مع المحبرة إلى المقبرة.. «الطلبة المتسكعين»

5 أبريل , 2018

لما سُئِل الإمامُ أحمدُ: إلى متى تطلب العلم؟ قال: مع المحبرة إلى المقبرة.

 

واليوم نجد أن أكثرنا يطلب العلم بنهم في أول أيام شبابه، ليُحصِّل شهادة يعتاش بها، ثم يُولِّي وجهه عن العلم والدرس.. ومع أن هذا المرض يكاد يكون طاغيًا بين البشر جميعًا، إلا أن الجامعات الألمانية تَشهد ظاهرة مُثيرة تُعرف بظاهرة “الطلبة المتسكعين” ممن تحلو لهم الحياة طُلابًا؛ فيبقى الواحد منهم طالبًا لأكثر من عشرة أو عشرين عامًا، بل حتى المشيب، وهؤلاء ليسوا طلبةَ دكتوراه ولا أساتذة جامعيين، ولكنهم أحبوا الجامعة، والحياة في ظلالها، والتمتع بفرصة الدراسة بشكل مجاني، حيث لا يوجد قسط دراسي في أكثر الجامعات، ومع أن هؤلاء ثُلَّة قليلة إلا أن حكاياتهم مُثيرة ويُمكن أن تحمل لنا الكثير من العِبر، في ظل ما نشهده من تسارع وتصارع على تحصيل الشهادات بأسرع وقت ممكن!

36 فصلًا.. ودكتوراه في جيل 80؟

 

مارجوت التي ولدت عام 1917، في أثناء الحرب العالمية الاولى، اضطرت في جيل 80 عامًا أن تتخلى عن حُلمها بالحصول على الدكتوراه، علمًا بأنها لم تتخلَّ عن حلمها بالدراسة، وهو ما لم تستطع تحقيقه في شبابها؛ حيث عاشت كُل الفترة النازية، وقضت الحرب العالمية مُمرضةً مع الصليب الأحمر، بل إنها بلغت جيل 45 عامًا دُون أن يكون معها شهادة ثانويَّة. في هذا الجيل بالذات قرَّرَتْ أن تبدأ رحلة طويلة بدأتها بإعادة المرحلة الثانوية، ثم دراسة 36 فصلًا في الجامعة، أي 18 عامًا، حتى حصلت على الماجستير في التاريخ والأدب، وكان بحث تخرجها عن حكاياتها مع الصليب الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية. لاحقًا حاولت أن تحصل على الدكتوراه، ولكن المرض وزيارات الأطباء حال بينها وبين تحقيق هذا الهدف[1].

 

36 فصلًا.. من حُب الجامعة؟

 

ليست الحرب وحدها ولا الظروف المعيشية هي العائق الوحيد الذي قد يقف أمام الطالب، فبعض الطلبة مثلًا يجدون أنفسهم فُصلوا من تخصصهم الدراسي لعدم اجتيازهم للامتحانات المطلوبة. ستيفان كان واحدًا من هؤلاء، ولكنه أصر بعد الفصل أن يبقى في هذا المكان الذي وجد نفسه فيه وأحبه، فقرر أن يتحوَّل إلى دراسة الفلسفة التي لم يتخرَّج منها إلا بعد 18 عامًا وهو في جيل 47 عامًا. وقد صرَّح في لقاء صحفي أنه واجه الكثير من النقد من محيطه، ولكنه يعترف بأن لدعم أهله دورًا كبيرًا في أنه استطاع أن يبقَى كُل هذه الفترة في المكان الذي يُحب. أما ما جعله يُحب الجامعة؛ فهو أنه يشعر بأنه ما يزال يعيش شبابه من خلال نمطِ الحياة الطلابي، ويعترف أن أصدقاءه يؤمنون بنمط الحياة الحُر، ولهذا فإنه لا يشعر بأي رغبة لمغادرة الحياة الجامعية، بل على العكس فما إن استلم شهادة الماجستير (بعد 18 عامًا) حتى بدأ يُفكر في التحضير للدكتوراه[2].

 

37 فصلًا.. دراسة للمتعة وللمتعة فقط!

المثير أن هناك من لم يرَ أي مصاعب في حياته، لا حرب ولا سقوط، ولكنه وقع في حالة من الهوس بالدراسة الأكاديمية، بل يشعر بحماسة شديدة وهو يدرس اللقب تلو اللقب، متنقلًا بين العلوم بشكل يثير الدهشة والاستغراب. ففي عام 2001 ذكر موقع مجلة FOCUS الألمانية حكاية “فرانك” الذي بلغ من العمر 66 عامًا وما زال يشعر بمتعة فائقة وحماسة للدراسة الأكاديمية، فبعد أن أتمَّ الرجل دراسة الهندسة، قرر أن يُكمل ليدرس إدارة الأعمال، ليتحوَّل بعدها إلى دراسة الطب، وبالفعل فقد أكمل دراسته، ولكن مع ذلك لم “يشبع”. إحدى الأمور المُدهشة في حياة “فرانك” أنه لم يكن عاطلًا عن العمل، فقد كان يفعل كُل ذلك إلى جانب عمله في مجال الإدارة، وعندما وصل به الحال إلى التقاعد من العمل، قرر أن يوصل مشاريعه “الأكاديمية” فراح يدرس علم النظم المعلوماتية والحاسوب، بكُل حماسة وفخر بأنه مكث 37 فصلًا من حياته في الدراسة[3].

 

63 فصل.. التخرّج كـ بصيص أمل!

حيثما وجدت الإرادة، فثمة طريق، مصدر الصورة: meinpapasagt.de

 

في عام 2012، احتفلت “الصحافة الألمانية”[4] بِتَخَرُّج طالبٍ “مميز” بدأ دراسته في مدينة كولونيا عام 1973 ولم ينتهِ منها إلا عام 2012 وقد بلغ من العُمر أكثر من 60 عامًا. في كُل هذا الوقت تغيَّرت السياسات الألمانية، كما تغيَّرت العملة من المارك إلى اليورو، كما تغيَّر النظام الجامعي الألماني، ولكن “فيرنر” قرر بفضل عدم وجود رسوم دراسيَّة في ألمانيا أن يغتنم كُل فرصة، وأخرى للقيام بامتحان إلى جانب عمله في مجال البناء ورعايته لطفلته التي رُزق بها عام 1984، والتي كانت مُحفزًا له ليتخرج، فقد بلغت هذه الطفلة 27 دُون أن تدخل الجامعة، ولهذا أراد أن يؤكد لها أن التأخر في دخول الجامعة ليس ذريعة بعدم الدراسة، بل إن “فيرنر” كان يرى وينصح جيل الشباب بأن يُكملوا دراستهم، بغض النظر عن المعيقات التي تواجههم، فقد واجه بنفسه الكثير من المصاعب في تنقله بين قريته والجامعة، كما أنه تعرض لحادث كُسرت فيه قدمه؛ فتأخر 3 أعوام عن الدراسة، ثم تزوج فانشغل بعائلته، ولكنه كان دائما يتذكر حكمة قالته له جدَّته:

حيثما وجدت الإرادة، فثمة طريق

Wo ein Wille ist, ist auch ein Weg

 

108 فصلًا.. الرقْم القياسي!

في ظل عدم وُجود قسط دراسي في ألمانيا، فقد عمل الكثير من الساسة على تحديث النظام، وهو ما يعرف بـ Bologna-Prozess الذي يتيح للطلبة الحصول على لقب جامعي في الهندسة وغيرها من التخصصات في 3 أعوام فقط، وهو ما يُسميه النُقَّاد “تخصصات توربو Turbo-Studiengaenge” لأنها تجعل الطالب لا يُفكر إلا بالامتحانات، وبالتالي يُغيب عن المشهد السياسي بعد أن كان حاضرًا وبقوة في الماضي[5]. من ناحية الدولة فقد كانت ترغب بأن يتخرج الطلبة بأسرع وقت للالتحاق بسوق العمل، ولكن الواقع يؤكد أن نسبة جيدة من الطلبة يستغرقون في دراستهم وقتًا أطول من الوقت الافتراضي بحوالي 6 فصول ويُعرفون بالطلبة المُتسكعين Bummel-Studenten أو باختصار: “المتسعكين Bummelanten”، حتى ظهرت بينهم الأرقام القياسيَّة، فقد سجلت جامعة براونشفايغ رقْمًا قياسيًا لطالب استغرق 88 فصلًا في دراسته، أي 44 عامًا، ولكن جامعة كيل في شمال ألمانيا تفوَّقت عليه حيث استغرق أحد طلبة الطب فيها 108 فصلًا، أي أكثر من 50 عامًا! [6]

 

 

المصادر:

[1] Die Arbeit an der Promotion gibt sie schweren Herzens auf. Da ist sie 80. THILO BOCK

[2] Uni-Abschluss nach 36 Semestern

[3] HOCHSCHULENSchnecken-Jagd

[4]  Student macht nach 63 Semestern sein Diplom

[5] Spiegel: Im Schneckentempo zum Diplo

[6] Student im 108. Semester Lebenslanges Lernen

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك