مكانة التعليم والبحث العلمي في “إسرائيل”

29 يناير , 2016

عملية التعليم من أساسها في المدارس الإبتدائية حتى الجامعات والتي تتوج بسوق العمل وميدان البحث العلمي هي عملية مترابطة إلى حدٍ كبير وتعبّر بالتأكيد عن مكنون الدولة وتطلعاتها، لم تكتفِ “إسرائيل” بفرض قوتها العسكرية والسياسية والإقتصادية في العالم، بل عملت في على تطوير التعليم فيها في كافة مراحله، ودعمت البحث العلمي والمشاريع الريادية وعملت على إيجاد ظروف مجتمعية وثقافية تتلاءم مع طبيعتها.

تحظى الجامعات “الإسرائيلية” بسمعة جيدة في الداخل المُحتل وخارجه، فمما يعزز مكانة هذه الجامعات والمعاهد التعليمية قوتها في البحث العلمي وحضورها البارز في التصنيفات العالمية لأفضل الجامعات، فقد احتلت الجامعة العبرية في القدس المرتبة 67 – وهو للمفارقة نفس عدد السنوات منذ النكبة حتى عام 2015 -، ومعهد “التخنيون” المرتبة 77 في تصنيف “شنغهاي” لأفضل الجامعات في العالم للعام 2015، وكل من معهد “وايزمان” للعلوم وجامعة تل-أبيب ضمن المائتي جامعة الأولى، وجامعة “بار إيلان” وجامعة “بن غوريون” في النقب من ضمن أول 500 جامعة عالميًا، وتضاف إلى القائمة جامعة حيفا إذا ما نظرنا لتصنيف الجامعات في العلوم الاجتماعية.

فيما يتعلق بالبحث العلمي يقول الكاتب الفلسطيني عدنان أبو عامر: “فضلًا عن كون إسرائيل تتبوأ المركز الرابع في العالم في نشاط البحث العلمي، وتتقدم عليها فقط سويسرا والسويد والدانمارك من حيث عدد المقالات العلمية لكل مليون مواطن، حيث نشر العلماء الإسرائيليون 6309 بحوث في دوريات علمية أجنبية، ويقارب دورهم في النشاط العلمي العالمي عشرة أضعاف نسبتهم من سكان العالم”، ويضيف: “وقد جاءت إسرائيل في المركز الخامس عالميًا من حيث الإنفاق على التعليم بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بإنفاق يبلغ 8.3% على التعليم من ناتجها المحلي، وإذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي لها يصل 110 مليارات دولار، فإن نصيب البحث العلمي يصل في بعض الأحيان 5.3 مليارات دولار!” وبالمقارنة مع العالم العربي “إسرائيل تنفق ضعف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي والتطوير، وهي أعلى دولة في العالم من حيث نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج القومي”، وجاءت في المركز الأول من حيث الانفاق للفرد الواحد “وقد احتلت إسرائيل المرتبة الأولى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي، وجاءت بعدها الولايات المتحدة، ثم اليابان، حيث تنفق 1272,8 دولار سنويًا للفرد، متساوية في الصرف على البحث العلمي مع اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، ومتقدمة على إسبانيا وتركيا” (1).

ربما تكون “إسرائيل” حالة نادرة، فهي تعيش ظروف استثنائية للغاية ساهمت في دفعها لبناء كيان متوازن في جميع المجالات، أدرك “الإسرائيليون” أهمية تكوين دولة حضارية ديمقراطية – لهم – يحملونها وتحملهم، فالميزانيات الضخمة، والوعي الجمعي بأهمية الاستثمار في العلم، وروايتهم التاريخية التي تضعهم في خانة المستضعفين تجبرهم على التمسك بلواء واحد وإحترامه والخضوع لقوانينه، واستيعابهم على أنهم أقلية في الشرق الأوسط يحدها الخطر من كل صوب، وتأثر النخبة “الصهيونية” من التجربة الغربية، كل تلك العوامل وأخرى ساهمت في تجسيد نظام يحترم العلم والتعليم ويستثمر فيه كمشروع استراتيجي يرفع من شأن هذا الكيان.

تل أبيب

إضافة إلى العوامل والخلفيات التي دفعتهم لتكوين معاهد وجامعات ومراكز دراسات على أعلى مستوى في مختلف المجالات، فإنه من خلال الملاحظة يمكنني القول بأن ثمة عوامل مهمة جدًا تقف وراء نجاح “إسرائيل” في المجال التعليمي وفي مجالات أخرى. منها: – إحترام الأكاديمية – الإستثمار الكبير في البحث العلمي – تقليل البيروقراطية ومواكبة التطور – محاربة الفساد بجميع أشكاله – احترام القوانين – الانفتاح على العالم (من خلال البحوث والمؤتمرات والتبادلات الثقافية. يدعم ذلك كله الوعي الجمعي لهم، وكذلك قوة القانون ومفهوم أن الدولة فوق الجميع، وذلك متعلق بطبيعة المجتمع الإسرائيلي “سوسيولوجيًا”.

التجربة “الإسرائيلية” جديرة بالدراسة والبحث، وللأسف نحن لم نعرف كيف نستفيد منهم لأننا تعاملنا معهم بطريقتين، الأولى هي اعتبارها دولة عدو من غير الغوص بتفاصيل قوتها وتماسكها حتى اليوم، ونوع التعامل الثاني كان عبارة عن عمالة “لإسرائيل” متمثلة بأنظمة وجماعات وأفراد، لكن حتى هؤلاء لم يتعرفوا على “إسرائيل” ولم ينتفعوا إلا في تثبيت عروشهم وتسيير أجنداتهم السياسية وانتفاعهم ماديًا.

يجب أن ننطلق من مفهوم يرتكز على أن الحكمة ضالة المؤمن، وأننا أحق بها أينما وجدت، يمكن الإستفادة من تجربتهم أكثر بكثير مما نتخيل، ويمكن لنا كذلك تجنب أي سلبية أو فساد، مع التنويه بأن تعاملنا المهني والموضوعي لا يمكن أن ينسينا القضية أو يبهرنا بكيان قام على الظُلم، فكما أسلفت بأن ديمقراطية إسرائيل لهم – أي للشعب اليهودي – ومهما تجمّلت وتزيّنت وأنجزت لا يمكن أن نتجاوز مسألة القضية الفلسطينية.

يبقى السؤال الجدلي، ما فائدة الإطلاع على تجارب الغير ما دمنا لا نملك أبسط مقومات الحرية والكرامة؟!. وهل يمكن أن نحقق التغيير في واقعنا العربي من مجال التعليم ونشر الثقافة والمعرفة، أم أنها مجرد محاولات عبثية؟، وهل التغيير كلي أم جزئي، فردي أم جماعي؟، وكيف يمكننا ذلك ما دامت الأنظمة لا تدعم ولا تستثمر في التعليم والبحث العلمي؟، عن هذا سأجتهد أن أجيب في تدوينة لاحقة.


(1) البحث العلمي في إسرائيل وصناعة القرار – عدنان أبو عامر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

عبد الكريم منذ سنتين

الذي يحدث في بلاد العرب والمسلمين هو ما يساعد هذا الكيان على المضي … معظم الدول تطبع ولكنها لا تطبع علميا ولا تسمح بأي شي يطور الفكر… والأخرى تبدي كرهها للكيان وتحرم كل ما يتعلق به… لكنها لا تسمح أيضا بالتعلم الجدي وتطوير الذات

أضف تعليقك