3 اتجاهات فكرية تُلخص العنف المدرسي

17 نوفمبر , 2014

درس المعنيون بالبحث الاجتماعي أثر”العنف المدرسي” من عدة اتجاهات، و كان هذا العنف و انعكاساته على الصياغة الاجتماعية في مختلف أبعادها نتائج مثيرة، و على الرغم من تباين آراء المنظرين و اختلاف وجهات نظرهم حول هذه الإشكالية، فبإمكاننا تلمس بعض الاتجاهات الفكرية و السيوسولوجية التي تناولت العنف و من أهمها: نظرية التبادل الاجتماعي، و نظرية التفاعل الرمزي، و فكر الدور الاجتماعي. و سنتطرق لكل واحدة منها بالتفصيل.

 

شبكة زدني، و في إعدادها لهذا التقرير، أطلعت على دراسة ميدانية أجريت في مدينة بعقوبة، بمحافظة ديالى، العراقية، و تقدمت بها الباحثة العراقية، “زينب عبد الله محمّد”، إلى جامعة بغداد، عام 2005م. تبحث الدراسة في دور البيئة المدرسية في سلوك “العنف”.

إن أي منظور فكري لا يستطيع أن يحدد و يفسر كل الحقيقة و إنما جزءًا من هذه الحقيقة الاجتماعية المتعددة الأبعاد، فالعنف كأي سلوك له جذر بيئي و آخر ذاتي ينقل من خلال الاستعدادات التي تنقل من الآباء إلى الأبناء و من ثمّ فانه سلوك ناتج عن تفاعل نوعين من الدوافع هما الدوافع الفسيولوجية و الاجتماعية و عليه فلابد من اعتماد أكثر من مدخل نظري لتفسير ظاهرة العنف المدرسي.

إن جل اهتمام الباحثين في علم الاجتماع و علم النفس تركز على أنواع كثيرة من العنف منها: العنف المادي، العنف المعنوي، العنف الديني، العنف الأسري و نتيجة للظروف الاجتماعية التي تمر بها بعض المجتمعات قد يظهر كثير من المشكلات منها (مشاكل الحروب) و التي تترك آثارًا اقتصادية و اجتماعية و نفسية على طبيعة النفس البشرية فقد توجهت الأنظار في العقود الأخيرة من القرن الماضي إلى الاهتمام بظاهرة العنف المدرسي الذي يكون استمرارًا للعنف الأسري خاصة و المجتمعي عامة و قد أشار المفكر “كارل مانهايم” إلى أن الفرد وليد الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و الاقتصادية المحيطة به.

أولاً: نظرية التبادل الاجتماعي

تعود جذور هذه المدرسة إلى المذاهب الفكرية في علم الاقتصاد و علم الإنسان و علم النفس و من أبرز روادها: (بيتر بلاو، جورج هومانز، مالينوفسكي، ثبوت كلي، سكنر) هذه المدرسة بإمكانها تفسير جميع أنماط العلاقات الاجتماعية و السلوك الاجتماعي للأفراد و الجماعات.

و ترى أنه إذا قام شخص ما بسلوك عدواني ضد شخص آخر فلابد أن تكون النتيجة سلوكًا عدوانيًا مماثلاً، و يمكن أن يوجه العنف ضد المؤسسة الاجتماعية سواء كانت أسرة أو مدرسة أو مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية و حتى ضد المجتمع “العنف بنائيًا”، فالسلوك المضاد هو استجابة للعنف الذي تمارسه مؤسسات المجتمع ضد الفرد المتجسد في الجزاءات و الضوابط.

أما جورج هومانز، يرى أن النشاط إذا كان مصحوبًا بمكافأة فإن الفرد سيكرر نشاطه أملاً في الحصول على مزيد من المكافأة و هذه المكافأة هي التي تقوي العلاقات الاجتماعية، و يتفق معه في هذا الرأي رائد المدرسة السلوكية في علم النفس سكنر، و هذا ما يسمى في علم النفس التعزيز الإيجابي و ما يقابله من أساليب التعزيز السلبي.

أما بيتر بلاو، فيرى أن القوة و القسر تقلل من قيمة الخدمات المقدمة و يتفق معه التربويون فيرون أن العقاب يقلل من علاقة الاحترام المتبادل فالسلوك الذي يعاقب عليه الفرد يختفي لفترة و يعاود الظهور مرة أخرى، فسلوك العنف داخل المدرسة هو نتاج عملية تبادلية بين الطالب و المدرس و الظروف الاجتماعية الأخرى.

ثانيًا: نظرية التفاعل الرمزي

جذور هذا الفكر ترجع إلى المذهب البراجماتي (الذرائعي) و أبرز رواده:(جورج هربرت ميد، جون ديوي، جورج هربرت بلومر، تشارلز كولي، وسي رايت ملز).

و التفاعل الرمزي هو ذلك النشاط الذي يفسر من خلاله الناس أفعال بعضهم و تصرفاتهم و إيماءاتهم على أساس المعنى الذي يضفيه هذا التفسير على تلك التصرفات.

و ترى هذه المدرسة أن سلوك الفرد و الجماعات ما هو إلا تجسيد للرموز التي يشاهدها الفرد و يتأثر بها سلبًا أو إيجابًا بشكل مباشر، و أن العمليات المعرفية تؤدي دورًا أساسيًا في ظهور السلوك العدواني بين الأفراد فطريقة إدراك الفرد للعلاقات مع الآخرين باستطاعتها أن تكبح العدوان أو تسهله.

و يرى جورج هربرت ميد، أن الإشارات تعني بداية السلوك الاجتماعي و لها مدلولات اجتماعية لمن يشاهدها كتحريك اليد و الأصابع و أن هناك فهمًا مشتركًا من قبل أفراد المجتمع لهذه الإشارات.

فمثلاً: إن المدرس حين يحرك إصبعه تعبيرًا عن التهديد و الوعيد للطالب فأن مثل هذه الصيغة الرمزية تفهم على إنها سلوك عدواني موجه ضده و ما يترتب على ذلك السلوك من ردة فعل معينة تحديًا أو دفعًا للضرر، و هنا تتداخل عملية التبادل الاجتماعي مع التفاعل الرمزي.

ثالثًا: فكر الدور الاجتماعـي

هذا الفكر انسلخ من فكر التفاعل الرمزي لذلك نجد ثمة اتفاقًا في كثير من القضايا التي تمر بها عملية التفاعل الاجتماعي و نحن لسنا في صدد الحديث عن تلك المواقف و ما يهمنا هنا هو ماذا يلعب دور المدرس في التأثير على شخصية الطالب المستقبلية.

و قد يمارس الفرد عدة أدوار اجتماعية تؤثر بشكل كبير في سلوكه اليومي و الاجتماعي فقد يكون المدرس أبًا أو ابنًا فضلًا عما يحمله من أعراف و معتقدات و خبرات كلها تؤثر بشكل كبير في تصرفاته و تفاعله و سلوكه اليومي مع المحيطين به و لاسيما الطلاب، فالمكافأة و العقوبة قد تعززان سلوكًا سواء كان هذا السلوك إيجابيًا أم سلبيًا مما يؤدي إلى اكتساب و نشوء سلوكيات معينة تنتقل عن طريق الملاحظة و التعلم. 

و قد أكد ميلر، الذي يتبنى هذا الفكر أن الطفل يكتسب مكانته و يتعلم دوره من خلال تفاعله مع الآخرين و يتعلم الطفل دوره عن طريق التعلم من خلال الملاحظة و المواقف المختلفة، فهذه المواقف تعلمه الأدوار الاجتماعية، و الفرد منذ بداية حياته يتدرب على أشكال الأدوار الاجتماعية عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية.

و يتمكن الطفل من خلال عملية التقمص من اكتساب الأدوار الاجتماعية و استبطان المفاهيم و التصورات و العقائد و القيم السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه و يتم هذا الاكتساب عبر سلسلة من العلاقات و الفعاليات الاتصالية التي يقيمها الفرد مع الأشخاص الذين يحيطون به خلال عملية التنشئة الاجتماعية للطفل و يتعلم الأدوار و أنماط السلوك من خلال تقليده المحيطين به و يكتسب و يتعلم إجاهاتهم.

فدور المدرس هنا ينحصر في أدائه و ممارسته التي تتميز بها شخصيته و مكوناتها الثقافية و التي تؤثر في تفاعله الاجتماعي مع المجتمع المحيط به فهو ينقل بعض السلوكيات التي اكتسبها من محيطه سواء كان أسريًا أم مدرسيًا، فهذه السلوكيات تخزن في اللاشعور و عند ممارسة دور المربي مع طلابه فقد تظهر هذه السلوكيات كممارسة العنف البدني أو اللفظي فهو يمارس على طلابه ما مورس عليه في الماضي فتصبح عمليه متتالية حيث يقوم بهذا الدور بعضًا من طلبته مستقبلًا.

مهتم بأمور التعليم

download.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك