من القاع إلى القمة؛ تعرّف على تجربة سنغافورة الملهمة في التعليم

16 ديسمبر , 2017

“سنغافورة” تلك البلدة معدومة الموارد الطبيعية، والتي أدركت في وقت مُبكر من تاريخها أن نجاحها واستمرارها بوصفها دولةً مُستقلة لن يعتمد ألبتة على ما تملكه من أنهار أو آثار أو بترول بل بما تملكه من “عقول”، ولذلك أَوْلَت عناية خاصة بخلق العقل البشري للمواطن كي تُمهد لنفسها طريقَ الحياة بين الْمُجتمع الدولي.

 

تاريخ سنغافورة

تأسست “سنغافورة” على يد السير “ستامفورد رافلز” في 6 فبراير 1819 قريةً للصيادين وملجأً للمهاجرين الصينيين والماليزيين والهنديين بصفتهم أقليات هاربة من التهديد والاضطهاد، لتتناوب عليها الدول فرضًا للسيطرة والسيادة منذ احتلالها من اليابان بعد استسلام البريطانيين للجنرال الياباني “تومويوكي ياماشيتا” في فبراير 1942م، حيث وصفه رئيس الوزراء البريطاني “ونستون تشرشل” بأنه: “أسوأ كارثة وأكبر استسلام في تاريخ بريطانيا” وقد استعاد البريطانيون “سنغافورة” مرَّة أخرى في سبتمبر 1945م.

 

وقد سمحت بريطانيا لسنغافورة بإجراء أول انتخابات عامة عام 1955م ليفوز بها “ديفيد مارشال” زعيم (حزب العمل) ليُصبح بذلك أول رئيس وزراء مُنتخب؛ حيث طالب بنيل الاستقلال والحكم الذاتي لسنغافورة، وتم رفض طلبه؛ فقدم استقالته ليتولَّى بعده “عمر ليم يو هوك” الذي عمل على إقناع البريطانيين بإنهاء فرض الوصاية على سنغافورة.

 

وأتت المرحلة المفصلية في تاريخ سنغافورة بفوز مُرشح (حزب العمل الشعبي) “لي كوان يو” في الانتخابات التي أُجريت في 30 مايو 1959 لتبدأ النُّقلة الشاملة من كونها مجرد مستعمرة تُنفذ وصايا المُستعمر وتسعى فقط لتستمر على قيد الحياة، إلى دولة مؤسسية تهدف لتغيير تاريخها بشكل كامل، وبدأ السعي لذلك بتطوير التعليم ودعم الاقتصاد، فهُما وسيلتا الوقوف على الأقدام والمواجهة بعد سنين من الهرب وانتظار المساعدات.

 

مؤسس نهضة سنغافورة (لي كوان يو)

 وصل “لي كوان يو” للسُّلطة رئيسًا للوزراء وعُمره 35 عامًا بسيرة ذاتية مُشرفة بوصفه خريجًا من جامعة كامبريدج متخصصًا في القانون ومزاولًا للعمل السياسي في “سنغافورة” ومُطالبًا بإحيائها دولةً مستقلِّةً ومتقدمة، وفي ذلك الوقت كانت بلدُه على شفا حُفرة من الهلاك، بسبب الانهيار الاقتصادي، والضعف العسكري الضارب في أعماق مؤسساتها الأمنية، والانهيار الكامل لبنيتها التحتية؛ بسبب الكوارث الطبيعية، وضعف الإنفاق على مرافق الدولة العامة.

 

أدرك كغيره من الحالمين بوطن حي قادر على الصمود في مواجهة الظروف الصعبة أن الطريق ليس مُمهدًا لهم، بل إن تراخيهم -ولو قليلًا- سيفقدهم استقلالهم مرة أخرى؛ حيث كان فشل سنغافورة موضِعَ توقُّع وانتظار كافة الدول المُحيطة بهم، وبالتحديد “ماليزيا” التي كانت تنتظر على أحر من الجمر لتستخدم القوة في إعادة سنغافورة إلى حظيرة الملايو، مثلما يقول “لي كوان يو” مؤسس نهضة سنغافورة في سيرته الذاتية.

 

نهضة سنغافورة

أكثر ما يُميز فلسفة تطوير التعليم في سنغافورة أنها أتت من سُلطة تسعى لتحسين حياة شعبها بتطوير الإنسان والتركيز على تعليمه بعد استيعاب حقيقةٍ مفادها أن:

“البشر ليسوا متساوين في القدرات والمهارات، ولكن جميعهم يستحقون الفرصة”

 

لذلك تم فرض التعليم الأساسي بقوة القانون، وفتح السبل أمام أنواع مختلفة من التعليم؛ فتمت إضافة التعليم المهني وفرص المزاولة للعلوم التطبيقية والعملية لدعم الاقتصاد في مرحلة متقدمة من تطوير معرفة الإنسان وتحسين الوضع الاقتصادي للدولة.

 

فالمشكلة الأكبر في ذلك الوقت غير التعليم الذي تأذَّى بالحرب العالمية الثانية نتيجة توقف المدارس والمؤسسات التعليمية هي “البطالة”، فكيف للدولة أن تنفق على شعب نسبة البطالة بين أفراده تتخطى 15% وتلك المشكلة سوف تتزايد بانسحاب بريطانيا من سنغافورة، والذي لم يكن أمرًا جيدًا على الإطلاق مثلما يظن بعض الناس؛ فذلك الرحيل البريطاني سيؤثر على دخل سنغافورة بزيادة العاطلين عن العمل ومضاعفة نسبة البطالة بالإضافة إلى أنه سيؤثر على أمان سنغافورة بوصفها دولةً لم يكن لها إدارةٌ عسكرية خاضعة لسلطتها من قبل، والحل كان بداية مشروع (التسليح الجزئي) والاستعانة بخبرات الأجانب أمنيًّا.

 

الحاجة للصعود الاقتصادي أو بالأحرى (الإحياء الاقتصادي) كان مسألةَ حياة أو موت لسنغافورة؛ فالسياحة التي حاولت الدولة جديًّا استعادتها لم تكن بمفردها كافية لدعم الاقتصاد ككل، ولذلك دعمت الدولة مجموعة أخرى من الأفكار الاقتصادية البناءة، مثل: تسهيل إنشاء المؤسسات الصناعية الصغيرة “مصانع تجميع المنتجات الأجنبية” و”مشاغل الصناعات البسيطة” وتسهيل وحماية الطرق لتحفيز المستثمر الوطني بشكل أكثر خصوصية لدخول الاقتصاد بأمل كبير في الربح وحلم كبير في مساعدة وطنه.

 

التعليم في سنغافورة


برزت مرَّةً أخرى فكرة التعليم وسيلةً لتعزيز الاقتصاد السنغافوري، فعلى الرغم من أن التعليم يحتاج للإنفاق بشكل مستمر إلا أنه عندما تمتلك الدولة مؤسسات تعليمية بارزة فإنها ستصبح وجهة آلاف الطلاب بشكل سنوي ومئات المستثمرين الأجانب، وهو ما سعت له “سنغافورة”.

 

وفَّرت “وزارة التعليم في سنغافورة” عددًا من المؤسسات التعليمية لجميع الفئات العمرية من الابتدائي حتى الكلية، بالإضافة إلى إتاحة مراكز تعليمية للمجالات التطبيقية والمهنية؛ حيث إن هناك طرقًا مختلفة يمكن أن تقود للحصول على الشهادة الجامعية والوظيفة، ولكن أهم خطوة في كل هذا تبدأ بـ(مرحلة ما قبل المدرسة) وهي ثقافة زُرعَتْ في عقول الشعب السنغافوري، تدفع الآباء للاهتمام بأطفالهم ودعمهم ذهنيًّا ولغويًّا لحصد المعرفة بتحضيرهم للمدرسة الابتدائية في سن السادسة.

 

وبعد 6 سنوات من التعليم الابتدائي، ينتقل الأطفال إلى المدارس الثانوية حيث يسمح للطلاب اختيار طريقهم الخاص في تلك المرحلة، ويمكنهم الاختيار بين الالتحاق بثانوية عادية أو متخصصة أو متقدمة، لينتقل فيما بعد لمرحلة (التعليم ما بعد الثانوي) الذي يبلغ 3 سنوات بحد أقصى طبقًا للكلية التي يرغب في الانضمام إليها.

 

ويعتبر نظام التعليم في سنغافورة واحدًا من أفضل أنظمة التعليم في العالم حيث وصل إنفاق “سنغافورة” على التعليم حوالي 20% من ميزانيتها الإجمالية، وتخطى إنفاق الدولة 12 مليار دولار سنغافوري عام 2015 وهو مبلغ ضخم قياسًا بعدد الطلاب الذي يُقدر بنصف مليون طالب في كل مراحلها التعليمية في دولة لم يتخطى عدد سكانها 7 مليون، وتفتح الدولة أبوابها للمؤسسات التعليمية الخاصة، وتُشرف عليها بشكل عام، وغالبًا ما تكون تكاليف الانضمام إليها أكبر بالنسبة للأجانب لتحقيق الاستفادة الاقتصادية من نجاح النظام التعليمي السنغافوري.

 

لماذا نجح نظام التعليم السنغافوري؟



نجاح نظام التعليم في سنغافورة لم يكن لمثاليته بل لواقعيته الشديدة؛ فلقد استوعب حقيقة اختلاف البشر في المواهب والقدرات، ولذلك نوَّع من طبيعة المؤسسات التعليمية؛ فليس كل البشر يرغبون في حمل شهادات في العلوم النظرية، بل رغبة العديد منهم في التعلم للكسب المباشر، ولذلك برزت أهمية التعليم المهني والتقني وتوجَّه البشر للتعلم بعلم ينفعهم في حياتهم، مع إدراكهم بأن التخلي عن العلم سيُفقدهم القدرة على المنافسة، وسيخرجهم سريعًا من عالم لا مكان فيه للجهلة، ولذلك أصبح التعليم وسيلة وغاية في الوقت نفسه، وهو ما جعلهم يدركون قيمة تعليم أبنائهم، ولذلك رفضوا التناسل المتزايد طالما لن يستطيعوا توفير هذا الاستحقاق لأبنائهم.

 

والمُلاحظ أيضًا في “النظام التعليمي لسنغافورة” أنه يهتم بالاختصار والتخصص، فهو لا يطيل من “الفترات التعليمية” مما يُسهل الأمر على الطلاب، ويدفعهم للرغبة في التعلم، وأيضًا يخفض نفقات العملية التعليمية ككل على الآباء والدولة وفي الوقت نفسه يدعم “التخصص”؛ مما يُنتج سنويًّا أشخاصًا قادرين على القيام بأدوار تم إعدادهم لها معرفيًّا وتطبيقيًّا، ويستفيد من ذلك بإتاحة إمكانية الانضمام لمؤسساته التعليمية بنفقات أكبر للأجانب؛ مما يجعله يحصد نجاحًا اقتصاديًّا بُني على نجاح تعليمي وتخطيطي.

كيف يرى العالم تجربة سنغافورة في التعليم؟

 

نظام التعليم في سنغافورة يركز بشكل أساسي على تبسيط المعرفة ونقلها بعدَّة طرق لتتناسب مع قدرات الاستيعاب المختلفة، ومن الواضح أنها فعالة للغاية، والنتيجة تظهر بوضوح في التقييمات العالمية لدراسة الرياضيات والعلوم (TIMSS) وبرنامج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتقييم الطلاب الدوليين (PISA).

 

لا يمكن لأحد أن يُنكر “نهضة سنغافورة” وقدرتها على التحوُّل من مُستعمرة بريطانية ضعيفة لا تمتلك جيشًا نظاميًّا ولا مؤسسات وطنية إلى دولة رائدة في مجالات التعليم والصناعة والتقنية، ولكن تجربتها التعليمية كانت -ولا تزال- محط أنظار العديد من المؤسسات العلمية حول العالم؛ فقد أصبحت دولة يرغب آلاف الطلاب حول العالم في حمل شهادتها، والانتساب لمؤسساتها التعليمية، بعدما كان يتسرب طلابها منها يومًا بعد يوم.. ربما الأمر يكمن كلُّه في المرونة وإتاحة الفرص لتنمية القدرات والمواهب!

 

المصادر

https://theconversation.com/why-is-singapores-school-system-so-successful-and-is-it-a-model-for-the-west-22917

https://www.internations.org/singapore-expats/guide/16084-family-children-education/the-education-system-in-singapore-16071

https://en.wikipedia.org/wiki/Education_in_Singapore

https://www.moe.gov.sg/education

 

مصطفى جمعة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك