واقع المدرس والمدرسة بالعالم القروي في المغرب (1)

13 يناير , 2016

لا يكاد الناظر لواقع التعليم بالمغرب أن يغفل عن المعاناة التي تحيط بالمدرسة والمدرس في العالم القروي، فالتمدرس في العالم القروي وإن كان جزءًا من أزمة كبيرة مستعصية يعانيها التعليم المغربي، فإنه يبقى من أكثر الموضوعات مرارة بالنظر لحجم التحديات التي لازمت المدرسة المغربية وستصاحبها مستقبلًا في ظل غياب إرادة تنهض بالتعليم من منظور شامل وتعالج اختلالاته من خلال معالجة الأسباب المنتجة لهذه الاختلالات.
فواقع التمدرس بالعالم القروي يطاله الكثير من التردي بمقابل نقصان الاهتمام بتجاوز تلك النقائص، ولن نعمق كثيرًا في التشخيص لكل التمدرس في الوسط القروي الذي يمثل مساحة واسعة وعليه رهانات متعددة من السلطة في المغرب، وسنبقي النظر بشكل مجمل في طرفي المعادلة في التدريس، وهما المدرس والمدرسة كفضاء ومدى توفر الحاجيات الأولية للقيام بالمهمة التعليمية والتربوية بالشكل اللائق.

فما هو واقع المدرسة والمدرس بالوسط القروي؟

1) واقع المدرسة بالعالم القروي

إن المدرسة باعتبارها فضاء للتربية والتعليم ينبغي أن تكون موضع اهتمام، فهي نواة من الأنوية الأساسية التي تسهم في تشكيل المجتمع وبناء أسسه والتي من أهمها الإنسان، وإذا نحن أردنا النظر إلى حقيقة مجتمع وتقييم تقدمه من تخلفه في مختلف المجالات، فإن المدرسة تعتبر المرآة العاكسة لحقيقة أي مجتمع، لأن التقدم رهين بالوعي، فالانحطاط في الوعي تكون دلالاته من المنظر القبيح للمجتمع المنحط كما تظهره المدرسة، لأنها الكفيلة ببناء الوعي، وكذلك جمالية منظر النهوض في مجتمع ما يتم تلمسه في جدران المدارس ووظيفتها وطبيعة الثقافة السائدة فيها والقيم التي تقوم باستنباتها وغرسها.

وإذا نحن نظرنا إلى المدرسة في الوسط القروي في العالم القروي، بالنظر لهذا التمثيل السابق، فإنها تعكس إحدى تجليات واقع التعليم وحقيقة التخلف الذي نعيشه نتيجة الإهمال الذي يتعرض له هذا القطاع، فالمدرسة في البوادي من حيث هي بناية وفضاء لا تختلف في أغلبها عن كونها أشبه للحظيرة منها لفضاء تربوي، فضاء خرب محاط بسور تنعدم فيه أبسط أدوات التدريس الأساسية، وإن وجدت فأغلبها غير صالح للاستعمال.
تنتشر الفرعيات في العالم القروي على شساعته، وقد أشار التقرير التحليلي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى نسبة التطور في أرقام المدارس ونسبة التلاميذ خلال الفترة المتراوحة بين سنتي 2000 و 2013، وهي الفترة التي تم تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وبعده المخطط الاستعجالي سنة 2009 الذي عرف بدوره فشلًا، فجاء التقرير المذكور ليضع تقييمًا لكل العقد الذي مضى في المنظومة التعليمية، ويشير التقرير المذكور إلى أن بناء المؤسسات التعليمية منذ سنة 2000 عرف “تزايدًا في التعليم الابتدائي أكثر مما هو عليه الأمر في الثانوي الإعدادي والتأهيلي. وبالفعل، فما بين سنتي 2000 و 2013، انتقل عدد المدارس الابتدائية من 5940 إلى 7485 وتزايد عدد الفرعيات من 11526 إلى 13255، وذلك بمعدل سنوي يناهز 124 مدرسة و133 مدرسة فرعية. أما الإعداديات فقد ارتفع عددها إلى 1751 سنة 2013، بعدما كان في حدود 972 سنة 2000، أي بمعدل زيادة سنوية يناهز 60 إعدادية. وتضاعف عدد الثانويات بالسلك الثانوي التّأهيلي لينتقل في نفس الفترة إلى 1000 مؤسسة”.

ويضيف التقرير بعد إشارته إلى نسبة تطور المؤسسات في العالم القروي إلى أن “هذا التطور بالثانوي التأهيلي يظل إشكاليًا. فإذا كانت كل الجماعات الحضرية في سنة 2000، متوفرة على ثانوية إعدادية على الأقل، فإن 58 في المائة فقط من الجماعات القروية توفرت على مؤسسة من هذا القبيل في نفس الفترة. ويشكل هذا النقص في التغطية على مستوى التعليم الثانوي الإعدادي بالوسط القروي، عائقًا أساسيًا أمام جزء كبير من أطفال هذا الوسط لإتمامهم الأسلاك الأساسية” (انظر التقرير التحليلي، ص: 26، الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي).
فالأرقام السالفة لها دلالة واضحة على التطور البطيء في تشييد المؤسسات التعليمية وكذا النقص المهول لها في العالم القروي، فإذا كان تقرير رسمي من هذا الحجم يعترف بإشكالية كبيرة متعلقة بالنقص في المدارس التربوية ببالعالم القروي، فكيف يمكن لباقي الفعاليات المهتمة بالشأن التعليمي ممن ليس بالحكومة اعتبار واقع المؤسسات التعليمية ومن ثم وضعية الاستاذ مع حالة التدريس في ظل نقص البنيات التحتية والاكتظاظ الحاصل إلى جانب صعوبة التنقل والاستقرار في العالم القروي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك