معالم تربوية من سير الأئمة الأربعة – ج 2

14 نوفمبر , 2016

المَعلم الثالث: حق العلم

اشترك الأئمة كذلك في تقدير العلم حق قدره، من حيث هو أمانة تستوجب من حاملها التزامات خاصة أهمها ترك الانشغال بالسفاسف وتنزيه النفس عن المعاصي والذنوب التي تذهب بنور القلب، ومن حيث إجلال منزلته كأشرف العلوم (العلم بالله وكلام رسوله)، ومن حيث التواضع لمزيد من التعلم.

فنرى الإمام أبا حنيفة يبتدره الإمام الشعبي بنصيحة غيرت مجرى حياته، إذ كان أبو حنيفة في شبابه منشغلًا بالتجارة والاختلاف للتجار، فقال له الشعبي: “عليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة وحركة”. وهكذا كان. فنبغ أولًا في علم الكلام والمناظرة من حيث مجادلة المنحرفين وأصحاب الأهواء من أهل الباطل، ثم تحول لدراسة الفقه والشرع على يد الشيخ “حماد بن سليمان” صاحب كبرى حلقات المسجد الجامع بالكوفة. فكان يسمع مسائله فيحفظها، ثم يعيدها عليه في الغد كاملة، حتى قال شيخه “لا يجلس في صدر هذه الحلقة غير أبي حنيفة”. ورفض تولي منصب القضاء في عهد بني أمية وبني العباس على السواء خشية أن يُستغل في خدمة السلطان، وحُبس وعُذب في ذلك لكنه أبى إلا أن يظل متفرغًا لحلقاته وتلامذته. وكان إذا زار أحدًا مَدينًا له ليسترد الديْن، يرفض الانتظار في ظل جدار منزله، متمثلًا حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام “كل قرضٍ جر نفعًا فهو ربًا”. ومن مأثوره إذا أفتى أن يقول “أرجو أنه كذا”، و”هذا أحسن ما قدرنا عليه، فمن جائنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب”.

ولم يغير جريان الرواتب من مبادئ الإمام مالك ولا أخافه في الحق لومة لائم، وفي ذلك يقول: “والله ما دخلت على أحد من أهل السلطان إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق”. فلم يكن يقبل أن يذهب لأحد من الخلفاء إذا دعاه ليدارسه، بل كان دائم الترديد “العلم يؤتى ولا يأتي”، توقيرًا لما حمّله الله من أمانة العلم ومكانته، فالعلماء ورثة الأنبياء، وحثًا للخلفاء على أن يوقروا العلم ويرفعوا قدره لتظل له هيبته لدى العامة. ومع هذه الهيبة والعزة والكرامة والتوسعة التي وسع الله بها عليه، كان شديد التواضع في تعليمه يقبل الرد في الحق، ولا يفتي حتى يختم فتواه بقوله تعالى “إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ“. ومن مأثوره “ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يقذفه الله في القلب”.

والإمام الشافعي يقول: “ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعةً اطّرحتها (يعني لم يعد لتكرارها)؛ لأن الشبعَ يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة”. وكان يقسم ليله ثلاثة أقسام: يكتب أوله، وينام منتصفه، ويقوم آخره. ومن مأثوره “ليس العلم ما حُفظ إنما العلم ما نفع” .

والإمام أحمد حكى عنه ابنه أنه “كان أصبر الناس على الوحدة، لا يُرى إلا في مجلس علم أو عبادة أو جنازة أو عبادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق”. وكان شعاره “مع المِحْبَرة إلى المقبرة”. ومن مأثوره “عجبًا لطالب علم ليس له ورد من الليل” أي القيام. ولما سئل بماذا تلين القلوب؟ قال “بأكل الحلال”.

ويشترك الأربعة في صفات السكينة والوقار في مجالسهم وخاصة أنفسهم، فلم يكن منهم مَزّاح ولا صَخّاب. وقد أرسى الإمام مالك في ذلك قاعدة “حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية”.

وكلهم هجروا اللغو وفضول الكلام والجدال والقيل والقال. فيقول حماد عن أبيه أبي حنيفة “كان أبي هيوبًا لا يتكلم إلا جوابًا، ولا يذكر الناس إلا بخير، ولا يخوض فيما لا يعنيه”. وكان مجلس أحمد مجلس وقار وعلم لا يسمع فيه لغط ولا ثرثرة ولا جدال، فكان يَنهى في مجلسه عن ذكر الدنيا وأمورها. وكان الشافعي ينصح من أراد أن يفتح الله عليه بنور القلب أن “يكثر الخلوة ويترك مخالطة السفهاء، ويقل الأكل، ويبغض تجار العلم للدنيا”.

ويشتركون كذلك في مدى وفائهم لمن علموهم وأحسنوا إليهم من شيوخهم وأمهاتهم. من ذلك أن أبا حنيفة قال: “ما صليت صلاة منذ مات شيخي حماد إلا استغفرت له مع والديّ”. وفي مناقبهم من الثناء على بعضهم البعض وإجلال كل واحد منهم لصاحبه ما تمتلئ به الصفحات، نقتطف منها لكل مقولة:

فعن الإمام أبي حنيفة يقول الشافعي: “الناس عِيال – أي عالة – في الفقه على أبي حنيفة”.

ويقول أبو حنيفة عن الإمام مالك: “كان رجلًا جمع فقه أهل الحجاز جميعًا”.

وعن الشافعي يروى أن رجلًا قال لصالح ابن الإمام أحمد: أما يستحي أبوك مما يفعل؟! فقال: وما يفعل أبي؟ قال: رأيته مع الشافعي والشافعي راكب وأبوك يمشي على رجليه يأخذ بزمام دابته. فنقل صالح الكلام لأبيه فكان جوابه: إذا لقيته فقل له “إذا شئت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر!”.

وعن الإمام أحمد يقول الشافعي: “خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل. كان إذا قال “حدّثنا”، قال الناس كلهم: “صدق”.

 

المعلم الرابع : الانقطاع لطلب العلم وعم التعجل للتصدر

كل الأئمة الأربعة بلا استثناء كانوا شديدي الحذر في التصدر للتعليم قبل حسن التأهل والإعداد.

فالإمام أبو حنيفة لمّا تغيب شيخه الإمام حمّاد عن الكوفة أقيم مكانه. ولما عاد شيخه أخبره أبو حنيفة بسبعين مسألة عرضت عليه أفتى فيها، فوافقه شيخه في أربعين مسألة وخالفه في عشرين. فقرر أبو حنيفة ألا يفارق شيخه ولا يستقل عنه بحلقة حتى يموت، وظل على التلقي منه حتى توفي الشيخ حمّاد وأبو جنيفة قد بلغ الأربعين من العمر!

وبدأ الإمام مالك مسيرته الفقهية وهو ابن بضع عشرة سنة، فكان إذا جلس يستمع للأحاديث، يحمل معه خيطًا فيعقد مع كل حديث عقدة، حتى إذا فرغ من الحلقات بنهاية اليوم، جلس يعيد على نفسه ما سمع عقدة عقدة، فإذا نسي شيئًا سارع للشيخ الذي سمع عنه يدق عليه بابه ليذكره. ويقول في ذلك “كنت أسمع من كل واحد من الخمسين حديثًا إلى المائة، ثم أنصرف وقد حفظته كله غير أني لا أخلط حديث هذا بحديث هذا!”. وما زال ذلك دأبه في التلقي والحفظ والمراجعة مدة ثلاثين سنة، حتى بلغ الأربعين من العمر، فطاف على سبعين من أصحاب الحلقات والشيوخ في المسجد النبوي، يعرض عليهم فقهه ويستأذنهم في إجازة حلقته، فأجازوه بلا خلاف. وسئل في ذلك: “لو نهوك – أي منعوك ولم يجيزوك – أكنت تنتهي؟”، فأجاب: “نعم كنت أنتهي! لا ينبغي للرجل أن يبذل نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه”.

أما الإمام الشافعي فقد أذِن له شيخه الأول  “مسلم بن خالد” أن يتصدر للإفتاء وهو دون العشرين من عمره! إذ كان الشافعي وقتها قد حصّل من علوم التفسير والحديث والشعر وأسرار البيان ولطائف الأدب ما حصّل، حتى قال له شيخه “أفتِ يا أبا عبد الله فقد آنَ لك أن تفتي”. لكن الله ألقى في رُوعه تهيب التصدر ورغبه في الاستزادة من علوم الفقه، فرحل ليطلب فقه أهل المدينة، ولازم الإمام مالك ملازمة خاصة. ولم يتصدر الشافعي إلا في الأربعينيات كذلك. وتفرغ بعدها للتدريس والتأليف تمامًا، فألف كتاب الرسالة وفي أقل من أربع سنين أملى 1500 ورقة وأخرج كتاب “الأم” في ألفي ورقة و”كتاب السنن”. وكان يقول في ذلك “تفقه قبل أن ترأس (أي تتصدر)، فإذا ترأست فلا فقه”.

وأما الإمام أحمد بن حنبل فبدأ يطلب الحديث في بغداد في الخامسة عشرة من عمره، مدة سبع سنوات حتى مر على الحلقات كلها، ثم رحل للبصرة وانقطع عامًا كاملاً فيها، ثم الحجاز حيث الشافعي، ثم اليمن، ومضى مسافرًا كلما سمع عن عالم متمكن أو محدث فقيه. وكان يقطع كثيرًا من الرحلات ماشيًا ويرفض أن يكون لأحد عليه فضل إلا فضل العلم والتلقي، ويرى أنه كلما عظمت المشقة في طلب العلم اشتد الحرص على التحصيل. وظل كذلك حتى قارب أواخر الثلاثينيات وقيل فيه “ما رؤي أسود الرأس – الشعر – أحفظَ لحديث رسول الله ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل”. فأقبل عليه المريدون يطلبون أن يكون له حلقة وقد أجازه شيوخه، فتحرج لأنه لم يبلغ الأربعين بعد وشيوخه ما زالوا أحياء ومنهم الشافعي، وكان يرى ألا يفتي والشافعي موجود. ورأى الأجدى من تكرار حلقة أخرى أن يقوم على ثغر آخر لا يسده غيره آنذاك وهو العكوف على جمع الأحاديث التي حصلها بأسفاره، وإسنادها لرواتها من الصحابة كل واحد على حدة، وانقطع لتأليف “المُسنَد” حتى جمع فيه 40000 حديث، ليس فيهم حديث واحد موضوع! ولم يتصدر للإفتاء والتدريس إلا بعد وفاة الشافعي رحمه الله.

وفي الختام  يصدق في هؤلاء الأئمة الأربعة قول خالد بن الوليد رضي الله عنه “عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى”، أي أنه عندما ينجلي النهار سينتبه الناس لسبق أولئك الذين ساروا ليلًا. وهو مثل يضرب فيمن صبر على المشقة حتى فاز بالعُقبى. رحمهم الله تعالى رحمة واسعة، ورزقنا من خير ما رزقهم، ولا يحرم الله طالبًا.


مراجع

– سلسلة أعلام المسلمين: إصدار دار القلم بدمشق

– الأئمة الأربعة – مصطفى الشكعة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك