216 ساعة تضيع من تلاميذ الجزائر والسبب”التدفئة”

8 فبراير , 2017

وأولياء يحرمون أبنائهم من التمدرس خوفًا من الموت “بردًا” أو “خنقًا

 أنقذوا أبناءنا من البرد: 6 أقسام من ضمن 12 بدون تدفئة وسط برد شديد، هكذا استهل  أولياء التلاميذ بقرية المعذر بمحافظة بوسعادة الواقعة، على بعد 242 كم جنوب العاصمة الجزائرية، نداء الاستغاثة لتحريك السلطات العليا للالتفاتة إلى المدرسة الابتدائية ” مهيري محمد” وفي هذا الجو البارد جدًا في عز الشتاء، حيث  يزاول عدد من التلاميذ الفقراء دراستهم وسط أقسام باردة تجاور درجة التجمد، وتنتصب في وسط القسم مدفأة قديمة عتيقة أكل عليها الدهر وشرب، ولم تنفع الشكاوى ولا النداءات ولا الصراخ ولا البكاء في جلب ولو قليل من الدفء لهذه العيون البريئة الصابرة المحتسبة. وأضاف المعنيون “نرجو التفافة إنسانية من طرف من يهمه الأمر من المسؤولين والخيرين لهولاء التلاميذ الأبرياء، فقد بلغ البرد منبت العظم”، خاصة وانه تعاني بعض الأقسام من تسربات مياه الأمطار نظرًا لتشققات السقف وبعض مكاتب الإدارة والبهو تغرق في الماء إذا جاء الغيث من السماء، نرجوا أخذ الأمر بجدية وبعد نظر . .فاللصبر حدود . .”

وفي وقت خصصت وزارة التربية للتدفئة على مستوى الوطني ما يزيد عن 672 مليون دولار، في الخمس سنوات الأخيرة، إلا انه  تعيش المدرسة الجزائرية هذه الأيام على وقع إضرابات واحتجاجات بسبب غياب التدفئة في العديد من المدارس في ظل وجود تقارير عن وجود عدد معتبر منها تفتقر إلى التدفئة، الأمر الذي يؤثر سلبًا على مردود التلاميذ المعرضين للأمراض الشتوية، ومنهم من غادر مقاعد الدراسة لهذا السبب.

 

سابع بلد مصدر للغاز في العالم وموجة الصقيع تترصد بتلامذته

بمحافظة وهران الواقعة في شمال غرب الجزائر على بعد  432 كم، اشتكى ولي تلميذة من غياب التدفئة بمتوسطة ” بن زرجب” بالمنطقة المسماة ” كاستور “، والأخطر من ذلك حسب محدثنا “فإن أستاذتهم  لجأت إلى  إرغام تلاميذ فصلها على نزع المعاطف، ولدى رفض ابنته الانصياع لذلك بسبب البرودة الشديدة، وانتقامًا منها أجبرتها أستاذتها  على الجلوس  أمام نافذة مفتوحة لساعات ومن دون معطف”.

وبسبب البرودة الشديدة التي تعصف بغالبية مناطق الوطن بالجزائر، دخل تلاميذ مدرسة الهاشمي ميهوب  بمنطقة  قوجلية رابح  بمحافظة “عين مليلة” في إضراب مفتوح، على سيناريو  مدارس عاصمة الجزائر من  ابتدائية ” عبد  الرحمان بن زيان” و”ابتدائية ابن الفحام” وابتدائية “ميناني 1” وابتدائية “ميناني 2 “، حيث ولما يزيد عن شهر أوقف أولياء التلميذ أولادهم عن الدراسة احتجاجًا، على تحول الأقسام إلى أشباه  الثلاجات.

وغياب التدفئة عن الكثير من المدارس بالجزائر، بات يشكل هاجسًا وظاهرة يشكو منها التلاميذ وأوليائهم ومع كل بداية فصل الشتاء، مما أصبح يصارع مئات التلاميذ مع بداية دخول الفصل الثاني للدراسة في العديد من المدارس عبر قطر الوطني، موجة الصقيع و البرد القارس، التي تعرفها البلاد لأول مرة منذ أكثر من 4 سنوات، خاصة في المناطق النائية، ويحدث هذا في وقت يسجل فيه انعدام أجهزة التدفئة عن ما يزيد 15 ألف و600 مؤسسة تربوية من مجموع 26 ألف مؤسسة، وإن وجدت تلك الأجهزة في مدارس أخرى، فإن الغاز منعدم فيها  رغم “أننا نتحدث عن دولة هي “سابع “مصدر  للغاز في العالم.”

الأحوال الجوية تفضح التسيير العشوائي وترهن الموسم الدراسي لأجل غير مسمى

وأدى سوء الأحوال الجوية التي عرفتها  العديد من مناطق الوطن، إلى غلق العديد  المؤسسات التربوية على مستوى أزيد من 21 ولاية، وهذا بعد أن شلت الثلوج مدراس لمدة تزيد عن 10 أيام، وذلك زيادة إلى الدروس الضائعة والناتجة عن إضرابات نقابات التربية والتأخر في الالتحاق بالمدارس مع بداية الدخول المدرسي من طرف الأساتذة الجدد، ، ليتجاوز عدد  الدروس الضائعة إلى قرابة 6 أسابيع أي بمعدل 216 ساعة، وهذا باعتراف من وزارة التربية وفق لجنة متابعة تنفيذ البرامج الدراسية، التي أظهرت خلال الفصل الأول من السنة الدراسية الحالية 2016/2017 تأخرًا في الإنجاز يتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع تصل أحيانًا إلى أكثر من ذلك، وحتى لا تضيع حقوق التلاميذ في استفادتهم للمضامين المقررة في المنهاج الرسمي طالبت الوزيرة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة على مستوى المؤسسات التربوية، من خلال تحديد خاصة الثانويات المتأخرة، ومن ثم تسطير برنامج لتدارك التأخر المسجل خلال الفصل الثاني، وهذا قبل أن تأتي الثلوج لتضيع المزيد من الدروس وهو ما قد يحذف عطلة الربيع وفق دعوات تلقتها وزارة التربية بالنظر إلى أن حجم الدروس الضائعة ليس بالأمر.

وبلغة الأرقام، فقد بلغ عدد المؤسسات  التربوية  المتضررة من الاضطرابات الجوية التي ضربت  21 ولاية  عبر  الوطن، ما نسبته 10 بالمائة حيث أغلقت المؤسسات أبوابها على مستوى 13 ولاية، بمعدل 2.689 مؤسسة تعليمية في الأطوار التعليمية الثلاثة منها 1.822 مدرسة ابتدائية و 564 متوسطة و 303 ثانوية.

وفي هذا السياق، فإن هواري قدور الأمين الوطني للملفات المتخصصة للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان يحذر وعبر تصريح لـ”فريق زدني ” من الوضعية المزرية للمؤسسات عبر القطر الوطني، في مقدمتها المدارس الابتدائية جراء تخلي رؤساء “المحافظات”  عن دورهم المنوط بهم تجاهها، كونهم مسؤولين عن تسييرها، برفقة مدراء المدارس.

أجهزة تدفئة “مغشوشة” تضع حياة متمدرسين وأساتذتهم في “خطر”

ووصف هواري قدور وضعية المدارس بالجزائر، بالخطيرة بسبب النقائص التي تؤرق تلاميذ في الوقت الذي لم تكلف فيه الجهات الوصية نفسها عناء التدخل من أجل الوقوف على مشاكل القطاع المطروحة، وهذا بعد أن وقف لحالة هذه المؤسسات التعليمية،  حيث إن النوافد غالبيتها  مكسرة في بعض الأقسام، ووجود صفائح من حديد في الأسطح  في ظل انشقاق الأسقف في بعض الأقسام.

وأشار المتحدث إلى أن بعض أجهزة التدفئة  غير مطابقة لمعايير السلامة والأمن، بسبب الاعتماد على أجهزة  التدفئة المغشوشة واعتبرها قنابل موقوتة تترصد أرواح الجزائريين بما فيها التلاميذ والأساتذة يوميًا، باعتبار أن 50 بالمائة من الأجهزة التي تباع في الأسواق مقلدة.

واستذكر في هذا الصدد نقابي من المجلس الوطني لثلاثي الأطوار “الكنابست” “نقابة”، وفي تصريح لفريق زدني” كيفية  اختناق 7 تلاميذ ومعلمة بالغاز المحروق داخل القسم  بمدرسة “ناجي ناجي” بمنطقة “الشريعة” الواقعة في محافظة  في تبسة  والتي تبعد عن  نحو 630 كيلومترًا إلى الشرق من العاصمة الجزائر.

وطرح النقابي جملة من التساؤلات منها “أليس من مهام وزارة التربية الوطنية تزويد المدارس بتدفئة لا يوجد فيها خطورة على أبنائنا أم أن التركيز على الإصلاحات التربوية وعلى رأسها كتب الجيل الثاني وتغيير رؤساء المصالح في الوزارة أهم؟ كما تساءل “أليس من أولويات المنظومة التربوية أن توفر  الجو المريح لتلاميذنا؟ أم أن استيراد البرامج التعليمية من الدول الأخرى أهم ؟.

مؤسسات تربوية تسير بالصدقة! ومصير مجهول للميزانيات المرصودة لها

واعتبر المتحدث “أن من واجب  الوزارة  الوصية التكفل بالمناطق كلها بالمثل ” محذرًا من إعطاء الأولوية لمدارس الجزائر العاصمة”، قبل أن يستطرد ويقول “هل تعلم وزيرة القطاع نورية بن غبريط”  أن ميزانية ثانوية سنويًا لا تتعدى نصف ميزانية برلماني في المجلس الشعبي الوطني، ما جعل أغلب المؤسسات تسير بالصدقة في مناطق مختلفة من الوطن “، في حين أن أهم” هم” يثير وزارة التربية هذه الأيام ” هو كيفية إنهاء البرامج بأية صورة كانت ولو بالحشو”.

ويحصي في المقابل ممثل الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان،  عددًا هائلًا من أجهزة التدفئة  القديمة، وقال إنها لا تصلح لتدفئة البراعم وزاد من كارثيتها  عدم وجود صيانة، وذلك لعدم وجود المختصين في الصيانة، مع تسجيل انعدام مادة المازوت في بعض الأوقات وعدم وجود رابط للغاز الطبيعي في المرافق الجديدة التي بنيت، مما يستحق منا الوقوف على هذه النقائص –يقول هواري قدور-  وإعطاءها اهتمامًا بالغًا خاصة أن الأطفال الصغار والتلاميذ في المدارس الابتدائية والطور المتوسط الذين يتحملون مشاق السير لمسافات طويلة في أيام البرد القارص، يتوقون للشعور بالدفء وهم يدخلون مدارسهم التي تقوم خلال ساعات الليل بتخزين البرد، حتى إن بعض الأطفال والتلاميذ يشاهدون الصقيع داخل صفوفهم.

وأكد قدور ” أن وزارة التربية حان  لها الوقت لفتح تحقيق معمق لمعرفة وجهة الأموال والميزانيات المرصودة لربط المؤسسات التربوية بالتدفئة، رغم كل الأغلفة والإعانات المالية التي وجهتها السلطات المركزية، قصد تزويد المدارس بالتدفئة إلا أن “دار لقمان بقيت على حالها” واستفهم قائلًا ” كيف يعقل أن تحرم  مدارس من التدفئة ويعاقب التلاميذ بتركهم عرضة للبرد دون رحمة؟”، كما استفهم عن الوجهة التي تذهب فيها الأموال المرصودة سنويًا لتوفير التدفئة في المؤسسات التربوية؟ علمًا بأن وزارة التربية تخصص ميزانية هائلة تضاف إلى ميزانية معتبرة للمجالس الشعبية للمحافظات، كما هناك ميزانية أيضًا من وزارة التضامن الوطني والأسرة، وميزانية تخصص من طرف المحافظات نفسها وكلها مخصصة لأجهزة التدفئة.

ألهذه الأسباب تفتقر 60 % من مدارس الجزائر للتدفئة؟

ويرى محدثنا، “بأن الجزائر لا زالت متأخرة في مجال توفير التدفئة للمدارس على مستوى أكثر  2700  مؤسسة تربوية، حيث كشفت بعض الأرقام أن نسبة انعدام التدفئة بالأطوار الثلاثة بلغت حوالي 35 بالمائة، وهو رقم مرتفع مقارنة بالميزانية والأموال الباهظة التي خصصتها لأجهزة التدفئة لتحسين ظروف التمدرس للتلاميذ .”

وسجل في المقابل رئيس المنظمة الوطنية لجمعيات أولياء التلاميذ بن زينة علي وفي تصريح “فريق زدني”، أكثر من 60 بالمائة من المدارس الابتدائية تفتقر إلى التدفئة، و40 المتبقية، غالبية الأجهزة التي بحوزتها معطلة  بسبب عدم إصلاحها، بسبب تقاعس  مدراء وتهرب مصالح شركة الكهرباء والغاز خوفًا من عدم صرف مستحقاتها.

وأوضح بن زينة، أن ذات العجز تعاني منه المتوسطات والثانويات، والسبب وراء ذلك ووفق تقارير تلقتها منظمته، هو لجوء مدراء هذه المؤسسات التربوية للتقشف في استعمال الغاز أو الكهرباء لتفادي فواتير ضخمة، على غرار ما يحصل بكل من محافظات عاصمة الجزائر ووهران وبومرداس، حيث يلجأ هؤلاء المسؤوليتين إلى عدم تشغيل التدفئة المركزية مقابل إبقاء التلاميذ في أقسام تحولت إلى “ثلاجات”، على الرغم أن الدولة وفرت السيولة اللازمة.

هذا واغتنم المتحدث الفرصة، ليعود إلى أجهزة التدفئة  القديمة التي لا زالت تستغل وتضع حياة الأسرة التربوية في خطر الخطيرة، على غرار ما حصل بمحافظة ” الوادي” الواقعة بالجنوب الجزائري وبالضبط في إحدى مؤسسات منطقة ” قمار”، حيث إنه في إحدى الأقسام وبسبب مدفئة تشتغل بالمازوت، تسبب تسرب هذه المادة في اشتعال النار في كامل أرضية القسم، والذي كاد أن يتحول إلى كارثة إنسانية، ما جعل المتحدث يدق ناقوس الخطر ويدعو لفتح تحقيق واسع عبر كامل المؤسسات التربوية لمنع تكرار هذا السيناريو.

نقابيون يجدون “العقاب” سبيلًا لإعادة الانضباط لمدارس الجزائر

ونفس التحليل صدر من عضو مكلف بالتنظيم على مستوى النقابة الوطنية لعمال التربية، يحياوي قويدر، حيث نقل وفي تصريح لـ”فريق زدني” أن نقابته وعبر تقاريرها التي تصدر يوميًا عن المحافظات لاحظت انعدام التدفئة في عدد كبير من المؤسسات التربوية المتوزعة عبر أنحاء الوطن، رغم الأغلفة المالية الكبيرة التي ترصدها الدولة لتنفيذ المشروع كل سنة، لذالك  يحذر من الانعكاسات التي تتهدد صحة المتمدرسين بسبب موجة البرد الكبيرة التى سجلت خلال بداية  فصل هذا  الشتاء.

وقال “لا تزال الوعود التي قطعها وزراء التربية المتعاقبين على وزارة التربية الوطنية، والتي تعهّدوا بموجبها في كل مرة  بتعميم التدفئة على كل المؤسسات التربوية بالوطن عند بداية  كل فصل شتاء، مجرد تصريحات للاستهلاك، حيث تتواصل معاناة مئات الآلاف من التلاميذ مع البرد، على غرار ما يحصل هذه الأيام عندما انخفضت درجات الحرارة إلى معدلات أقل من الصفر بسبب الثلوج، خاصة في المدن الداخلية ومنطقة الهضاب، بالرغم من أن موسم الشتاء لا يزال في مستهله”.

وأمام هذا الوضع المُزري، يطالب يحياوي قدور، السلطات المركزية بتحمل مسؤولياتها، واعتماد إجراءات صارمة لتعميم التدفئة في كل المدارس، وتجاوز كل المُعوقات والعراقيل التي تحول دون ذلك في أقرب وقت ممكن، خاصة أن ملايين الدينارات يتم رصدها كل سنة لتجسيد العملية، كما أنه ”إذا استدعى الأمر يجب تسليط تدابير عقابية على المؤسسات أو الأشخاص الذين تسببوا في التأخر الحاصل في تزويد المؤسسات التربوية بالتدفئة، وبالخصوص في الابتدائي ”.

وأضاف “تختلف الأسباب وتتعدد، غير أنها تنتهي عند نتيجة واحدة هو  “البرد القارس” داخل الحجرات والأقسام المدرسية، حيث لاحظنا في بعض الأحيان وجود مؤسسات تربوية مجهزة بنظام تدفئة، غير أنه معطل لدواع تافهة في بعض الأحيان، كانعدام قطع غيار أو وجود عطل في التركيب، فضلًا عن انعدام شبكة الغاز في بعض المحافظات، ما يجعل اللجوء إلى مادة المازوت أمرًا ضروريًا، غير أنه غالبًا ما تتم المماطلة في جلب هذه المادة، أو تعذر إحضارها خاصة في المناطق النائية.”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك