مُراجعة التعليم الدّيني بالمغرب: نحو التّسامح والاعتدال!

28 فبراير , 2016

في مُبادرة هي الأولى من نوعها، أصدر الملك محمد السّادس خلال مجلس الوزراء الذي ترأسه بمدينة العُيون في السادس من فبراير 2016 أوامر تقضي بمُراجعة النظام التعليمي الدّيني عبر مُراجعة المناهج والكُتب التعليمية الدينية.

لماذا المُراجعة؟

أكّد بيانٌ أصدره الدّيوان الملكي على أنّ الهدف من مُراجعة التعليم الديني في هذه الفترة بالذات هو “منح أهمية كُبرى لقيَم الإسلام المُتسامح في إطار التّقليد السّني المالكي الذي يدعو لدين الوسطية والإعتدال، ثم التسامح والتعايش مع مُختلف الثقافات والحضارات البشرية.”

كما أضاف البيان ذاته أن الملِك يؤكد على أهمية أن ينفتح البرنامج التعليمي الديني على مُجتمع المعرفة والمُستجدات الأخيرة في العالم.

سياقُ القرار

جدير بالذّكر أنه ما بين 25 و27 يناير 2016 عُقدَ مُؤتمر في مراكش حول “حقوق الأقليات الدينية في الدّيار الإسلامية”، الذي استضاف قُرابة 300 من المفكرين الدينيين والوزراء من العالم الاسلامي، وقد أشادَ الرّئيس الأمريكي “باراك أوباما” بمضمون المُؤتمر في خطاب له بواشنطن خلال اليوم العالمي لذكرى ضحايا الهولوكست.

ما خرجَ به مُؤتمر مراكش، كما كان مُقرّراً له، هو العمل على نداء يدعو للحِراك الدولي لمواجهة التطرف الديني الذي تقوده داعش في المنطقة هذه الأعوام، وذلك عن طريق تعديل البرامج التعليمية الدينية التي بالاضافة إلى كونها تدعو للتطرف والعُنف، فهي تُغذي الحروب وتكسر وحدة المُجتمع، وبالتالي فإن قرار مُراجعة مناهج التعليم الديني، العمومي والخصوصي، بالمغرب، يأتي نتيجة لإعلان مُراكش الأخير، كخُطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ التعليم الديني بالمغرب.

ردود أفعال مُتضاربة

تفاعل “عبد الله بوصوف”، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في مقال نشره على موقع هسبريس، مع هذا القرار الملكي قائلاً :

“إن تدريس الإسلام يجب أن يتطور وفق عمليات إصلاحية تأخذ بعين الاعتبار العلوم الإنسانية، من خلال ربط الدين بحقوق الإنسان وتدريس الأديان الأخرى، انطلاقًا من مصادرها اللاهوتية، وليس من القراءات التي أعطيت لهذه المصادر، مع استحداث قسم لتدريس الظاهرة الدينية يقدم المعرفة الدينية الضرورية؛ وكذلك إنشاء وحدات متخصصة في الجامعات، وكليات الشريعة والمعاهد الدينية؛ بالإضافة إلى اعتماد العلوم المساعدة.

لأنه من غير الممكن تدريس الدين بمعزل عن علوم الاجتماع، والاقتصاد، وتاريخ الأديان، والعقلانية، حتى نتمكن من تكوين مواطن سليم محصن يستطيع فحص جميع الإشكاليات الدينية والدنيوية المطروحة بشكل علمي وعقلاني، وبحس نقدي”.

وفي جانب آخر، قالت “نزهة الصّقلي”، عضوة في حزب التقدم والإشتراكية والوزيرة السابقة للتنمية الاجتماعية، الأسرة والتضامن:

“الدين يخصّ جميع المغاربة، وليس فقط حكرًا لرجال الدين، يجب أن ينخرط مؤرّخون، فلاسفة، علماء اجتماع و عُلماء في هذا الحوار، ويجب على علمائنا أن ينفتحوا على مجالات مُختلفة، لأنه لا يمكننا أن نرتكز فقط على نصوص تعود لعدة قرون.

نفس الفكرة أكد عليها “مهدي عليوة” عالم الاجتماع في شعبة العلوم السياسية بالجامعة الدولية بالرباط:

“لا توجد أية تربية وطنية في العالم قد نجحت في تعديلاتها دون إدماج مُقاربة تشاركية، بالاضافة إلى أنه يجب على الهيئة التعليمية أن تعترف بأنها لا تعلم كلّ شيء، لأن الشك والتواضع أساس كلّ علم، فإنه يجب على المسؤولين أيضاً الاعتراف بذلك”.

ولكن ككلّ مرة، كانت ردود أفعال بعض روّاد مواقع التواصل الاجتماعي مُختلفة، حيث يرى بعضهم أن تعديلات مُشابهة على النصوص التعليمية الدينية هي نوع من التنازل، أو بمعنى آخر، خطوة نحو تغيير العديد من الأساسيات التي أتى بها الإسلام ويجب تدريسها لأطفالنا، حتى ولو كانت من وجهة نظر معينة تدعو للكراهية والقتل، فإن هذا غير صحيح إطلاقًا، ما دامت تُفهم خارج سياقاتها.

خلاصة

إن التساؤل الذي يُمكننا طرحُه هنا هو: ما مدى جدوى هذه المراجعة؟ وهل هي كافية جدّاً للنّيل من مشاعر الحقد والكراهية والقضاء على مشاهد العنف التي تحدث في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي الآن؟ وما هي الحدود التي سنتوقف عندها في مُراجعاتنا للدين الإسلامي بمُبرّرات مُماثلة لهذه “التسامح والاعتدال والوسطية”؟ أليست الرغبة في تعديل مناهج تعليمية هي خطوة خجولة نحو تعديل نصوص دينية بأكملها ما دامت هي مصدر العنف والكراهية؟


مصدر الصّورة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك