مُبتعث بين دفات الغربة

2 سبتمبر , 2015

فتحت المنح الدراسية لإكمال التعليم الجامعي خارج العراق، آفاقاً جديدة أمام الطلاب العراقيين، ومن هذه الأبواب منحة “مؤسسة الخنجر للتنمية العلمية”، التي تقوم دورًيا بابتعاث طلاب العراق لدول عربية وعالمية عدة.

وفي هذا الحوار مع الطالب العراقي المبتعث “أثير المحمدي“، نناقش مراحل الدراسة والابتعاث والصعوبات التي يواجهها الطلاب المبتعثون في الغربة لطلب العلم.

ولد “المحمدي” في ثمانينات القرن الماضي، بمدينة الفلوجة، بمحافظة الأنبار، غرب العراق، وأتم فيها مراحله الدراسية: الابتدائية، والإعدادية، حصل في قبوله المركزي بالعراق على مقعد ضمن كليات الهندسة، إلاّ أنه فضل منحة “مؤسسة الخنجر للتنمية العلمية” لدراسة الطب في مصر على دراسة الهندسة ببلده.

  • بدايةً حدثنا عنك، ومراحلك الدراسية والتعليمية التي مررت بها في الوطن والغربة..

لكل ناجح لابد من طفولة نبغ فيها وتميز عن أقرانه، ومما كان يميزني الصمت والترفع عن كل ما من شأنه أن يضع من قيمة الإسان وقدره، بدأت من عمر مبكر جدًا وأثناء المرحلة الابتدائية بالعمل مع أحد أعمامي فتعلمت الكثير من عملي معه.

أصبح التميز عادتي ولم أكن لأتنازل عنه أبدًا، والمرحلة التي مثلت تحديًا بالنسبة لي هي انتقالي من مدرسة إلى أخرى، وكانت هذه تجربة جديدة كليًا عني، وجدت نفسي بعيدًا عن الاهتمام الذي تعودت عليه فلم يكن أحد من الأساتذة والزملاء يعرف عني شيئًا، فاستثارني الأمر، حتى تفاجأ الجميع بدرجاتي في امتحانات نصف السنة، فأثبت نفسي من جديد.
كان لتواجدي الدائم في مسجدنا أثر كبير جدًا في صقل شخصيتي وبناء فكري وتوجهي وثقافتي.

كان قبولي المركزي هو كلية الهندسة جامعة بغداد، لكني قبلت على منحة مؤسسة الخنجر للتنمية العلمية/بعثة القاهرة.

  • تخصصت في دراسة الطب جامعياً، حدثنا عن اختيارك لهذا التخصص؟ وهل هو عن رغبةً منك؟

الأفكار تزرع من خلال كلمة، وأنا من الناس الذين إذا سمعوا شيئًا تفاعلوا معه، وفكروا فيه، وأول من زرع فكرة الطب في ذهني هما أبي وأمي، ونمت هذه الفكرة حتى أصبحت حلمًا أعيشه باستمرار، لكن لم يحالفني الحظ في البكالوريا لسوء الظروف التي أدينا فيها الامتحانات، أّذكر أن الامتحانات تأجلت أكثر من مرتين، نذهب لأداء الامتحان، ثم نتفاجئ بتأجيله.
قبلت في كلية الهندسة جامعة بغداد، إلا أن تم قبولي في بعثة مؤسسة الخنجر للقاهرة، فكانت هذه بمثابة الفرصة التي تحقق الحلم الأكبر، ترددت قليلاً لأني رفضت الغربة في بادئ الأمر لأني لم أعتد عليها، لكن قلت كما يقول الشاعر “من رام وصل الشمس حاك خيوطها…سببًا إلى آماله وتعلقًا” فتغربت لأجل تحقيق هذا الحلم.

جميل أن تجتمع رغبة الفرد مع رغبة أهله – كما حصل معي – لأنها إن عارضتها ألغتها، وذلك لأننا في مجتمع متسلط للأهل اليد العليا في اختيار ابنائهم، والحمد لله أن هذا الامر بدأ يتغير.

  • ماذا يعني الطب لك؟ وما هي تطلعاتك للمستقبل في هذا الاختصاص؟

الطب هو أن تكون إنسانًا، هو طريق إلى الجنة لمن أخلص فيه، وطريق إلى النار لمن تهاون.

أتطلع إلى أن أكمل تخصصي لكني لم أقرره إلى الآن، لست ممن يتكلم بما لا يعلم، واعتبر إني لم أعرف عن الطب مايكفي للاختيار، والفترة القادمة كفيلة بذلك لأنها تمثل المعترك الحقيقي وبداية الحياة في المجال الطبي.

وأتطلع كذلك أن أجمع بين الطب والأدب واللغة والثقافة، أريد أن أغير نظرة المجتمع للطبيب.

من المضحك أن الناس يعجبون من طبيب يتصفح كتابًا في غير مجاله وأظنكم لاحظتم ذلك.

  • في وقت يحتار الطلاب فيه باختيار تخصصهم الجامعي ما بعد الثانوية العامة؛ كيف يمكن للطالب أن يرسم مستقبله بكل ثقة بعيدًا عن الحيرة؟

للأسف أن نظام القبول في الجامعات والمعاهد لا يُبنى على رغبة الطالب وإنما على معدله في الثانوية باستثناء أصحاب المعدلات العالية الذين تتاح لهم امكانية الاختيار، ولكنهم تحت ضغوط مجتمعية عقيمة لا ينبغي أن يخضعوا لها.

هذه الضغوط تمثل قيود تحجب الابداع، وأعني بالقيود هذه أن الاختيار لابد أن يبنى على المعدل، فأصحاب المعدلات العالية لابد أن يختاروا كلية الطب ثم طب الأسنان ثم الصيدلة والهندسة، وهذا أمر خاطئ.

نصيحتي للشباب أن يكتشفوا أنفسهم مبكرًا وأن يتحرروا من كل قيد، وأن يختاروا ما يحبون، وأن يقنعوا أهلهم بالتي هي أحسن، وإن دخلوا فيما لا يرغبون ليعلموا أن العلم كله نور وليعملوا بالمقولة ” أحب ما تعمل حتى تعمل ما تحب”.

  • للتعليم العراقي؛ جرح عميق، حدثنا عن التعليم في بلاد الرافدين وكيف أصبح حاله بسبب الازمات التي يمر بها البلد؟ وماذا عن المبادرات التي تساهم في الاعتناء بالطلبة العراقيين..

لا يزال التعليم في بلاد الرافدين على مستوى من القوة لا بأس بها، إلا أنه تراجع كثيرًا عن سابق عهده والعائق الأمني هو التحدي الحقيقي للطالب العراقي.

وأما عن المبادرات التي تحدثت عنها فأرى أن مشروع مؤسسة الخنجر للتنمية في ابتعاث عدد من الطلبة إلى مختلف الدول العربية والأجنبية هو المشروع الرائد والأمثل لأنه يقوم على أساس إبتعاث طلبة من محافظات مختلفة في تخصصات مختلفة وتنشأتهم بعيدًا عن النفس الطائفي والضغط النفسي الناتج عن الوضع الأمني السيء وبذلك يتفرغوا للعلم واكتساب المعرفة والثقافة ونقل تجربة الدول التي ابتعثوا إليها إلى بلدانهم بشكل يسهم ببناء مجتمع عانى الكثير في ضل التردي الكبير في كافة المجالات.

ومن خلالكم أدعو أصحاب الأموال أن يحذوا حذو مؤسسة الخنجر في ابتعاث دفعات جديدة من الطلاب ليسهموا في بناء عراق جديد.

  • كيف كان ابتعاثك لطلب لدراسة الطب في مصر؟ وما هي الجهة التي ابتعثتك؟ حدثنا عن قصة اختيارك ضمن الطلاب المبتعثين لمصر..

كان اختياري نتيجة ترشيح من أحد الأخوة الذين كانوا على علم ودراية بمستواي الدراسي والأخلاقي والديني، ولم أخيب ظنه أبدًا فكنت أهلاً لهذه المنحة التي تفضلت بها مؤسسة الخنجر للتنمية العلمية، المؤسسة التي قامت على أساس ما ذكرته سابقًا بالإضافة إلى سد الخلل الذي نتج عن هجرة واستهداف الكفاءات العلمية في العراق.

صدقًا، لا أريد أن استذكر قصة الابتعاث، لأنها كانت في أصعب الفترات، كان استخراج الاوراق المطلوبة شبه مستحيل، والتنقل كان صعبًا جدًا في ظل احتلال أمريكي شل الحركة والتنقل، وعصابات استباحت كل شيء.

  • هل تعتقد أن المبتعثين العراقيين في مصر اليوم نالوا كل ما يحتاجونه في ابتعاثهم لطلب العلم؟

بالنسبة لمصر كجهة ابتعاث لا يستهان بها، فهي تحوي كفاءات في مختلف المجالات كما أن التسهيلات التي كانت للطلبة العراقيين تعتبر مقبولة إلا أن ذلك تغير الآن فأصبح دخول العراقيين إليها صعبًا للغاية وتم التضييق على المبتعثين إليها، وسحب الاعتراف من جامعات كثيرة، والمتابع يعلم أن عدد الجامعات المعترف فيها الآن محدود جدًا.

ومما يميز مصر عن غيرها توفر فرص كبيرة للتطوير في كافة المجالات وبأسعار مقبولة، فمن أراد ان يبني نفسه سيجد الفرص كثيرة للتعلم وليس للعمل طبعًا!

  • ما المقومات التي ترى فيها أساسيات نجاح طلب العلم في الابتعاث لمصر؟

شخص يوجهك وجهة تدعمك والتطوير الذاتي في مجال التخصص والمجالات الأخرى المرتبطة فيه.

  • ماهي أبرز المعوقات الدراسية والاجتماعية التي يواجهها الطالب العراقي المبتعث لمصر؟

معوقات الدخول إليها والإجراءات العقيمة في كافة الدوائر الحكومية، مما يكلف الطالب جهدًا ووقتًا، فالمعاملة التي تحتاج إلى ساعة لاتمامها قد يقضي أيامًا لأجل ذلك، وأضيف كذلك سحب الاعتراف من كثير من الجامعات والمعاهد هناك.

  • على ماذا يجب أن يركز الطلاب العراقيين، المبتعثين عمومًا، والمبتعثين لمصر خصوصًا، من ناحية: مهارات الحياة، ومهارات العلم والتعليم؟

لا ينبغي أن يشغل رغد العيش عن هم الوطن أبدًا، لابد أن ترى وطنك وأهلك في كل خطوة تخطيها، من يبحث عن عيش رغيد فلن يعود ومن كان همه اصلاح وطنه وبناؤه فهذا الذي نتحدث عنه.

من زار مصر ولم يأخذ عن شعبها الدعابة والفكاهة والبساطة فكأنه ما زارها ولا اختلط بأهلها، وهذا الشعب شعب يألف ويؤلف، ومن اختلط فيه حق الاختلاط اكتسب مهاراة في التواصل لا يأخذها عن غيرهم من غير تكلف ولا جهد.

  • هل من فروقات في التعليم المصري والعراقي؟ ما هي أبرزها؟

يسأل عن هذه الفروقات من درس في العراق ومصر يجيبك عنها بشكل مفصل فلا يمكن أن تقيس التعليم ما قبل الجامعة في بلد مع التعليم الجامعي في بلد آخر، إذ لابد من مقارنة كل مرحلة مع نظيرتها، ولكن مما أعرفه أن الفرق في التعلم بين مصر والعراق أن النظام في العراق يجبرك على التعلم وأن النظام في مصر يهبك الاختيار، فإن أردت أن تتعلم ستجد ألف طريق لذلك وإن اردت الاكتفاء باجتياز اختباراتك فلك ذلك.

مما شد انتباهي وحاز إعجابي تواضع المعلم في مصر مهما بلغ علمه وعلا شأنه، فترى أنك إن سألت أستاذك لم يتركك حتى يتأكد أنك فهمت على أتم وجه.

  • ماذا أضافت الغربة لشخصيتك؟ ماذا عن تأثير مصر عليها؟

أضافت لي حب اللغة والشعر والأدب، وتحمل المسؤولية، وعلمتني مصر أنّ “بلاد العرب أوطاني” رغم كل الأسى الذي فيها.

  • كيف يمكن للمغترب أن يجد في طلب العلم موطنًا له؟ حدثنا عنك؛ كيف كان التأقلم مع طبيعة الحياة وطلب العلم في الغربة؟

إذا علم الطالب أنه عائد لوطنه وأن هناك دورًا له وفراغًا ينتظره ليملأه، حينها ستكون كل أرض له وطنه ولكنه وطن مؤقت يهديه إلى وطنه الأم أجمل وأكمل وأمثل.
وبالنسبة للتأقلم فهو أمر ضروري وليس بالهين كذلك، فهو يحتاج إلى صبر كبير ودراية بطبيعة المجتمع الجديد، وأختصر الامر بالتواضع والاحترام، تواضع واحترم فتدخل القلب وتندمج مع مجتمعك الجديد.

وصراحة، الغربة في مصر ليست كغيرها، وهذا يرجع لطبيعة شعبها الطيب وقد قلت فيهم:

إذا ذُكِرَ الكرام ذكرت مصرا … ولو ذكر الشمالُ هي اليمينُ

بلادٌ يا رعاها الله أرضاً … وشعباً لا يُهانُ ولا يُهينُ

شرِبنا ماءَها عذباً فراتاً … فأثمر في جوانحنا الحنينُ

نفارقها بقلبٍ مستهامٍ … ونمشي في الحياةِ لنا أنينُ

وإنا ليس نتركها بملئٍ …. وقد هاجت بخافقنا شجونُ

عزائي أن سيجمعنا لقاءٌ … وإن عزَّ اللقاءُ فما نخونُ

  • كيف نحول الابتعاث إلى فرصة للتعريف بقضية الوطن والأمة؟

سؤالك يدل على حرص ووعي اشكرك عليه. ينبغي اولا ان نعلم عن قضية الوطن ونعيشها ثم ننقلها من خلال الكلمة والموقف.

  • هل يوحد العلم ما فرقته السياسة بين شعوب الوطن العربي؟ ألا تعتقد أن تفرق وابتعاد شعوبنا يضعف العلم والمعرفة؟

بالطبع يفعل العلم كل ذلك لكن بشرط أن يكون التفاعل والتعاون المشترك على مستوى يحقق للعلم هذه الميزة، إذ يجب ألا ننسى أن السياسة امتدت لتقطع سبل التعاون العلمي المشترك بين بلداننا العربية وهذا أثر سلبًا على البحث العلمي على سبيل الخصوص، فبدل أن تتكامل البحوث ويبنى أحدها على الآخر، نجد أن كل بلد يبدأ من الصفر ويصل إلى نقطة يتوقف عندها لعدم توفر الدعم، ولو أن تعاوننا لبدأنا حيث انتهى الآخرون وبذلك نوفر ميزانية أكبر لذلك، ويبقى كلامنا مجرد رأي وسؤالك يحتاج إلى متخصصين في هذا المجال المهم ليوحدوا الجهود ويرتقوا بالبلاد.

  •  ختامًا، ماهي رسالتك لكل مبتعث؟

رسالتي اختصرها “كن مرآة لوطنك فالكل ينظر إليك”…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك