مع من يُكتشف أنهم قد قاموا بهذه “السرقة” لمجهود الآخرين الذي ينسبونه لأنفسهم، بعد أن دفعوا لهم أموالًا مقابل ذلك!”.

 داء التشجيع الفردي في التعليم العربي

ويرى حجاج بأنه ومع تعقد بيئات العمل في عالمنا العربي، فإن إنجاز أهداف كبيرة من المستحيل أن يتم بصورة فردية، بدايةً من مشروع عملي في المدرسة، وانتهاءً بمشروع لبناء مدينة جديدة. ولا يعتقد بأن الأنظمة التعليمية في العالم العربي تولي الاهتمام الكاف لهذه النقطة الحرجة، حتى نظام التقييم نفسه خلال سنوات الدراسة يعزز من الفردية؛ (فلان هو “أحسن” طالب، فلانة هي الأولى.. وهكذا عم الداء).

ويلفت إلى أن التشجيع الفردي بصورته الحالية، في المدارس العربية، ينتج أفراد لا يستطيعون الالتحام بفريق ليصبحوا جزء منه، فهم؛ “لا يرضيهم أن يكونوا أجزاء في عمل كبير، هم يريدون أن يكونوا “الكل”، النجم الذي تسلط عليه الأضواء، مما يؤدي حتمًا لانهيار الفريق. أيضًا، من المعلوم بالضرورة أنك عندما تعمل في مجموعة جيدة، فإنك تتعلم أضعاف ما قد تتعلمه بمفردك في وقت أقل، وتنجز معها أهداف ببساطة قد تكون مستحيلة على فرد”.

ويعتقد بأن أحد الحلول لهذه المشكلة هو “دمج فكرة العمل الجماعي في كل مراحل التعليم، وذلك بعمل مشروعات جماعية إجبارية – لكل المواد الدراسية إن أمكن – خلال سنوات الدراسة. مثلًا بدلًا من أن يطلب الأستاذ في الجامعة من كل طالب أن يجهز عرض تقديمي لمادة علمية معينة، أن يقوم بتقسيم الصف الدراسي إلى مجموعات، ويكون مطلوب من كل مجموعة القيام بتلك المهمة، وستكون الدرجات على أساس النتيجة النهائية لعمل المجموعة، وليس للأدوار الفردية، إما أن ينجح الكل أو يفشل الكل.. الوضع قطعًا سيختلف”.

كيف نصل لبيئة عملية منهجية للطلاب؟

وعن كيف يمكننا إيجاد بيئة عمل قائمة على المنهجية العلمية، التي تشجع على التفكير الإبداعي، والابتكار، في مجالات التقنية بكافة مجالاتها؟ يرى حجاج بأن ذلك يتم “بتوفير التمويل والإمكانيات المعملية، والأهم من ذلك في مجال الذكاء الاصطناعي بالذات هو توفير الكوادر البشرية القادرة على تدريسه بصورة صحيحة”.

ويعتقد بأن النظام التعليمي في المرحلة الجامعية لابد أن يدور بكليته حول فكرة تنمية مهارة البحث العلمي لدى الطلبة كهدف نهائي من العملية التعليمية، وليس مجرد حشو معلومات. ويرى بأن “تحقيق هذا الأمر يتطلب الكثير في الحقيقة، بداية من تغيير النظام الذي تدرس به المواد، مرورًا بمحتواها، وصولًا لتوفير الكفاءات العلمية والمقومات العملية التي تساعد على ذلك”.

الجامعة ليست مصدر وحيد للتعلم!


ويلفت حجاج إلى أن تهيئة الطالب، لمواجهة العالم الحقيقي المليء بالتقلبات التكنولوجية والتقنية الحديثة، بعد تخرجه من المدرسة أو الجامعة، تكمن “بألا يعتمد على الجامعة أو المدرسة كمصدر وحيد للتعلم! في هذا العصر، إن تأخرت عن الركب لعدة شهور، فربما لن تستطيع اللحاق به للأبد”.

ويرى بأن “المهارة الأساسية التي يجب أن يركز عليها الطالب منذ سن مبكرة هي أن يتعلم كيف يتعلم بمفرده، كيف يقرأ ويبحث في المصادر العلمية بمفردة، ويستخلص المعلومات بدون مساعدة، وكيف يستغل التكنولوجيا الحديثة – الإنترنت مثلًا – في مساعدته على ذلك”.

وينوّه حجاج إلى نقطة أخرى هي “بما أن العلوم الآن تكاد تكون متوفرة حصرًا باللغة الإنجليزية، والمحتوى العربي للأسف يكاد يكون منعدم، فإن إتقان اللغة الإنجليزية هو متطلب لا مفر منه إن كان الشخص جاد في محاولة الإلتحاق بركب التقدم. التحديات التي قد تعيق ذلك هي، مرة أخرى، النظام التعليمي نفسه؛ الذي لا يشجع على تنمية كلتا هاتين المهارتين. أنظمتنا التعليمية تحتاج لتطوير جذري”.

مختبرات لا تحتاج أكثر من حاسوب!

وحول المختبرات العملية، والتقنيات والتكنولوجيات الأخرى، ومستلزمات الطلاب المتعلقة في مجال التدريب، من الحقائب التدريبية، والبرامج الخاصة، والتي تُمكن الطلبة من تصميم وبرمجة تجاربهم من خلالها، يفيد حجاج بأن بعض هذه المختبرات “لا تحتاج لأكثر من جهاز كومبيوتر –حاسوب-، والبعض الآخر تحتاج معمل مجهز بتكلفة عدة ملايين من الدولارات”.

ويلفت إلى أنه وبالنسبة للطلبة فالأمر أسهل بكثير، “هناك بالفعل الكثير من الحقائب التدريبية، التي تباع لتجارب الروبوتات –مثلًا- يمكن شراؤها، ولكنها تكون غالية للأسف بالنسبة لبعض الناس. البديل في هذه الحالة أن يتعلم الشخص القليل من أساسيات الإلكترونيات ويقوم بعمل روبوت صغير بنفسه، الموضوع سهل بالمناسبة، وسيكون سعر الروبوت في هذه الحالة رخيص جدًا”.

ساهم.. وأترك اثرًا


ويتطلع حجاج أن يصل التعليم في العالم العربي لمستوى عالمي؛ يجعل تدفق الطلبة في الاتجاه العكسي: “بدلًا من أن يسافر الطلاب العرب للدراسة في الخارج، يأتي الطلاب الأجانب للدراسة في الجامعات العربية. الأمر يحتاج للكثير من المجهود والتخطيط، والتعلم من النماذج التعليمية الناجحة في الدول المتقدمة، ولكنه بكل تأكيد سيؤتي ثماره”.

ويقول في رسالته للطلاب العرب بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم التقنية: “(اقرأ!) تعرف على العالم، تعرف على الاتجاهات البحثية الحديثة، لا تكتفي بأن تلعب دور المشاهد والمستهلك لما ينتجه الآخرون لأنك بذلك تكون مجرد عالة على العالم، ساهم وغير، أترك اثرًا”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك