مناهج تعليم اللغات: ماذا تعرف عن المنهج المباشر؟

23 يوليو , 2018

عُرِفَ مجال تدريس اللغات مناهج وطرائق عديدة في التدريس، بَدْءًا من المنهج التقليدي، الذي يركز على تبليغ المعارف إلى المتعلم، متوسلًا بالنحو، والترجمة، ولأن هذا المنهج لم يسلم من مؤاخذات، وأخطاء، فقد ظهر المنهج المباشر بصفته ردَّ فعل على المنهج التقليدي، فتجاوز كل ما يتعلق بتحليل النصوص القديمة، وتعليم القواعد النحوية الجافة، والاعتماد التام على اللغة الأمّ، والترجمة.

وعلى ضوء ذلك سنحاول في هذا المقال تعريف المنهج المباشر، والوقوف على أهم أسسه، ومميزاته، وسلبياته.

 

تعريف المنهج المباشر:

من أهم التعريفات المعتمدة لدى الباحثين فيما يخص المنهج المباشر، تعريف Ch.Scheitzer، الذي نورده هنا نقلا عن Christian Puren:

“المنهج المباشر هو ذلك المنهج الذي يهدف إلى تعليم اللغات بدون وساطة لغة أخرى مكتسبة سابقًا. إنه لا يستند للترجمة، لا من أجل نقل الأنساق اللغوية للمتعلم، ولا من أجل اختبار مدى تعامله مع اللغة بدورها. إنه يقصي الصيغة، مثلما يقصي الموضوع”.

 

وفي الواقع ومن أجل تأويل الوحدات اللغوية، فإن المنهج المباشر يربطها بالرؤية للأشياء والكائنات، وبالحدس في فهم سماتها، وتغيراتها، وبتصور علاقاتها المماثلة، وأخيرًا فإنه يربط الكلمات بأفعال الكائنات.” (Christian Puren, 1988, p.82).

ويرجع وصف هذا المنهج بـ”المباشر”، لاستناده إلى فرضية مفادها أن هناك تماثلًا شبه تام بين اكتساب اللغة الأم، وتعلم اللغة الأجنبية، ما يقتضي إقصاء وساطة اللغة الأم في عملية التعليم، والاعتماد مباشرة على اللغة الهدف.

 

ويعتبرُ الباحثان Gouin بفرنسا، وBerlitz بألمانيا من رواد هذا المنهج، حيث سعى كل منهما في أبحاثه إلى وضع أسس التعليم المباشر للغات، وتجاوز كل ما من شأنه أن يعيق عملية التعلم من وسائط أخرى. غير أن الباحث فرانسوا جوان يظل هو المؤسس الفعلي لهذا المنهج بفرنسا، منذ أواخر القرن التاسع عشر. ولقد تم اعتماد المنهج المباشر رسميا في التعليم الثانوي الفرنسي سنة 1901.

 

أسس المنهج المباشر

إن من أهم الأسس التي يقوم عليها المنهج المباشر هو أن ما يضمن تعليمًا فعالًا للغات، هو الاتصال المباشر باللغة الهدف، في مواقف تواصلية حية، إذ لا يكفي الاطلاع على المفردات اللغوية، وقراءتها لتعلم اللغة، بل إن الأداء الشفوي بالانغماس في جماعة تتحدث اللغة الهدف بطلاقة هو وحده الضامن للتمكن منها، والتعبير بها بشكل جيد وفعال.

 

كما أن تعلم القواعد النحوية وفق منظور المنهج المباشر، يتم بتوظيف الطريقة الاستقرائية، وذلك بتقديم أمثلة تتضمن ظاهرة لغوية ما، فيتمكن المتعلم بالنسج على منوالها، وتطبيق القواعد على أمثلة أخرى، وفي سياقات تواصلية مختلفة.

 

ولما كانت صفة “المباشَرة” هي أهم ما يميز هذا المنهج، فإن ذلك يعني بالضرورة إقصاء كل وسيط آخر في تعلم اللغة الهدف، ولذلك يلحّ رواد هذا المنهج على تفادي استعمال اللهجات، والترجمة من لغات أخرى بغرض الشرح والتوضيح، بل إن ما يجب الالتزام به هو الحديث باللغة المراد تعلمها، وإذا استعصى الفهم أحيانًا، يعمد المدرس إلى الاستعانة بمعينات ديداكتيكية (غير لغوية)، كالرسوم، والصور… إلخ.

 

وعلاوة على ذلك يظل مبدأ الربط الدلالي بين الرمز اللغوي ومضمونه، عوض التركيز على القواعد اللغوية الجافة، من أهم مبادئ المنهج المباشر، فضلًا عن توظيف اللغة في سياقات طبيعية مناسبة، من شأنها مساعدة المتعلم على التذكر، والفهم، والاستيعاب.

 

مميزات المنهج المباشر

لعل أهم ما يميز المنهج المباشر هو خاصية التفاعلية، ونقصد بذلك منح المتعلمين فرصة التفاعل، وتبادل الآراء، والتشبع بروح الحوار داخل الفصل. ولا يخفى ما لذلك من أهمية في بناء شخصية المتعلم، وتعزيز قدراته اللغوية، ومهاراته التواصلية. هذا بالإضافة إلى خلق جوٍّ ممتع يكسر الأنماط التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين، ويتجاوزه إلى أسلوب جديد أكثر فاعلية ودينامية.

كما أن تفادي الاعتماد على اللغة الأم، والترجمة، يمَكّن المتعلم من تعلم اللغة الأجنبية بقواعدها، وخصائصها التركيبية المختلفة، بكيفية سليمة، لا تؤثر فيها بُنى تركيبية خارجية.

ومن الملاحظ أن كثيرًا من عوائق تعلم اللغات ترجع أساسًا إلى تداخل أنساق لغوية ولهجية متعددة في الفترة الزمنية نفسها التي يتعلم فيها المتعلم اللغة الأجنبية، الأمر الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى جعله يفكر باللغة الأم، ويعبر بلغة أخرى جديدة، والحق أنه لا يمكن الحديث عن إتقان لغة ما إلا إذا استطاع المتحدث بها، أن يفكر من داخل نسقها الثقافي، ويعبر بها عن حاجياته وأفكاره بعيدا عن أي تشويش لغوي خارجي. وهذا هو الهدف الأسمى الذي يسعى المنهج المباشر تحقيقه في مجال تعليم اللغات وتعلمها.

 

ملاحظات على المنهج المباشر

على الرغم مما يتصف به هذا المنهج من أهمية في سياق تطور مناهج تدريسية اللغات، إن هناك كثيرا من الملاحظات التي سجلها الباحثون عليه، ولعل أهمها ما يلي:

– إغفال شرح القواعد اللغوية، يؤدي في كثير من الأحيان إلى ترسيخها في الأذهان بشكل خاطئ.

 

– إقصاء اللغة الأم من تعليم اللغة الأجنبية قد يوقع في الغموض، وعسر التعلم.

 

– إقصاء توظيف الترجمة، يقتضي بالضرورة معرفة أولية باللغة الهدف، وهو الأمر المتعذر بالنسبة لجميع متعلمي اللغة الأجنبية، في المستويات الأولى.

 

– الإمعان في التركيز على المهارات السمعية الشفوية، قد يعطي نتائج عكسية بالنسبة للمهارات الأخرى؛ الكتابية، والقرائية.

 

– اعتماد المنهج المباشر في المدرسة، يتطلب عددًا قليلًا من التلاميذ داخل الفصل الدراسي، وهو ما ليس متاحًا في أغلب المدارس العمومية.

 

– ليس في وسع أي مدرس اعتماد هذا المنهج، لأن التدريس باللغة الهدف وحدها، يعني أن يكون المدرس بالضرورة على درجة عالية من الكفاءات المهنية التي تخول له توظيف وسائط أخرى غير لغوية، للشرح والتوضيح، والإفهام.

 

 إن وظيفة الترجمة، لا تنحصر فقط في إيجاد دلالات معجمية للمفردات، بل إنها تتجاوز ذلك إلى مستوى مد الجسور بين الثقافات، والتقارب بين الشعوب، وبذلك فإن إقصاءها من قبل المنهج المباشر، يجعل تكوين متعلم اللغة الأجنبية، تكوينا لغويًا تقنيًا، لا تكوينًا ثقافيًا إنسانيًا.

 

خلاصة

لقد تتبعنا فيما تقدم المنهج المباشر، بَدْءًا بتحديد مفهومه، وبيان أسسه، مرورًا على أهم مميزاته، وصولًا إلى تتبع جلّ المؤاخذات التي سجلها الدارسون عليه. ولعل أهم ما خلصنا إليه من كل ذلك هو التأكيد على أهمية هذا المنهج باعتبار ما أحدثه من تغيير جذري، وتجديد في طرائق التدريس، وذلك بتجاوزه المنهج التقليدي بمختلف أساليبه ومحتوياته، وأهدافه. خاصة فيما يتعلق بتوظيف الوسائط اللغوية وغير اللغوية من ترجمة، وقواعد نحوية، وغيرها. إن دعوة المنهج المباشر إلى تعلم وتعليم اللغة الهدف بشكل مباشر، واعتماد الطرائق الحوارية الشفوية، أسهم على نحو كبير في تكسير نمطية تدريس اللغات، وتقديم العملية التعليمية التعلمية بدينامية وفعالية.

بيد أن هذا المنهج بدوره، ورغم ما حققه من نتائج إيجابية في تعليم اللغات، إلا أنه لم يسلم من مجموعة من المؤاخذات، التي تم تجاوزها مع مناهج أخرى، خاصة المنهج النشِط، والمنهج السمعي البصري.

 

لائحة المراجع المعتمدة:

Puren, Christian(1988) Histoire des méthodologies de
l’enseignement des langues, paris, Nathan- CLE
international , 1988 .
يوسفي محمد، تدريس اللغة العربية؛ بحث في الطرائق والمناهج. (مقال)، منشور بموقع www.loghatona.net، تاريخ التصفح: 12-16-2017.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك