مراجعة لكتاب “حول التربية والتعليم” للمفكر عبد الكريم بكار 1

24 أكتوبر , 2015

الدكتور عبد الكريم بكار، واحد من رموز الفكر والثقافة في العالم العربي والإسلامي، عرف عنه انشغاله بأسئلة لنهضة مع الجيل الجديد من رجال الفكر والمعرفة الباحثين عن توليفة لتجاوز عطل التخلف برؤية إسلامية حضارية، وتعتبر كتابات الكثير من هؤلاء امتداداً للرعيل الثاني من الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، والتي كان من روادها محمد إقبال ومالك بن نبي وعلي شريعتي وغيرهم من الذين بحثوا إمكانية النهوض بالتركيب بين منطلق الغيب والعقل أو العلم والوحي، في زحمة الكتابات التي كانت تعج في كل العالم العربي أو الثالث برمته مقتفية أثر التحرر والتقدم بمرجعية إشتراكية، وفي أفضل الحالات إن لم يكن اصطدام مع الدين كعامل من العوامل الفعالة التي تشكل مخزوناً قوياً لإعادة الانبعاث، كان يتم التهميش والإبعاد، وفي حالات أخرى لمّا مُني العرب بالهزيمة انبعث من جديد التفكير في الذات ونقد تراثها وموروثها، فالهزيمة كامنة فينا، ولذلك أعملت مناهج في نقد التراث وإعادة قراءته، لكنها في الآن نفسه بقيت مفصولة عن الذات، وهي متصلة بها إلا من حيث هي مادة للدراسة والنقد وليست للانطلاق مما هو حيوي فيها.

فالحديث عن سمات مختلف المدارس الفكرية التي عالجت إشكالية النهوض لا ينضب في تأليفات انتشرت بكثرة في السنوات الحالية، في محاولة لكشف عوامل نجاح بعض التجارب وإخفاق أخرى، ورغم ذلك فإن النهضة ليست وصفة جاهزة تنقل من مكان إلى مكان لتؤتي مفعولها، إنما النهضة تفاعل للمقدرات الذاتية في زمان ومكان ويشكل الإنسان محور تلك المقدرات والإمكانات، ولذلك جاء اختيارنا لكتاب أحد المؤلفين المهجوسين بإشكال النهضة، لكن مدخله في ذلك بناء الإنسان وتربية النشء، والتعليم أهم مدخل من مداخل البناء للإنسان والإنسانية في زحمة المتغيرات وتجدد المعطيات التي واكبها بكار ونواكبها معه عن قرب، ونرجوا أن نجد في الكتاب الذي سنقدمه على حلقات إفادة لكل المهتمين بالتربية والتعليم..

جاء كتاب “حول التربية والتعليم” الذي يعد خامس إصدار ضمن سلسلة “المسلمون بين التحدي والمواجهة” التي يعالج فيها واقع المسلمين المتردي في عدة مجالات ومستويات، ما جعله يعيش أزمة حضارية لن يتجاوزها إلا بتفعيل إمكانات النهوض ومفاعيله، وأهمها مجال التربية والتعليم.

فكيف يقدم المؤلف كتابه الخاص بالتربية والتعليم؟ وما هي أهم الأفكار الواردة في الكتاب؟

يؤطر الكاتب في مقدمة الكتاب سياق الإشكالات المتعلقة بجال التربية في الوطن العربي، وهي ليست بقضايا مكون وطني أو مجموعة من الناس أو بلد دون آخر، وإنما هي قضايا أمة وعلى الأمة جميعها أن تحاول النهوض بمؤسساتها، وحل مشكلاتها؛ “فنحن جميعاً نتعرض في كل يوم إلى مواقف نتعلم فيها، ونعلم، ونربي ونتربى، وهذا يفرض علينا أن نتابع بعض المعارف المتعلقة بذلك”.

ويضيف الكاتب عن امتداد أثر التربية والتكوين فيعتبر أن التقدم العقلي والروحي والخلقي ليس محدوداً بأسوار دون مضيه إلى ما لا نهاية، وهو منوط على نحو رئيس بنوع التربية والتدريب الذي يمكن أن يتاح لنا على حين أن التقدم المادي كثيراً ما يعتمد على مواد محدودة غير قابلة للنمو، بل إن كثيراً منها مهدد بالنفاذ الكامل، ولذا فإن مستقبل البشرية سيعتمد من الآن فصاعداً على نوعية الإنسان الذي تعده المؤسسات التربوية، مما يعني أنه لا بديل عن الاهتمام بها وضرورة الانفاق عليها بسخاء”. (ص:6)

فالإنسان حسب المؤلف لا تنضب قدراته وإمكاناته على عكس المادية المستخلصة من الطبيعة، ولذلك يستحق الإنسان الاهتمام، وما لم يكن عامل التربية والتأهيل يتجه بالإمكانات نحو البناء والإنفاق السخي عليه، فإن العطل سيستمر، ويشير المؤلف إلى أنه اتجه في كتابه نحو الفصل بين التربية والتعليم، فالتعليم جزء من التربية.

1) حول جوهر التربية وأهميتها:

يشير الكتاب في محوره الأول الذي يحمل العنوان المركزي أعلاه، وعنوان فرعي “التربية طبيعتها وأهميتها”، إلى الدلالة اللغوية والإصطلاحية لمفهوم التربية وخصائصها، ويشير من حيث اللغة بحسب البحث في لسان العرب على ثلاثية “ربا” إلى معنيين لغويين:

_ الأول: يعني “النمو والزيادة، وهو حسب المؤلف أوضح ما يطلب من التربية”

_ الثاني: التدرج، فالتربية جهود تراكمية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك