هل تنهار قلاع المؤسسات الأكاديمية العريقة في الولايات المتحدة؟ تجارب تعليمية بديلة قد تكون الحل

11 أبريل , 2018

“تتم عملية الاختيار الأكاديمي في مرحلة مبكرة من عمر الطلاب، وتؤدي هذه الخيارات فيما بعد لتحديات، يُرى أثرها جليَا في التواصل والاندماج المجتمعي وقبول الآخر والثقة”.

 

بيتر ميري، الرئيس التنفيذي للابتكار في جامعة «Ubiquity» – وهي جامعة إلكترونية معتمدة، تجمع بين التعلم والابتكار المجتمعي

 

ووفقا لأحدث الاستطلاعات، يرى 85% من الأمريكيين وجود انقسام بين المجتمع، تعزوه دراسات إلى الاختلافات الثقافية والتعليم. ما يعني أن استمرار التعليم التقليدي في مساره الحالي من شأنه أن يعمق الانقسامات.

 

فـنحو 35% فقط من الأمريكيين يعتقدون أن الآخرين جديرين بالثقة، بالمقارنة مع النرويج، فترتفع النسبة بها لتصل نحو 75% وهي دولة تتمتع بنظام تعليمي رائد.

 

عدم المساواة في التعليم يحدد مستقبل الآباء والأبناء

فالنظام التعليمي في الولايات المتحدة يقرر مستقبل غالبية الأطفال منذ الصغر، والذي يحدد معالم مستقبلهم المهني كذلك.  وهو ما كشفته البيانات التي أظهرت علاقة طردية بين معدلات الأجر ومستوى التعليم، فيحسم الأمر مبكرًا أمام كثيرين، الذين توصد أمامهم أبواب هذه المؤسسات، وكذلك أمام أبنائهم فيما بعد. فنحو 5% فقط من الأبناء لآباء لم يحصلوا على الشهادة الثانوية، يحملون شهادة جامعية؛ أي أن النظام التعليمي لا يستطيع توفير الحق في التعليم للجميع على قدم المساواة المطلوبة.

 

التعليم البديل حل لمشكلات المؤسسات التعليمية

إلا أن ارتفاع تكاليف التعليم والفصل المبكر ليسا السببين الوحيدين؛ وإنما لعدة أسباب، منها طبيعة النظام التعليمي، والمناهج التي لا تسمح للطالب باستكشاف العالم إلا بعد التخرج، بجانب أنها لا تراعي الاختلافات الفردية، فيتعين على الجميع اجتياز المناهج ذاتها.

 

ومن هنا ظهر مصطلح التعليم البديل الذي يقدم نهجًا مغايرًا للعملية التعليمية، عن طريق مناهج ومدارس تقدم أسلوبًا مبتكرًا ومرنًا، يقوم على إشباع الاحتياجات المختلفة والفروق الفردية للطلاب.

 

لذا رأى بعضهم في تجارب تعليمية بديلة، مثل تجارب الدول الأوروبية والإسكندنافية، التي توفر تعليمًا عالي الجودة ومنخفض التكاليف، وتقدم لنا حلًا للمشكلات السابقة، بصيص أمل لمد أواصر الثقة والتواصل بين المجتمعات متعددة الخلفيات الثقافية، إليكم بعضها:

 

ردم الفجوة في التواصل مع الآخر

مثلما نعلم، يمد التعليم قناة تواصل مع الآخر تمكننا من فهمه والثقة به، إلا أن الفصل المبكر في المؤسسات التعليمية الأمريكية يحول دون ذلك.

 

أما إذا اتجهن اللسويد، فمن المألوف أن تجد الطلاب منخرطين في أنشطة خارجية بعيدة عن المقرر الدراسي، فهم يحتكون بالآخر. لذا بدأت عدد من المدارس الأمريكية في الرجوع لـ«مدارس الفصول الواحدة»، التي تضم طلابًا مختلفي الأعمار في الفصل ذاته؛ وفيها يساعد الطلاب الأكبر سنًا الأصغر منهم في تعلم القراءة والكتابة على سبيل المثال، وهو نهج اجتماعي تجريبي، تطبقه هذه المدارس من أجل دعم بناء شخصية الطالب وتطوير حس التعاطف والتعاون لديه، فيما يعرف حديثًا بـ«التعليم الاجتماعي العاطفي(SEL)».

 

التعرف إلى العالم الحقيقي

جرت العادة على استكشاف الحياة العملية بعد التخرج، ما قد يشكل في بعض الأحيان صدمة للخريج الجديد، الذي يبدأ في التعرف إلى ما تتطلبه المجالات الحياتية المختلفة، إلا أن «كابس-CAPS» يحوي الأفضل بكل من العالمين؛ فيجمع بين الدراسة والتطبيق، بالاستكشاف العملي للمجالات المتعددة، مثل الطب والقانون ومشاهدة واختبار كيف تتم ممارستها على أرض الواقع. وهذا النظام حديث العهد نسبيًا فقد بدأ عام 2009، إلا أنه تمكن من إطلاق أكثر من 11 شركة تدار بواسطة الطلاب.

 

نفقات أقل

مثلما تقول وثيقة حقوق الإنسان فالتعليم حق مكفول للجميع، لكن كيف يمكن توفيره إذا كانت نفقات هذه الجامعات تستنزف ثروة صغيرة لا يقدر عليها هؤلاء؟ وهو ما انتبهت إليه ألمانيا، ففتحت جامعاتها في ولاياتها الست عشرة أبوابها للطلاب من جميع الدول، بعدما ألغت الرسوم الدراسية الجامعية، وانخفضت تكاليف المعيشة السنوية نحو تسعة أضعاف قيمتها السابقة. فهل تحذو الولايات المتحدة حذوها؟

 

مناهج تعليمية مخصصة لاحتياجات كل طالب

التعليم التقليدي المعتمد على المواد الدراسية «عتيق» هكذا أدركت فنلندا؛ فألغت المواد الدراسية؛ لتصبح الدولة الأولى في العالم التي تلغي المناهج، وصار الطلاب يدرسون الأحداث والظواهر كوحدات متكاملة، يستكشفون من خلالها التاريخ والعلوم وغيرها من المواد، والتعرف إلى وجهات النظر المختلفة.

ونعود مرة أخرى إلى السويد لنلتحق بـ«مدارس المعرفة-Kunskapsskolan»، وهي مدارس مستقلة تعني بتخصيص التعليم وفقًا لاحتياجات كل طالب، فتحدد بناء عليها الأهداف التعليمية مع الإشراف الأسبوعي، وجدول مخصص لكل طالب، يعمل كل ذلك بمرونة مع وجود بوابة تعليمية إلكترونية. وقد بدأت عدد من هذه المدارس في المملكة المتحدة، تلتها الولايات المتحدة على نطاق محدود.

 

فرص متكافئة للجميع

تبرز هذه المشكلة جليًا في المدارس ذات الأقلية المرتفعة، التي تظهر البيانات أنها تعاني من نقص الموارد والإدارة المنضبطة؛ ما ينعكس على ارتفاع نسب فصل الطلاب، وهو ما أورده «مكتب محاسبة الحكومة في الولايات المتحدة-GAO»، مشيرًا إلى مشكلة أخرى، وهي التقسيم العنصري على أساس العرق والطبقة في المدارس العامة، وأن الأمر لا يتحسن؛ وإنما يتزايد باطراد بوجود أكثر من 20 مليون طالبًا ملتحقين في المدارس العامة المقسمة عرقيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بالمقارنة بـ14 مليون طالبًا عام 2001.

على الجانب الآخر، نعود لفنلندا، ليس فقط لاستراتيجيتها التعليمية المتقدمة، وإنما لحرصها على توفير فرص متكافئة للجميع من مواطني فنلندا وخارجها. وكذلك النرويج التي تحتضن نحو 15 ألف طالبًا دوليًا، يتمتعون بمناخ تعليمي يجعلها إحدى الوجهات الجاذبة للطلاب، فهل تنضم الولايات المتحدة لقائمة هؤلاء؟

 

استقلال التعليم

كان لتفاقم فقدان الأمل لدى عدد من المربين والمعلمين وأولياء الأمور في المدارس التقليدية أبرز الأثر في إنشائهم لمدارس مستقلة، تضع الطالب أولًا، وذات أنظمة تعليمية بديلة، تتمتع بالاستقلالية ومرونة أكبر وأقل تكلفة من المدارس الحكومية التقليدية، وتقدم تعليمًا خاصًا ومناهجًا متخصصة في مجالات محددة، مثل الفنون والتدريب الحرفي.

 

وتتبع كذلك عددًا من النظم واللوائح الحكومية وتتلقى دعمًا من الحكومة، وتتيح للمعلمين والآباء الطامحين لتعليم أكثر ابتكارًا السعي لجمع التمويل اللازم لمثل هذه المدارس، والتي تعرف بـ«المدارس المستقلة»، وتوجد في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة ونيوزيلاندا. وبحلول عام 2014، فاق عددها 6 آلاف مدرسة في الولايات المتحدة، منذ بدء انطلاقها في 2012.

وفي النهاية، يمثل نجاح تجارب هذه الدول نماذج متطورة تقدم حلولًا ريادية للتعامل مع مشكلات النظام التعليمي التقليدي بمساوئه المختلفة في الولايات المتحدة. لذلك، على الولايات المتحدة مواكبة الجهود الدولية، والعمل على الاندماج المجتمعي والمواطنة والتبادل الثقافي، والحراك المجتمعي، وتأمين فرص متكافئة، ورأب صدع فقدان الثقة بالآخر، والتعلم من تجارب المؤسسات التعليمية الدولية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك