هل ثمة علاقة بين الأطفال والفلسفة؟

30 أبريل , 2017

عندما نتحدث عن علاقة الطفل بالفلسفة فإننا نكون أمام علاقة غريبة ومعقدة تجمع بين مفهومين ملتبسين، فالفلسفة أو فعل التفلسف الذي يقوم به أي مبتدئ قي دراسة هذا الصنف يجعله يطرح سؤالًا حول ماهيتها، وفي سعيه للبحث عن عدة تعاريف من طرف الفلاسفة أنفسهم سيجد كمًا هائلًا من المواقف المختلفة والمنتاقضة، نفس الشيء عندما يتعلق الأمر بمقهوم الطفولة، فإننا نجده وليد المئة سنة الماضية، وعندما طرح هذا الأخير ظل مسرحًا لأكبر التناقضات النظرية، حيث نجد أن الباحثين يختلفون في تعريف وتحديد مدته الزمنية.

طرح جون بياجيه نظرية النمو المعرفي حيث اعتقد أن لمرحلة الطفولة دورًا هامًا في تنمية الشخص، فالتطور المعرفي بنظر بياجيه هو إعادة تنظيم تصاعدي للعمليات العقلية الناتجة عن النضج الحيوي، وركز على أهمية اكتساب الطفل الخبرات التعليمية المختلفة التي تساعده على اكتساب المفاهيم المختلفة خلال الطفولة، كما يرى أن التفكير ينمو لدى الطفل تدريجيًاـ لذلك ما نراه لدى الراشد يكون صعبًا لدى الطفل، كونه يحتاج إلى مقدمات وحقائق أولية تعتبر مطلبًا أساسيًا للإدراك، ولكن قد يكون تقديم الحقائق والمقدمات الأساسية للطفل عديم الفائدة، لأن الطفل غير جاهز لتعلم المفهوم بعد، الشيء الذي يضعنا أمام إشكالية تعليم الفلسفة للأطفال، فهل هناك فلسفة خاصة بهذه الفئة العمرية، وهل له قدرة على الإبداع الفلسفي، وما مدى قابليته لتعلم الفلسفة، ففيما يتعلق بالوجه الأول لتساؤلنا عن مدى قدرة الطفل على الإبداع الفلسفي وطرح ومعالجة الإشكالات الفلسفية، ميز كارل ياسبرز بين نشأة الفلسفة وأصلها، حيث قال إن نشأة الفلسفة هي حدث تاريخي فريد تحقق في الزمن مرة واحدة، في فترة مضبوطة من القرن السادس قبل الميلاد، وفي بقعة جغرافية محددة في ملطية اليونانية، أما الأصل فهو ظاهرة سيكولوجية متجددة قد يغيشها كل إنسان متى ما كان قادرًا على الإندهاش والتساؤل، إذن إمكانية وجود فلسفة خاصة بالطفل تتمثل في اندهاش هذا الطفل من وجوده ويستفيق من تلك الدهشة عن طريق إعمال الفكر في هذا الوجود وما يترتب عن ذلك من طرح لأسئلة وسعي للإجابة عنها.

نحن نعلم أن الطفل يشرع فعلًا في فترة معينة من نموه في طرح أسئلة تبدو في ظاهرها على الأقل كالسؤال عن الذات الإلهية ومصير الموتى بعد الموت، هذه الأسئلة تلامس قضايا ميتافيزيقية، حيث رأى ليفين جاك أن الطفل فيلسوف بطبعه.

نستطيع أن نخلص إجمالًا  إلى أن هناك تضاربًا في الآراء القائمة بين تيار مع تعليم الفلسفة وتيار ضدها. حيث يرى ديكارت أن الطفولة هي الخطأ، وأن الطفل عاجز عن إدراك الحقيقة لأنه غير قادر بعد على إحكام عقله أو استعماله بشكل صحيح، وأن التطور لامس حواسه فقط، غير أن جان جاك روسو رأى أن الطفل يتوفر على قوى وخصال يجب استغلالها في تنمية قدراته وتيسيير سبل اندماجه في الحياة الاجتماعية.

لا مجال إذن للبحث عن فلسفة خاصة بالطفل، فإبعاد الطفل عن التفلسف وطرح إشكالات فلسفية هو أمر لا رجعة فيه.

فيما يتعلق بالبعد البيداغوجي لتفلسف الأطفال، فالأمر مرتبط بالموقف من مسألة النضج نفسه، هل للطفل مؤهلات ذهنية تمكنه من تعلم الفلسفة وممارسة التفلسف؟

ظهر تيار الفلسفة للأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية على يد ماتيو ليبمان، لينتشر بعد ذلك في كندا وفرنسا وباقي أرجاء العالم، جاء فكر ماتيو النقي من ممارسته التعليمية، حيث لاحظ أن فكر الطلبة فاشل، لا يمكنه تعديله، وآمن بضرورة الاشتغال في مستويات أدنى (المرحلة الابتدائية) لتعويد التلاميذ على التفكير المستقل، هكذا وضع برنامجًا لتدريس الفلسفة للأطفال في معهد يدعم ويطور هذه البيداغوجية الجديدة، حيث اعتمد على القصص الهادفة والمؤلفة بعناية، هدفها البحث عن معنى للتجربة الوجودية للطفولة.

تقوم طريقة ليبمان في التدريس على جعل الأطفال يتمتعون بالفلسفة ويشاركون في التفلسف من خلال ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى هي القراءة : يقرأ التلاميذ بصوت مرتفع، بصورة جماعية وفردية فصلًا من القصة المقررة.

المرحلة الثانية : جمع الأسئلة المرتبطة بالفصل موضوع القراءة والربط بينهما وبين تجارب الأطفال اليومية.

المرحلة الثالثة : المناقشة، وهي الأهم في نظر ليبمان، وتدور حول المواضيع والإشكالات التي جرى حصرها في المرحلتين السابقتين، حيث يتبين من منهجه في تدريس الفلسفة للأطفال أنه اعتمد النص الأدبي والمساءلة والمناقشة لتحقيق أهداف التعلم وبلوغ الفكر النقدي الإبداعي المستقل.

الشيء الذي يجعلنا نخلص في الأخير إلى ضرورة العمل على تطوير التفكير الفلسفي لدى الأطفال بطريقة مبسطة وغير مباشرة تجعلهم يتعودون على التفكير والتساؤل في قضايا وجودية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك