وراء كل طفل عظيم أم أعظم! (محمد جلود) نموذجًا

2 نوفمبر , 2016

من منا لم يفخر بفوز “محمد عبد الله فرح جلود” أو نابغة الجزائر كما يحلو للبعض أن يسميه في تحدي القراءة العربي المقام بدبي هذا العام؟، ومن منا لم يتمنَّ أن يكون له طفل مثله يفاخر به بين العالمين؟ هذا التفوق الذي  دفعني للبحث أكثر عن قصة هذا الصغير سنًا العظيم نبوغًا ،والذي اعتبره البعض استثنائيًا وسط عالمنا العربي الذي يحتل ذيل الترتيب كلما تعلق الأمر بالقراءة ونسب المقروئية فيه، لأقع على منشور لصديقة لي عبر الفيس بوك تتحدث فيه عن الأستاذة عائشة أم محمد، منشور ألهمني كتابة هذا المقال فلقد افتتحت منشورها بعبارة هزتني حتى الأعماق.

“أمّا أنا فلا أرى فيه إلا مشروعَ أمًّ عظيمة نذَرَتْ ما في بَطنِها مُحَرَّرًا لرَبِّ العزّة فتلقّاه بقبولٍ حسن وأنبتهُ نباتًا حسنًا وأحاطه بعناية إلهية كريمة” – ريان بش-

محمد عبد الله فرح جلود … القصة الكاملة:

 

تحدثت الصديقة  “ريان بش” إحدى ممثلات الجزائر في هذه البطولة  عن الأستاذة عائشة أم محمد، ودورها في صناعة هذا النابغة في سطور ملهمة أترككم معها:
“هي الأستاذة عائشة أم محمد، جزائرية درستْ الفقه والأصول بسوريا في رفقة زوجها الفاضل، لتضع مولودها الأول محمد هناك بمستشفى يافا، ثم تَعُودَ رفقتهما إلى موطنها الأصلي لتختار مدينة العلم والعلماء ومنبت المفكرين : “قسنطينة” لتستقر بها.

ثم شرعتْ في تدريس شرح صحيح البخاري بالسند ونشطت في عدة جمعيات ومؤسسات، وها هي الآن تفتح جمعية للتأهيل الأسري وفنون تربية الأولاد بنفس الولاية، هذه العظيمة رأيتُ فيها سيماءَ المرأة في الإسلام، وقمتُ باستجوابها استجوابًا عنيفًا طيلة مرافقتي لها في السفر ، فكانت أكبر مكسب لي وأعظم مصدر إلهام لحد الآن،  إنها سيدة أبَت الخضوع لأحكام العقل الجَمْعي على المرأة وتثبيطه لها، بل منذ صِغرها آمنت بأهميتها وصممتْ على أن تحيا بمشروع خليفة الله على أرضه، فأعدّتْ نفسها واهتمت بتكوينها المعرفي والأخلاقي، فطلبت العلم وتميزت فيه، ولما حان الوقت المناسب نقلتْ شُعلَتَهُ لطفلها وقُرّة عينها محمد، فكان أهمُّ ما ركّزتْ عليه هو أن تربِطَهُ بقُدوة يحيا ليكون مثلها، فاختارت العَلّامَة عبد الحميد بن باديس والشيخ البخاري، ففي الوقت الذي يضيعه بقية الأطفال في مشاهدة “سبونج بوب” و”غامبول”، كانت تحكي له عن سيرة هذين العظيمين وإنجازاتهما بأسلوب قصصي مبهر، فهي بذلك تربطه بهدف عظيم يُمثل طموحها في أن يكون محمّد مُجدِّدَ عصْرِه، بدأت الأستاذة عائشة تعليم محمد الكتابة والقراءة في وقت مبكّر جدًا، ولم تُدخله لمدارس التحضيري ولا للتمهيدي، وإنما اعتمدت في تكوينه على يديها وتربيته على المبادئ الإسلامية الراسخة والقيم السوية، كيلا يحيدَ عن جادّة الصِّدق في زمن كثُرتْ فيه الفتن.

كانت تفتح كلّ ليلةٍ طاولة النقاش معه ومع أخته التي تصغره بعام، تسمع منهما، تحاورهما، لا تستخفّ أبدًا بأفكارهما ولا تتجاهل أسئلتهما فهما يمثلان رسالتها وعبادتها ومحور اهتماماتها.
كانت كل حين تحاول توفير معدات مُصغّرة لتحقيق أحلامهما المستقبلية. فإذا كان محمد يحلم أن يكون قاضيًا عظيمًا مثلًا، كانت توفر له مكتبا خاصا ورداءً ومطرقةً مُصغّرةً ليعيشَ حلمه ويرى بأنه ليس بعيد المنال، بل يفصله عنه خطوات جد واجتهاد، وهذا النموذج اعتمدته دبي في مشروعها ” kidzania ” وكان من أروع المشاريع التي رأيتها هناك .
وقد آتى مشروع عائشة أُكله مع محمد. فقد ألّف قصة مصورة جميلة جدًا حاك هو أحداثها، وقامت أمه برسمها على الصفحات المقابلة لها. ولم أصدق للوهلة الأولى بأنها له من شدة انبهاري بها.
أرضعت عائشة ابنها حُبّ القراءة والعلم مع لبنها، ومع إعلان الموسم الأول للتحدي استغلت الفرصة لتطوير مواهب محمد وبثّ الثقة بنفسه،  فأمضت عامًا كاملًا تتدارس معه القصص والكتب التي تكبر سنه بكثير، فهو لم يجد صعوبة في القراءة وإنما كانت تجربة التلخيص جديدة نوعا ما عليه. أما في مجال الثقافة العامّة فقد هيّأتْهُ لأسئلتها، وذلك عن طريق تحضيره في أغلب دروس التاريخ والجغرافيا والعلوم والفيزياء والعلوم الشرعية، من السنة الأولى ابتدائي للخامسة ابتدائي.
ومع بداية التحدي مضى محمد بكل ثقة يشق دربه إلى أن حاز المرتبة الأولى وطنيًا وتأهل للتصفيات النهائية بدبي.
حينذاك قُدِّمت دعوة لمحمد ولأبيه فقط للحضور لدبي، وكان ذاك الخبر صاعقًا لمحمد وأمه، فقد كانت هي السند الذي يستمد منه القوة والشجاعة والفصاحة. لهذا بذلت العائلة المستحيل وسافرت معنا الأستاذة عائشة بمالها الخاص، لكن حين قدومنا لدبي تفهّمت لجنة إدارة التحدي الوضع وسمحوا لها بالإقامة مع ابنها بنفس الغرفة بالفندق، وهنا استمرت رحلتها النفسية مع محمد حتى آخر لحظة قبل المسابقة.
ومع إعلان النتائج وفوز محمد خرّت هذه الأم العظيمة ساجدة شاكرة ربّها على مِنَّتِه وعطائهِ الكريم.
فقد قاست وعانت صعوبات عديدة ومحاولات جمّة لتثبيطها وإحباط ابنها لكن “يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”، فقد يقول البعض حين يرى فيديوهات محمد المسجلة: إنّه مُلقّن وتمّ تحفيظه كل ما ذَكرَهُ.
نعم قامت أمه بمناقشة كل احتمالات الأسئلة معه، وهذا ما لا يجعل من محمد معجزة وأسطورة بل يجعله أيقونة ومثالًا يجب أن تحتذي به أمهات المسلمين في تربية الجيل الصاعد. فما أحوجنا لمثل هذه العظيمة المتواضعة التي تسعى لتكون عائشة عصرها”.

الأم العربية وصناعة الإنسان المفكر:


قصة هذه الأم العظيمة أضاءت جانبًا آخر من روحي، ولفتت انتباهي  لما نعيشه في وطننا العربي اليوم من تخلف وضعف، والذي قد يعود في الأساس لتلك الفكرة المقيتة التي زرعناها في أنفس فتياتنا اليوم، فحجّمنا نجاحهن ومكانتهن في المجتمع،  بخروجهن للعمل كل اليوم. وجعلنا المرأة العربية اليوم تخجل من كونها “ماكثة في البيت لتربية أولادها”، ببساطة جعلناها تخجل من أهم دور قد تقوم به المرأة ألا وهو “صناعة الإنسان”، فأي مكانة لها في هذا المجتمع إن أهدته مشروع إنسان عادي، قد يتحول في أي لحظة لفرد غير متوازن قادر على إلحاق الأذى بمن حوله، نتيجة لخوائه الفكري الذي قد يملأ بفكر متطرف متعطش للدماء؟

وهنا يجب علينا أن نوضح نقطة هامة وهي أن وجود الأم قريبة من أطفالها لا يعني بالضرورة أن تهمل عقلها وتطوير ذاتها أو أن تحقق نجاحًا يسجل باسمها، فأي فكر ستمنحينه لطفل يعيش في عالم يتغير في كل ثانية وأنتِ قد  اكتفيت بما لديكِ دونما سعي لتطوير ذاتك أكثر. وخروجك للعمل كل يوم لا يعني بالضرورة أنك تتطورين، فقد يكون عملك مجرد روتين يومي يتكرر، دون أن يكون له أي أثر فكري عليك.

إن ما يطورك كأم حقًا هو اطلاعك على أسس تربية تلك النفس البشرية التي منحها الله لك وجعلك أمينة عليها لفترة من الزمن، فلا بد لك من القراءة وحضور الدورات الخاصة بأسس التربية وكيفية التعامل من طفلك، ولا تتحججي بانشغالك بين عملك ومتطلبات البيت، فالتكنولوجيا لم تدع لك أي عذر، فهناك العديد من الدورات المجانية المسموعة والمرئية، أو المسموعة فقط والتي يمكنك تحميلها لتستمعي إليها وأنت تعدين الطعام أو في طريقك نحو عملك. فلا يمكن أن تعتمدي فقط على ما ورثته عن أمك والتي بدورها ورثته عن جدتك فيما يتعلق بتربية أبنائك. إن صناعة الإنسان الناجح يتطلب منك شيئًا أكثر من منح الحنان والحب، أن تحولي نظرتك نحو طفلك من مجرد مشروع “ممارسة أمومة” إلى مشروع  “صناعة أمّة”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

taki eddine منذ 8 شهور

جمييل .. شكراا للجزائر
المنصة التثقيفية الأولى في الجزائر .. معا نحو الأفضل
http://www.ta3allamdz.com/

أضف تعليقك