معجم الدوحة الجديد.. فتحٌ علميٌ وغياب إعلامي

15 ديسمبر , 2018

“#أصبح_للعرب_معجم_تاريخي”، بهذا الوسم أعلن “معهد الدوحة للدراسات العليا” إطلاق المرحلة الأولى من مشروع معجم الدوحة الجديد، في 10 ديسمبر 2018، بمقر المركز العربي للأبحاث  ودراسة السياسات.

وقد استغرق العمل على المرحلة الأولى للمعجم الأوّل من نوعه في اللغة العربية 5 أعوام، منذ 25 مايو 2013؛ لتُقدّم هذه المرحلة رصدًا تاريخيًا لتطور مفردات اللغة العربية دلاليًا، حتى عام 200 هجريًا.

وبإعلان إطلاق المرحلة الأولى من المشروع بنجاح، يبدأ العمل تباعًا على المراحل القادمة، إذ يُقسّم المعجمُ تاريخَ اللغة العربية إلى 5 مراحل: العصر الجاهلي، عصر الخلفاء الراشدين، العصر العباسي، العصر الوسيط، العصر الحديث، على أن يرى المعجمُ النورَ مكتملاً بحلول عام 2028م.

مشروع معجم الدوحة تأخر كثيرًا!

“لسنا أصحابَ الفكرة عربيًا، فقد بذلت جهودٌ مخلصة من أجل بناء معجم تاريخيّ للغة العربية، لكنّ النهر التاريخيّ للغة العربية ظلّ جافًا، وكادت الفكرة تستحيل حُلمًا يراود الباحثين واللغويين، وحرم المعاجم التاريخية مرغوبٌ مرهوبٌ يدور الباحثون حوله”.

قال هذه الكلمات د. عزمي بشارة، رئيس المعهد العربي للأبحاث ودراسة السياسات في خطابٍ ألقاهُ يوم إطلاق البوّابة الإلكترونية للمعجم.

فالدعوات النظرية لتدشين معجم تاريخي للغة العربية قديمة جدًا، بدأها مستشرقون أدركوا أهمية هذا المشروع مثل”أوغست فيتشر”، المستشرق الألمانيّ، الذي نادى بذلك عام ١٩٠٧ في اجتماع المستشرقين الألمان. ولكن دعوته الجديّة عطّلتها الحرب العالمية الأولى.

كما أنّ مفكرين عربًا أرّقهم سؤال النهضة فعملوا على إعادة قراءة التراث، مدركين حتمية تأويله على ضوء سياقاته الثقافيّة والاجتماعية والحضارية، وهو الأمر الذي يتطلّب – منهجيًا – وجود مُدوّنة لُغوية ترصد تطوّر استعمال مفردات اللغة لئلا يُقرأ الماضي بمفاهيمَ الحاضر، قد طلبوا نفس المطلب “بناء معجم تاريخي للغة العربية”؛ ومنهم: جرجي زيدان، وأحمد أمين، وعبد الله العلايلي.

ومع حاجة اللغة العربية الماسّة لهذا المشروع، وتأخرها في هذا المضمار (إذ بنُيت معاجم تاريخية للإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والروسية في فترة ازدهار حقل “علم اللغة التاريخي: Etymology” في القرنين التاسع عشر والعشرين)، ظهرت أنويّة مشاريع مُعجمية عربية في تونس 1990:1996، وبتوصية” اتحاد المجاميع العلمية اللغوية العربية  2006.

ولكنّ الفشل كان حليفَها جميعًا؛ نظرًا لغياب الإرادة الحقيقية في المقام الأول، وتأتي على الهامش بعض الصعوبات الفنية ومشكلات التمويل.

إرادة وإدارة.. لإخراج معجم الدوحة

وفقًا للدكتور عبد الله الشهري، الخبير في إدارة المنظمات والمؤسسات، فإن قصّة أي نجاح نوعيّ تتلخص في مفهوميْ: الإرادة، والإدارة.

فمن جانب الإرادة، أخذتْ قطر على عاتقها، منذ 25 مايو 2013، متجاهلةً إخفاقات الماضي، وبرعاية أمير الدولة، مسئوليّةَ إنجاح هذا المشروع وظهوره للنور، عبر توفير كامل الدعم المادي والسياسي للمشروع.

أمّا إداريًا وفنيًا، فإنّ صعوبات جمّة قد واجهت المشروع، منها، على سبيل المثال لا الحصر:

– أنّهم لم يعتمدوا على المعاجم الكلاسيكية المعروفة؛ لأن مادة هذه القواميس، كما يقول د. إبراهيم بن مراد، نائب رئيس المجمع العلمي للمشروع، لم توضع بناءً على “النصوص”، وإنما كانت تنقل من بعضها، الأحدث من الأقدم. كما أن اللغويونَ الأوائل قد صبّوا جهودهم “الجمع” لا” الترتيب”؛ فكان منهجم وصفيًا معياريًا وليس زمنيًا، حتى يتمكّنوا من حفظ مادة اللغة “الفصيحة”، القياسية، فيما يعرف علميًا بـ”عصر الاحتجاج”.

 

– وباستبعاد القواميس والتركيز على النصوص، كمنهجية ببليوغرافية تعتمد على الإنتاج المعرفي العربي كمادة خام، وجد القائمون على المشروع، كما يقول د. عز الدين البوشيخي رئيس المعجم، أن كثيرًا من النصوص غير محققة جيّدًا، من حيث توثيق المتن، ومعرفة المؤلف، وتاريخ التأليف، وشرح غريب الألفاظ. والبعض الآخر غير متاح رقميًا.

– وبالتقدّم في العمل، خاصة في المرحلة الثانية من 200 هجريًا: 500 هجريًا لم يعد العمل مقتصرًا على ميدان “اللغة”؛ إذ كانت هذه الفترة زاخرةً بالترجمات التي شملت كل التخصصات الحضارية.

ولكنّ الهيئة التنفيذية للمشروع وفرت أكثر من 300 عالمًا، من كافة التخصصات، وضعتْ لهم مُنسّقًا مُتخصصًا عارفًا بفلسفة العلم ومُشتغلًا بالترجمة، وهو الدكتور سعيد الأيوبي، ليبلور جهودَ العلماء المشتغلين بنصوص فلسفية وطبية وهندسية، من منظور لغويّ.

وباستخدام تقنيات المعالجة الحاسوبية للغة Natural Language Processing، تم إنشاء مُدوّنة رقْمية للنصوص والنقوش، ومعالجتها وتحليلها في ضوء المستويات اللغوية التصاعدية المعروفة: إملاءً، وصرفًا، ونحوًا، وتشكيلاً، وفهرسةً. وهنا يبرز دور التكنولوجيا جليًا في خدمة اللغة، سواءً في جمع المادّة، أو تحليلها بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين حقليْ: البرمجة، وقواعد اللغة. أو في كون المعجم عبارة عن بوّابة إلكترونية أصلًا، وليس مادة ورقية؛ وهذا يرجع لطبيعته من جهة، حيث سيضمّ المعجم أكثر من مليار كلمة عند اكتماله، كما أنّ المعاجم التاريخية بمجرد بنائها تكون Up to dated، خاضعة دومًا للتحديث. بالإضافة إلى أنّ السياق التاريخي والحضاري المعاصر يحتّم رقمنة أي مشروع كهذا.

يُذكر أنّ بقطر معهدًا متخصصًا في بحوث الحوسبة، يتبع جامعة حمد بن خليفة، Qatar Computing Research Institute، يقوم بأنشطة نوعية في مجال معالجة اللغة العربية آليًا.

فوائد جمة يصعب حصرها

بهذه العبارة المُركزة، وصف “عزمي بشارة” أهمية معجم الدوحة الجديد، ومنها:

1- فهم التاريخ والتراث بدلالة المفردات في زمن استخدامها دون إسقاط الحاضر على الماضي؛ فالمعجم كما يعرّفه “البوشيخي”، رئيس المعجم، هو:

“سجل يرصد حركة اللغة عبر تاريخها الاستعمالي؛ لأن مخزون المفردات الذي يشكل لغةً ما لم يظهر كتلة واحدة، ولم تتشكل معانيه طفرة واحدة، ولم يظهر معزولا عن محيطه اللغوي وبيئته الثقافية؛ بل خضع لسيرورة تاريخية تدرّج فيها نموّه في بُناه ودلالاته واستعمالاته”.

وقد رصدت د. عزة شبل، أستاذ علم اللغة بكلية الآداب – جامعة القاهرة، أشكالًا متنوعة من التغير الدلالي، منها” انقراض الألفاظ”؛ فمع ثورة 1952، أُلغيت ألقابًا ذات دلالة طبقية مثل: الباشا، والبك، والأفندي. ومنها” استحداث ألفظ جديدة”؛ لتساير العصر ومستجداته مثل: النانو والفمتو. وقد “تتوسع الدلالة” كما حدث مع كلمة “وردة” التي صارت تطلق على أية زهرة، في حين أنها كانت تعني نوعًا واحدًا فقط وهو الورد الأحمر. وقد “تنقل الدلالة” تمامًا كأن يكون هناك كلمات مستخدمة قديمًا بدلالات معينة، ومع تغير العصر صارت تدل على معانٍ جديدة، فكلمة “القطار” التي نستخدمها الآن للدلالة على وسيلة مواصلات حديثة، كانت تعني مجموعة الإبل التي تقرن بحبل واحد فتسير معًا صفًا واحدًا.

وقد أدى عدم استيعاب هذا النوع الأخير من التغير الدلالي تحديدًا إلى مشاكل ثقافية وحضارية عابرة لحدود التاريخ والجغرافيا. فقد ذكر د. حسام قاسم، أستاذ علم اللغة في جامعة القاهرة، في كتاب “الأسس المنهجية للنحو العربي” أن الباحثين المحدثين، سيما الأجانب، وجدوا نصوصًا لغوية أولية يعتورها تناقض نوعي، مثل قول الكسائي عن فلسفة وضع النحو “إنما النحو قياس يتبع”، الذي أكده الأنباري بقوله “إن النحو قياس”؛ وفي نفس الوقت، حكي عن الخليل قوله “إن القياس كله باطل”، وقول ابن فارس” إن اللغة لا تؤخذ قياسًا” .. فكيف يمكن الجمع بين الاتجاهين؟ الحقيقة أن القياس الذي يتبنّاه العرب غير القياس الذي ينفونه. فالقياس الذي استخدموه هو “القياس على المُطرد- الشائع من كلام العرب”، والقياس المذموم لديهم هو “القياس الأرسطي”. فتأمّل!

2- تسهيل بناء معاجم فرعية متخصصة بمنهجيات مختلفة، حيث يمكن للباحث بنقرة زر أن يعرف جذر الكلمة، وأقدم استعمال لها مُستخلصًا من النقوش، والشاهد الذي وردت فيه، ومعانيها مُرتبة تاريخيًا حسب ظهورها، وتأثيلها (نظائرها في اللغات الأخرى).

3- التحديث المستمر للمعجم يسهم في مسألة حيوية اللغة، فكثير من التقارير المعتبرة الصادرة مؤخرًا تحذر من انقراض العربية!

4- بث الروح في حقل اللسانيات الحاسوبية، عبر توافر الكوادر العلمية والإدارية والإمكانات التكنولوجية التي تعمل لأول مرة معًا في مشروع كهذا.

 

غياب الإعلام

المؤسف والغريب وغير المفهوم هو أن يغيب الإعلام العربي عن تغطية إنجاز “عربي” بهذا الحجم والقيمة، واعتبار أن تغطية المشروع جزء من صراع سياسيّ بين دول الخليج والدولة صاحبة المشروع!

فمن جهة، المشروع يخصّ العرب جميعًا، بل والإنسانية جمعاء، وهو إضافة لكل عربي بلا شك، ولا يُحسب لأحد بعينه. ومن جهة أخرى، ربما كانت تغطيته تساهم، ولو قليلًا، في تخفيف حدة الخلافات.. فما تفرقه السياسة، قد تجمعه اللغة، التي بالفعل طالما جمّعتنا وستظل إن شاء الله.

وقد بحثت بنفسي- أثناء العمل على المادة – عمّا كتب في “فيسبوك” عبر وسم المشروع؛ فلم أجد سوى بعض منشورات لا يتخطى عددها أصابع اليد الواحدة.. للأسف!

وفي نفس السياق، كان حريًا بالقائمين على المعجم التنبّه لموعد إطلاقه؛ فالمفترض أنه بعد ثمانية أيام من حفل الإطلاق، سيحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية، 18 ديسمبر من كل عام. بالتأكيد، كان المعجم وقتئذ سيتجاوز فخ المحليّة، وسيحظى باهتمام إعلامي يليق به. وعلى كل حال، مبارك لنا جميعًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Asmaa magdy منذ شهر واحد

مقال أكثر من رائع ويستحق القراءة من كاتب متميز.. من المؤسف تجاهل مثل هذا النوع من الإنجاز فلطالما كانت اللغة العربية تجمع أبنائها وتوحدهم برغم شتى اختلافاتهم

أضف تعليقك